الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الأولى (19)
«فيصل»... البيروتي مأوى العقائديين و صالون الشعراء و الأدباء!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الأولى (19)
«فيصل»... البيروتي مأوى العقائديين و صالون الشعراء و الأدباء!

كنت كل ليلة, أترك همومي و إنشغالي و حيرتي على عتبة الشقة, أتحايل على نفسي, أكبت حسرتي, لكي لا تشعر زوجتي بمضاء الأزمة, و هي من النسوة اللائي يأكل الهمّ من صحونهن, و لم أدع شيرين أو شريف يشعران بأي تغير,  و كان إسلام شلبي يعيش الوضع نفسه مع زوجته و ولديه عمر و داليا.

حاولنا التعافي من الحزن, و استعادة الثقة بانفسنا و بالحياة, و أن نتصبر بالامل, إلاّ أننا كنّا مثل جرح على بُرئِهِ نازِفاً..

أخذ كل واحد منا يفكر بالآخر :

سي عبد الغفار أفندي, على الرغم من عشقه لبيروت, فإن لا شيء يربطه بها سوى العمل, و كأن قلبه كان دليله, أجّل مرات عدة, إحضار عائلته الى لبنان, فقرر العودة الى القاهرة.

فاطمة, “بنوتة” المكتب, تعّد الأيام على أصابعها, لتقترن بالرجل الذي أحبت, و الحبيب يغار عليها من النسيم إن داعب خديها, يريدها “ست بيت”, فقط!

علاء توّكل ” بياع ” اكتسب خبرة التاجر اللبناني الشاطر فكان علاء يكرر دائماً, “إن التاجر اللبناني يستطيع حتى بيع الرمل للعرب”,  فقرر استغلال معرفته بالسوق اللبناني و المصري , و الإتجار بين البلدين .

تولى إسلام شلبي تصفية المكتب, و معالجة القضايا القانونية المترتبة على ذلك… أما أنا, فقد واجهت مسائل شائكة, أولها, التخلص من عقد ايجار المطبعة, فلقيت من أصحاب  المُلك في “المكلس”, تفهماً أثلج قلبي, فأُلغي العقد, من دون جزاء , على الرغم من أنه نص على بند جزائي مُلزِم.

جوزف عبود, خفّف عني حرجي:

“و لا يهمك… حصل خير.”

ربّت على كتفي , مطيباً خاطري.

نقولا و إحسان قارة كنا بمنتهى التهذيب, تفهما ما حصل.

و وسط دوامة الإضطراب القهري و الخوف, مع الأمل بالخروج من الأزمة الى فرصة أفضل، آثر إسلام الإنطواء, و لزم الصمت, و حالف العبوس, لا يخالط أحداً, و لا يألف أحداً من الناس. فتمكنت من إخرجه من تلك الشرنقة, فاجأته:

” دعنا نذهب للغداء و ربّك يدبرها “.

رمقني بنظرة سريعة, حاول أن يَجدُلَ الحديث, تنغم صوتي:

” نكمل الحديث في مطعم فيصل”.

و كنت أعرف أن ذلك المطعم الواقع في “شارع بلس”, مقابلة “الجامعة الأمريكية”,  مكانه المفضل من أيام الدراسة.

… هناك إلتقى أصدقاء الدراسة , و لاحت بادرة أمل ..

بعضُ الأماكِنِ, يقف عندها التاريخ, يحني هامته و…يصمت.

و لبعضِ الأماكن على بعضِ الأماكن, دلالات, و تَشاوف, و علامات أزمنة.

ما من مثقف, و مفكر, و كاتب, و شاعر, و سياسي. أو فنان, إبن البلد, كان, أو من بلاد العرب الواسعة, قُيِّضَ لهُ أن يعايش في لبنان تجربة “دولتشي فيتا” و”هورس شو”و… “فيصل”, إلا  وإنفطر قلبه إلتياعاً, و هو يستذكر تلك المقاهي الثلاثة, و إستحوذت عليه الحسرة على ماضٍ, كانت أيامه و لا أحلى, و لا أصفى, و لا أغنى…  و غمره الحزن على بيروت التي كانت… و كانت, فأذاقوها المُرَّ و العلقم, ثم نحروها من الوريد الى الوريد.

“شارع بلس”, و يكفي ذكر الإسم, حتى تستفيق في الذاكرة وجوه و حوادث, كانت علامات فارقة في دنيا العرب. قالوا فيه و قالوا … و تاهت الذكريات.

موازٍ لشارع “الحمرا” هو, مساره من الشرق الى الغرب, و يتصل بشارع “كليمنصو” الى الشرق, و ينتهي في شارع “الجنرال ديجول”, الذي يتمدد على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط.

ذلكم “شارع بلس”, و الإسم, إسم المبشر الأمريكي دانيال بلس Daniel Bliss الذي حل في لبنان, فعشقه, و طاب له  فيه  هواه, فأسس في بيروت سنة 1866 و ترأس “الكلية السورية البروتستنتية”, التي صارت “الجامعة الأمريكية” لتصبح من أهم المنائر في الشرق, و على مقاعدها جلس سياسيون, و مفكرون, و علماء… كان لهم شأوهم في بلدانهم.

و مثل شارع “الحمرا”, يُجافي النوم “شارع بلس”, تَنْغُلُ فيه الحركة, و لا تتعب, و لا تهدأ. يعرج بأنفة على سور “الجامعة الأمريكية”, و يروح يتشاوف على حاله, و على الشوارع المتفرعة عنه, بمطاعمه المتنافسة على الزبائن, تأكل معهم الخبز و الملح, و تطعمهم من كل مطابخ العالم: Bliss House يناطح Roadster  و أقدم الإثنين Uncle Sam, و إن كنت تريد أن تشاهد أحدث الأفلام الغربية, ما لك إلا صالة سينما “أديسون”, التي تتباهى بأنها تعرض في الوقت نفسه, ما يُعرض في صالات أوروبا. و… يبقى مطعم “فيصل”, فيصل المطاعم, و كل عَبَق التاريخ فيه.

لم يكن توفيق فيصل, يعرف أن المطعم الذي فتح أبوابه في الثلاثينات, ليطعم طلاب الجامعة, ستولد فيه أفكار و عقائد سياسية, ستغير مجرى تاريخ المنطقة.

لمّا دخل الشاب الأسمر الملتحي, انطون سعادة, أستاذ اللغة الألمانية في الجامعة, و إنتبذ ركناً قصياً في المطعم, و تكوم حوله المثقفون, يسمعون أحاديثه, و صاروا يتنادوا للقاء في “فيصل”, كان يبشر بإحياء “القومية السورية”, و جمع شتات الأمة السورية في “الهلال الخصيب”: لبنان, سوريا, الأردن, فلسطين, العراق, و قبرص, نجمة الهلال ذاك, لتكون تلك اللقاءات في “فيصل”و نواة تأسيس “الحزب السوري القومي الإجتماعي”. و الى طاولة أخرى كان يجلس المفكر           و الدبلوماسي السوري الدكتور قسطنطين زريق, و من حوله و حواليه, مريدون منضوون في جمعية “العروة الوثقى” التي كان يرعاها, و ينمي في المنضوين تحت لوائها الفكر القومي العربي, المناهض للفكر القومي السوري,  و لطروحات أنطون سعادة, مؤسس و زعيم “الحزب السوري القومي الإجتماعي”.

و في سنة 1948، كان من بين مريدي قسطنطين زريق، طالب الطب الفلسطيني جورج حبش, الذي تأثر بما كان المفكر السوري ينظر له و يدعو إليه. فلم يمض كثير وقت, حتى إنفصل جورج حبش عن “العروة الوثقى”, و أسس مع ثلاثة من رفاقه: وديع حداد, أحمد الخطيب و محمد الهندي, “حركة القوميين العرب”, التي كانت نواة إطلاق” الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” سنة 1967.

و مثلما كان مطعم ومقهى La Closerie des Lilas في “بولفار مونبارناس” الباريسي, ملتقى أوسكار وايلد, إميل زولا, بول سيزانو و بول فيرلين, و كما Les Deux Magots في Saint Germain des Prés حيث كان يجلس جان- بول سارتر, و سيمون دو بوفوار, و ألبير كامو, و إرنست همنيغواي, و بابلو بيكاسو, و شو إن لاي… كان مطعم “فيصل” البيروتي, يجمع تحت سقفه الشعراء و الأدباء و القصاصين, و فيه نُظمت أحلى قصائد سعيد عقل, و عمر أبو ريشة, و يوسف الخال, و خليل حاوي, و تناطحت آراء, و تشابكت نظريات,  و تعارضت أفكار النقاد و طارت شراراتها الى أعمدة الجرائد و المجلات.

بعض الكلام يبهت حبره, و يذهب في الريح, أما الكلام عن “مطعم فيصل”,  فهو بعض من تاريخ, فمنه تُؤرّخ حوادث,   و إليه تعود ذكريات, ليس أحلى من عَدِّها, و العَدُّ يطول.

 

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …