غَلَبَني الإنتظار. تتصارع الأفكار في رأسي. أشعلت غليوني , إستطيبتها مع القهوة, أخذتُ نَفَساً عميقاً, إنزلق الدخان من أنفي, تكوَّمَ في سقف المكتب, سحابة رمادية تناثرت تدريجياً.
إندفعت الأسئلة في ذهني الى آخر مدى:
أترانا نجحنا؟
ماذا لو لم يكن ما ننتظره, بين دقيقة و دقيقة, و هو باكورة إصدارات “فرع بيروت للهيئة المصرية للكتاب”, بالمستوى المأمول و المرجو, و الذي يؤكد ضرورة وجودنا في بيروت, ليس للقضاء على القرصنة فحسب, إنما أيضاً لإنتاج كتب على قدر كبير من الكمال تعتز بها الهيئة في مصر؟
ماذا لو كنا أغفلنا, تحت ضغط العمل و الوقت, هنّة هيّنَة, في التصميم, أم في التوضيب و المونتاج؟
ماذا لو… ماذا لو… ماذا لو…
أثقل عبء يُلقى على إنسان, هو عبء المسؤولية, مسؤولية أي عمل, تتجمع حوله العيون و تنتظر متلهفة.
غَمَرَني القلقُ, كَرَّ شريط صور الأشهر الطويلة الماضيات, التي أمضيتها في المراجعة, و التصميم, و رسم الأغلفة, و إنتقاء أحرف متن الكتب, و خطوط العناوين, و التفتيش عن مطبعة ترضينا, في زحمة المطابع في ببروت, المتباهية بحالها, و المتشاوفة بمطابعها .
شعرت, هنيهات, أنني عدت طالباً في “كلية الفنون الجميلة”, أنتظر نتيجة إمتحان التخرج, يأكلني القلق, و تختلط في رأسي الأفكار المرتعشة, المرتعدة و الحائرة.
لَمْ أقوَ على الجلوس الى الطاولة, إنتفضت, رحت أزرع أرض الغرفة بخطوات مضطربة, غير متناسقة, عدت الى فنجان القهوة, إحتسيت آخر حسوة… نسيت كم فنجان قهوة إحتسيت، و كم مرة دخلت فاطمة, السكرتيرة التي يورد الحياء خديها, عليَّ بفنجان جديد, و إبتسامة وديعة تتركها على شفتيها, و كأنها تقول: “كل شيء سيكون خيراً”.
خرجت من غرفة مكتبي, رميت نظرة عليه, لم يكن إسلام شلبي, ممن تَسْهُلُ قراءته, و لكنه في ذلك الصباح, بدا لي مجذوب الخاطر, ساهي الفؤاد, إنطفأت في عينيه اللوزيتين النظرات التي كانت تلهبنا حماسا, و تنشر بيننا الطمأنينة.
وحدي كنتُ أعرفُ ما يجول في خاطر إسلام شلبي, فهو لم يكن يخفي, خلال إجتماعاتي المتواصلة معه, قلقه من فشلنا في القيام, ليس فقط, بمحاصرة “مافيا قراصنة بيروت”, إنما أيضاً, طبع كتب متميزة, إن في التصميم أو الإخراج, و الطباعة القشيبة, تكون جديرة أن تحمل إسم “الهيئة”, خصوصاً أن وجهتها دول الخليج و الدول المغاربية.
كان إسلام شلبي, يسقي أحرف كلماته إحساساً, و تصميماً, و عزماً, و هذا ما كان يعزيني, و يقوي من تصميمي, أنا الآخر, على النجاح, و البحث عن الأحسن, و الأفضل, و الأحلى, إن في الإخراج و التصميم, أم في الطباعة.
على أن نازع القلق من ما قد ينتظرنا في القاهرة من ردّات فعل, كان يؤرقني, و يلح على إسلام شلبي, و لطالما هَتَفَ أمامي وشَكا, من أن يأتي داخل “الهيئة” في القاهرة, من ينازعنا, و ينافرنا, فنخسر النِّفارُ, و يغلق فرع بيروت, و تكون الأشهر الطويلة التي أمضيناها في التنظيم, و الترتيب, و التجهيز, و الإعداد, و الإستعداد, و الوقوف على كل شاردة و واردة, و على أدقّ التفاصيل لإنجاح مشروع النشر في بيروت, تذهب سُدى, و أدراج الريح.
تكتكات آلة المحاسبة الكهربائية, إنتشلتني من لجة الأفكار المتدافعة في رأسي و أرجعتني الى صوابي. كانت أصابع سي عبدالغفار (كما كنا ننادي عليه مداعبين) تنزل برتابة على مفاتيح الأرقام للآلة الحاسبة الكهربائية, تحدث تكتكات تزيد شحنات من التوتر, كأنما هي “حنفية” تَنِزُّ “, و تُنْزِلُ نقاط الماء برتابة مثيرة للأعصاب.
إمتصَّ علاء توكل, المسؤول عن التسويق, إمتعاضي من سي عبد الغفار أفندي, نظر الى الساعة في معصمه, قلب شفته, قال بنبرة هادئة محببة:
” نعمل إيه… الغائب حجته معاه.”
أتبع علاء كلماته بإبتسامة, أعطاها مداها.
رنَّ جَرَسُ الهاتف. ساد صمت متحفَزٌ لَفَّ المكتب. توقفت أصابع سي عبد الغفار عن الحركة, أكل علاء توكل وجه فاطمة بعينين شبقتين. هَمَدتُ في مكاني, عرق بارد طرّز جبيني. خرج إسلام شلبي من غرفة مكتبه, وقف مثل قصبة ممصوصة, صوَبنا عيوننا على وجه فاطمة, حركت شفتيها, إسترخت على مقعدها, كأنها ترمي عن كتفيها حملاً ثقيلاً. مسحت وجوهنا المسكونة بالقلق, رَشَّت علينا إبتسامة عريضة, حمّلتها كل غبطتها, إندفعت الكلمات من بين شفتيها الدقيقتين:
“وصلت… وصلت الكمية”.
أحسست, و أنا أرنو الى وجه إسلام شلبي, أن قلبه إنفطر, علّقَ سيجارة بين شفتيه, عبَّ نفساً عميقاً, تمالك نفسه, و هذا ما لم أستطعه, الصوت في داخلي , مشروخ, يرتجف و يجف:” في الدقائق الآتية سيتحدد مصير مكتب بحاله, إما أن يغلق بالشمع الأحمر, و إما سيستمر”.
مسحت تلك الأفكار المختلطة من ذهني, , و بقيت هامداً, ساكناً.
سمعنا صرير أكرة الباب. نظرنا جميعنا, صوب الباب. فتحه رجل ربعة في القامة, خلفه شاب مفتول العضلات, يحمل ثلاثة صناديق كرتونية. وقّع علاء على إستلامها, و ما أن خرج الرجلين, حتى إنقضضنا على واحد منها.
***
كانت الصناديق من محترف عبد الحفيظ البساط للتجليد, الذي بلغ رفعة المنزلة, و بُعدُ الصيت. تمكّن الحاج عبدالحفيظ من صنعة التجليد, و نقلها بدوره الى العاملين في محترفه, و منهم بعد تخرجهم به, أسسوا محترفات غزلوا فيها على منوله, في حرفة الصنعة, و جودة العمل. و كان محترف البساط قد تسلم من المطبعة الملازم المطبوعة.
بواكير إصدارات فرع بيروت, كانت “عودة الروح” و” أهل الكهف”, من أعمال توفيق الحكيم. و الكتابان كانا على لائحة أكثر الكتب قراءة للأديب المخضرم.
كانت كل نسخة مغلفة بحرص و عناية بورق ” الكرافت “, للحفاظ عليها داخل صناديق كرتونية سميكة , تحمل على جانبيها إسم الكتاب و الناشر . بهرتنا تلك العناية, و تلك الدقة في التجليد المتأنق.
تناولت كتاباً, أقحمت عينيّ في الصفحات, التي كنت أفرُّها على مهل, فلم أجد هنّة طباعية واحدة, و لم أعثر في الصفحات على أسطر فيها غشاوة في الحبر, و الحبر لا يغمق في ملزمة, ويبهت في أخرى, دّقة متناهية في ضبط الطباعة و مراقبتها, و في دوزنة الأحبار, لا غش في الورق الذي إنتقيته.
ترقرت ضحكة إعتزاز على شفتي, أدركت أننا أنجزنا عملاً فنياً على رفعة في المستوى, و أننا… نجحنا.
إنطلقت عيناي تعبثان في الوجوه, شعرت بالاعتزاز, إنبسطت أسارير إسلام شلبي على مديد الطمأنينة. مسح جبينه بمنديل, صفا خاطره, سار الى غرفة مكتبه بزهو الطاووس.
عاد سي عبدالغفار, للجمع و الطرح و القسمة, و حك الرأس, و دفع الفواتير, فعنده كل شيء يبدأ بالأرقام, و كل شيء ينتهي عندها.
إنشغل علاء توكل في توضيب إدبارات الشحن و التوزيع, تقدم مني, و قد دغدغته سعادة غامرة:
“مش قلتلك الغايب حجته معاه, أهو… مبروك ياسيدي”.
و ربّت على كتفي.
صرخت فاطمة, نادت علي:
“مبروك… حصرم في عيون الحساد… حلاوة الكتب فنجان قهوة”.
***
جلس إسلام شلبي الى طاولة مكتبه , رشف رشفة من فنجان القهوة, أخذ نفساً عميقاً من سيجارة حبسها طويلاً بين أصابعه, إنتعش الدخان في سقف المكتب, كان لحظتها منتشياً, عيناه مليئتان ببريق الفرح. فرك رأس السيجارة في منفضة الدخان, مسح وجهي بنظرة فيها مرارة , سألني, دَهِشاً, مستنكراً:
“تعرف… من الأشياء التي تحيرني, و لا أجد لها أجوبة, هي مسألة الطباعة في مصر”.
قرأ في وجه علامات الإستفهام, ما تركني أسال, تنحنح, و أحكم قعدته, حك رأسه و قال:
“إن آلات الطباعة الموجودة في القاهرة, هي نفسها الموجودة في بيروت, الورق نفس نفس الورق, بأنواعه و قياساته, متوفر لكل المطابع في كافة انحاء العالم, فلماذا تتفوق بيروت في الطباعة و التجليد على القاهرة, لماذا لا تخرج من المطابع المصرية كتب مثل التي تسلمناها من المطابع اللبنانية.”
“العمالة …”
و سكت. نما فيه الفضول, فتح إسلام شلبي عينين كبيرتين تلتهمان وجهي, تجاهلتهما:
” العامل المناسب في المكان المناسب, هي مشكلة العمالة في مصر, “القوى العاملة”, تفادياً للبطالة, توفد الى المطابع أشخاصاً لا علاقة لهم بالطباعة لا من قريب و لا من بعيد, تفرضهم فرضاً, فيخضع للتدريب المتعجل, يلتقط الصنعة من دون رغبة فيها, كل همه, أن يحصل على راتب يطعمه عيش, كما نسمع دائماً”.
هزّ برأسه, تركني أكمل:
” أن تركيبة النظام قضت على المبادرة الفردية و الطموح, و على الإخلاص و التفاني في العمل و احترام المهنة . العامل اللبناني طماح, يغلي و يفور, يقتنص المبادرات, و أحياناً كثيرة يخلقها. لذلك , هو يعشق مهنته, و يتقنها, و يقدم الجودة في كل ما يفعل… فى أقصى الظروف, عندما غرز الإحتراب الداخلي أنيابه, فأثخن لبنان جراحاً, و وزّعَ الموت و الخراب في كل المطارح, كانت تخرج من مطابع بيروت أفضل الكتب طباعةً و أفخرها تجليداً”.
صمت هينيهة, برق في ذهني خاطر عن أهمية المبادرة الفردية عند اللبناني, فرويت حكاية عامل بسيط, أصبح شيخ المجلدين:
“في بيروت يعتبر رياض خباز من أبرز مجلدي الكتب على الطريقة اليدوية, و شيخهم, لا يبزه في الصنعة أحد.
كان رياض خباز سنة 1969, عاملاً بسيطاً في مطابع صحيفة «الحياة»، حيث كان يهتم بطبع تذاكر «الترامواي» (القطار الكهربائي) و ضمها في رزم على غرار رزم تذاكر “الأوتوبيس”على زمننا هذا. و عندما إتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بإلغاء الترامواي, الذي كان الوسيلة الشعبية للنقل داخل العاصمة، انتقل رياض إلى مهنة تجليد الكتب في المطابع نفسها، و قد صرف وقتاً في تجليد الصحف, و المجلات, و كتب الأطفال, و كل ما كان يرد إلى آل مروة (أصحاب مطابع “الحياة”).
و تقضَّت الأيام, يوم ميت, و آخر مولود. بعد سنوات خمس, مَلَك رياض المهنة, إحترف صناعة التجليد, و أخذ يجدد فيها و يتفنن, و حدث أن إنتقل للعمل في التجليد في “مطبعة البساط”, المعروفة للقاصي و الداني في بيروت. و لم يمض عليه كثير وقت, عليه حتى جاءه مسؤول المطبعة و همس في أذنيه: “لا يمكنك أن تكمل عندي لأن عمالي سيغارون منك. أنا أنصحك بأن تفتح محلا و تعمل على حسابك”. إعتبر رياض خباز, أن النصيحة حافزا له, فبادر, و أخذ يفتش عن محل, يحوله الى محترف يمارس فيه صنعته.
و كان أن إشترى محلاً على مقربة من السراي الحكومية، و بدأ العمل, و ذاع صيته, و أصبح شيخ المجلدين, الذي حافظ على الصنعة التراثية, و تحدى بها التكنولوجيا الحديثة و آلاتها, ليس في لبنان وحده إنما في العالم العربي, رمة.
كان “معلم رياض”, يتقاضى ليرتين ثمناً لتجليد الكتاب , و إذا كان التجليد «اكسترا»، أي من الجلد الأصلي، كان يتقاضي 5 ليرات. و طبعاً, مثل كل صنعة, تتغير الأسعار حسب نوعية التجليد، و نوعية الجلد. و هناك تجليد كتاب واحد يستغرق شهرا، لكنه يخرج من بين يدي المعلم رياض, قطعة فنية. لذلك كان كمال جنبلاط يقله بسيارته إلى منزله في “فرن الحطب” من بيروت لتجليد كل ما تحتويه مكتبته الغنية من كتب و مخطوطات. و كان المحامي المعروف و النائب صبحي المحمصاني يأتي رياض خباز بعشرات الكتب ليهتم بتجليدها. و وردت اليه طلبات من الإمارات و السعودية و غيرهما لتجليد المخطوطات, فجلّد لحساب أحد الأمراء قرآنا مكتوبا بالقصب”.
“على سيرة التجليد”.
ضرب إسلام شلبي كفاً بكف يتأفَّفُ:
“في طول و عرض مصر لا يوجد إلا أربعة محترفات لتجليد الكتب, في مقدمها و أبرزها محترف عبد الظاهر, خلف جامع الازهر, حيث التجليد لم يزل يتم على الطريقة اليدوية.
“أعرف… أعرف”.
و إسترسلت بما أعرفه عن الرجل و محترفه:
“سنة 1963, فتح عبدالظاهر محترفه, و بعد وفاته, أكمل ولديه, حسام و نبيل, الصنعة. زبائن المحترف من الأجانب المقيمين فى مصر, الذين يقدرون أهمية هذه الحرفة التراثية. و أهم الكتب التى عمل عليها عبد الظاهر ترميم كتاب “وصف مصر”، كما جلّد كتب مهمة مثل كتاب ” صحيح البخاري” و “صحيح مسلم” … و مثلها مثل أى حرفة تراثية تعاني حرفة تجليد الكتب على الطريقة اليدوية من إهمال إتحاد الصناعات .”
أيبست الدهشة لسان إسلام شلبي, رمقني بنظرة من يرغب الإستزادة, لم أكذب خبراً, زدت على كلامي كلاماً:
” تعرف, ما يحَزّ في القلب, أن يكون فن التجليد ولد في مصر, و إنتقل الى العالم العربي, فتخلفنا, و سبقنا من أخذوا عنا ذلك الفن”.
تلامح الإهتمام في عينيه, أكملت:
“إنَّ فن تسفير الكتب و تجليدها, ظهر أول مرة في أديرة الأقباط في مصر، و أقدم ما وصل منها يعود إلى ما قبل “الفتح الإسلامي” ببضعة قرون. من الأقباط إقتبس الروم و العرب المسلمون فن التجليد و طوَروه. و تفنن المسلمون في تسفير المصاحف من القرآن الكريم و الكتب القيمة”.
نسيت الغليون ينطفئ بين أصابعي, رميت محتواه في صحن الدخان, إنتشى إسلام شلبي بكلامي, تابعت:
“الحقيقة, بما تجمع عندي من معلومات, فقد مرَّ تغليف الكتاب بمراحل مختلفة فبدأ باستخدام ألواح الخشب غلافاً واقياً، فكان يُزخرف وُ يُطعّم بالعاج أو يُكسى بصفائح الذهب و الفضة، أو بالقماش و الحرير المطرز، و يُزين بالأحجار الكريمة. ثم أُستبدل بألواح الخشب الكرتون أو الورق المقوى، و أُستبدلت بصفائح الذهب و الفضة شرائح الجلد التي غَدَت المادة الرئيسية في فن التغليف و منحته اسمها. و يعدّ القبط مرة أخرى أول من إستعمل الجلد في هذا الميدان، و إنتقل على يد النساطرة إلى المشرق العربي و إلى بلاد فارس و ما وراءها”.
***
أثَارَ الأمر و الحكي عن الكتاب إهتمام إسلام شلبي و حرّك أحاسيسه فأعاد طرح خطته في انشاء مطبعة للهيئة العامة للكتاب في بيروت و طلب منى الإسراع في البدء … و لهذا المشروع قصة أخرى .
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة