لا تفتح العين بالهين على من يشبه محمد التابعي، فالرجل قامة من قامات مصر، و أحد الآحاد في الصحافة، “أمير الكلمة” و ”أمير الصحافة”، و قد إستحق اللقبين. علي يديه تتلمذ إحسان عبد القدوس، و علي و مصطفى أمين، كامل الشناوي، محمد حسنين هيكل ، أحمد رجب …
دعته فاطمة اليوسف، (روز اليوسف كما عرفها الناس) على خشبة “مسرح رمسيس”، و قد كانت الممثلة الأولى في روايات يوسف وهبي)، عندما عقدت النية سنة ١٩٢٥ على إصدار مجلة أسمتها على إسمها، للإنضمام إلى جهاز تحريرها. يومها تردد التابعي و عذره أنه “لا يصلح إلا للكتابة في الجرائد اليومية”، فهو كان مرر قلمه على النقد في “الأهرام”، في زمن رئاسة داوود بركات لتحريرها، وقتها كان يوقع مقالاته باسم “حندس”، فهو كان موظفا في البرلمان، يترجم من الإنكليزية إلى العربية بمرتب ١٢جنيها في الشهر.
و إزداد توجسه لما سأل و عرف أن جهاز تحرير المجلة سيضم عباس محمود العقاد، إبراهيم عبدالقادر المازني، محمد لطفي جمعة، إبراهيم رمزي…
ألحت الست فاطمة، و إستجاب هو، فكتب صفحة نقد.
و صدرت “روز اليوسف”، و لم تستطع أن تشق طريقها بسهولة في زحمة المجلات والصحف، في ذياك الزمن، و تدنى توزيعها إلى درك كاد أن يهددها بالإحتجاب المبكر، لولا عناد و إصرار فاطمة اليوسف، التي تلفتت فما وجدت إلا هو تتوكأ عليه في محنتها.
كان التابعي معجبا بفاطمة اليوسف كممثلة قديرة، و إزداد إعجابه بها أكثر كناشرة ليس من السهل ليّ ذراعها… فالتقط القياد ، أصبح رئيسا للتحرير، أبعد العقاد و المازني و جمعة، و رمزي… و ولى المجلة يكتبها من الغلاف إلى الغلاف، فارتفع توزيعها، و زاد سعر نسختها من خمسة مليمات إلى قرش صاغ.
ثم جنح بها الى السياسة، و في خطرات باله مجلة “ الكشكول”، التي كانت تتسيد المجلات الأسبوعية ، تؤيد أي حزب أو سياسي يناهض و يعارض “الوفد”، فقرر التابعي إزاحتها من دربه و جعل “روز اليوسف” الأولى مكانها.
أخذ التابعي يبحث عن رسام كاريكاتور يواجه بريشته خوان سانتوس، الذي كان يبدع في “الكشكول” برسوماته اللاذعة، المؤذية و الموجعة لحزب “الوفد” و زعمائه.
و حدث أنه ذات يوم، كان التابعي في محترف بربريان للزنكوغراف، فالتقى ألكسندر هاكوب صاروخان.
بعد هذا اللقاء، إنضم الرسام الأرمني الى “روز اليوسف”، يصول و يجول بريشته و يبدع و يبهر، و التابعي بقلمه يقطع و يفري…
و بعدما ظن كثيرون أن منافسة “ الكشكول” مطلبا مستحيلا لا تبلغ إليه وسيلة، فإذا بالتابعي بهجومه على خصوم “الوفد” و من يساندهم في الصحافة و خارجها، و ”الكشكول” تحديدًا، يضاعف توزيع “روز اليوسف”، و بعد تستر على إسمه، خوفا على وظيفته، مختفيا وراء رئيس تحرير صوري هو إبراهيم خليل (كاتب حسابات في جريدة “البلاغ” و كان صديقا صفيا لفاطمة اليوسف)، إستقال من الوظيفة، و أصبح يوقع مقالاته العنيفة بسخريتها باسمه. فاقبل الناس على “روز اليوسف”، و أصبح باعة الصحف ينادون على مجلة “روز اليوسف” و “روزا و التابعي … روزا و التابعي يا جدع”!
لاذعًا كان أسلوب التابعي، سائغًا، على بساطة و سلاسة، لطيف الطراوة، هدارا في غضبه و سخطه، لينّا رشيق القلم أملسه متى رضي و إرتضى، كل ذلك إلى ظرف حلو و حس خفيف.
بجملة يحول الوزير إلى مسخ، و الزعيم الى مهرج، بجملة يسقط مشروع حكومة، و بأخرى يسقط رئيسها.
عرف التابعي كيف يستخدم الكاريكاتور للتعبير عما يعجز عنه القلم أحيانا ، توكأ على إبداع صاروخان، و بعد مدة إنضم الى المجلة محمد عبدالمنعم رخا، شيخ الكاريكاتوريين، فجمع المجد من طرفيه.
و أخذ صاروخان و رخا، يتناوبان بريشتيهما على الورق، فتتلألأ رسوماتهما، تضيء عتمات، “تفش خلق” الناس، تتساقط على القلب و تستقر في الوجدان…و لا غرابة في ذلك، فصاروخان و رخا من أصحاب الممتعات في نتاج فن الكاريكاتور.
و في نقلة الزمن، كان خصام، و جفاء، و فراق، (كتب فيه و قيل الكثير و القليل حوله، و ليس ها هنا فسحًا له)، بين فاطمة اليوسف و محمد التابعي الذي صنع مجد “روز اليوسف” السيدة و المجلة، فأدار ظهره لهما. و كان أن حمل صاروخان ورخا ريشتيهما و علب ألوانهما، و غادرا مع “الأستاذ” إلى مجلة “آخر ساعة”، التي أصدرها التابعي ، و لم تستمر تجربته معها طويلا، فاشتراها علي و مصطفى أمين ، و شرط عقد الشراء إنتقال أستاذهما و معلمهما حرفة الصحافة محمد التابعي مع صاروخان و رخا إلى “أخبار اليوم”.
و كان أن ذهبت دنيا و جاءت دنيا… بقيت “روز اليوسف” تتكل على خوان سانتوس، وحده، و هو غير متفرغ لها… فأخذ إحسان عبد القدوس يفتش عن رسام كاريكاتور يسد فراغ صاروخان و رخا… فعثر على عبد السميع عبد الله.
***
إبن “حي السيدة زينب”، أعتق أحياء القاهرة القديمة. إعتجن من خميرة طيبة، فإلتصق بالناس، قلبه يطل من عينيه، سفح عمرًا في السعي وراء خدمتهم و قضاء مصالحهم، سباقًا للخير تواقًا لنصرة الغلابة، ذلك هو عبد السميع عبد الله. حياته مجموعة من المواقف تتسم بالتفاني و النبل، جعلته عماد قومه، ذاع صيته، أثير حوله ضجيج لآرائه الجريئة، و عناده في الحق، مهاب لقدرته على تحريك المشاعر الشعبية و الأحاسيس المستترة.
درج عبد السميع عبد الله في عالم الرسم منذ نشأته، عمل رسامًا في “هيئة الطرق و الكباري و الأنفاق “، إلا أن فن الكاريكاتور شغله عما عداه، و لم تستقم ريشته في النماء إلا بتأثره بصاروخان ، فقلد خطوط الرسام الأرمني المبدع، و إقتبس ألوانه زمنًا ، قبل أن يصلب عوده و يشتد وأصبح له أسلوبه ، و خطوطه، و ألوانه التي لا يقاربها في المستوى أحد.
و قد بدا تأثره بصاروخان في رسوماته الأولى في مجلة “الشعلة” التي كان يصدرها محمد علي حماد، و بعدها، يلمس من تابعه، بعده عن “أستاذه “، أن في الفكرة، أو الخطوط و الألوان، فتجمعت العيون على رسوماته.
و أدرك إحسان عبد القدوس قبل غيره، بحسه المرهف، أنه أمام رسام واعد، و أن أفق الكاريكاتور يهم بوهج جديد يطل من ريشة عبد السميع عبد الله.
وكان أن طلبه إحسان عبد القدوس للعمل في “روز اليوسف”، و لأن عبد السميع ليس من أصحاب الدهشة الرخيصة، إشترط على “الأستاذ” أنه لن يهاجم في رسوماته أي حزب ، أو زعيم، أو شخصية عامة، لمجرد أن الهجوم، ذاك، يندرج و يتوافق مع “مصلحة” المجلة و سياستها. و كذلك لن يعمد الى أي تصد ٍ، أو هجوم، أو نقد… إلا بعد إقتناعه شخصيا بضرورة و جدوى هذا التصدي أو الهجوم أو النقد.
كان “شرط” عبد السميع عبد الله جديدا على فن الكاريكاتور، و على مسامع رؤساء التحرير، الذين كانوا هم الذين يزودون الرسامين بالأفكار التي هي على هواهم ، و هوى سياسة المجلة و مصالحها، و كان الرسامون ينفذون صاغرين!
كان محمد عبد المنعم رخا يرسم في صحف و مجلات عدة متباينة الإتجاهات و المشارب: يرسم منتقدا و مجرحا بحزب “الوفد” و زعمائه في مجلة، و يرفع من شأنهم و شأن “الوفد” في مجلة أخرى … و ريشته كانت تدور على الورق كما يريد رؤساء تحرير تلك المطبوعات!
و في “روز اليوسف”، كان صاروخان و رخا و سانتوس، يرسمون و يلونون على هذا المنوال، و”المايسترو” محمد التابعي، يحرك يده، يطلب، يوجه، و يفرض و… يطاع!
لم يكن إحسان عبد القدوس بوارد أن يرفض شرط عبد السميع ، قبل، وافق، و وعد، فدخل إبن حي السيدة زينب ملكوت “روز اليوسف” ، و بدأ صرير ريشته يطلع الرسومات الناعرة، اللاذعة، و حدث أنه سبق جورج بهجوري و صلاح جاهين في تصميم غلاف “روز اليوسف” بلونيه الأسود و الأحمر .
***
كانت ريشة عبد السميع عبد الله، جديدة تماما على الصحافة المصرية، مغموسة من ألوان مجبولة بالإحساس قبل الأصباغ ، و الشكل الذي تكونه خطوطه النافرة، هو وعاء خطرات باله قبل الإطاحة بالملك و الملكية، تفجر إبداع عبد السميع على صفحات “روز اليوسف”، في حملة ساخرة، لاذعة، واخزة ، على القصر والفساد الذي كان ينخر و ينغل في مؤسسات الدولة. فمصر، خلال منتصف ثلاثينات و أربعينات القرن الماضي، وقعت تحت نفوذ نساء ثلاث: زينب الوكيل زوجة مصطفى النحاس باشا في الوزارة، الملكة نازلي في القصر، و جاكلين لامبسون في السفارة البريطانية. فدارت ريشة عبدالسميع ترسم صعود نجم زوجة النحاس باشا، و تأثيرها الواضح المكشوف في سياسة البلاد، فكان غلاف “روز اليوسف” الذي إهتزت له حكومة الباشا، فقد تفنن عبد السميع في رسم شخصية “المصري أفندي” (كان صاروخان إبتكرها في أول عهده في “روز اليوسف”)، و هو يهمس في أذن إحدى السيدات: “أحسن طريقة علشان الست تبقى رئيسة وزارة، إنها تتجوز رئيس وزارة”!
***
لما قامت ثورة “الضباط الأحرار”، نزل عبد السميع عبد الله برسوماته تهشيما بجماعة “الإخوان المسلمين”، فهددوه بالقتل، فعينت له حراسة ليل نهار.
ولم يهادن “الضباط الأحرار” أنفسهم، و عندما لمس بحسه السياسي خللًا، و تجاوزًا في تصرفاتهم و إدارتهم لدفة الحكم، لجأ إلى الحيوانات و جعل منها رموزا يستنطقها في نقده و سخريته، منها الأسد، و النمر، و الثعلب …
و حاروا في أمر عبد السميع، فقد كانت رسوماته الواخزة ، اللادغة، اللاذعة، تتفلت من مقص “الرقيب“ الرابض على أنفاس الكتاب و الرسامين، يهز في وجوههم إصبعه و يعد بالويل و الثبور و عظائم الأمور!
و كان كلما تفلت رسمة، عوقب الرقيب و أستبدل بآخر، لا يلبث أن يستبدل بدوره … و إستمرت رسومات عبد السميع تنخر عظام السلطات.
و كان إحسان عبد القدوس، الذي كان قدم لكتاب عبد السميع “أبيض و أسود”، الذي يضم رسوماته الساخرة فوصفه ب “الشيطان” تحببا، قد حصر تعريفه لفن الكاريكتير في مكونين إثنين هما الفكرة و السخرية بعد خطوط الرسم بالطبع.
أما إبنه الكاتب والمحلل السياسي د. عمرو عبد السميع ، الذي فارقنا منذ شهرين ، فلديه عن أبيه كلام آخر نشره في ” الهلال “( لما كانت رسوم الكاريكتير هي وثائق لوصف العصر فقد كان عبد السميع يضفي علي أسلوبه أحيانًا ما يحمل رأيه في ذلك العصر، و ليس غريبًا أن يتنوع أسلوبه في السبعينات ما بين ” الوحشية ” و ” العتامة “.
لقد أسهمت عوامل ضغط مروعة في إزاحة ريشة عبد السميع المقاتلة عن مجالها الطبيعي الحر في التعبير و الوخز، و إثارة عواصف الضحك و السخرية ، و لدي مايحملني علي الإعتقاد أن تلك العوامل قد أنهت بطريق غير مباشر حياة الرجل ذاتها، و بخاصة إذا أدرك أحدنا حجم ذلك الإرتباط العضوي بين حياة عبد السميع و رأيه).
و إنتهت حياة الرجل المشاغب الذي عندما تجلجل ضحكاته تولد رسوماته .
و لكن روز اليوسف ولادة..
رغم أني إلتحقت بالصبوحة في السنوات الأخيرة قبل غربته، فقد كانت رسومات رجائي ونيس التي يسلمها عادة لمدير التحرير أو للكاتب لترافق مقاله و تصب في مكتب المشرف الفني بعد هذا رسوماً تعبيرية نافذة جريئة و أغلفة بمثابة السهام الراشقة ، و حضوره الفني علي صفحات المجلتين إستمر رغم غربته حتي اليوم فهو لم ينقطع عن إرسال رسائله التي تقطر برحيق حكمته و فلسفته و عسل رسومه التي يزيد عطرها عبر السنين.
كان قليل الحضور نهاراً إلا لتسليم رسومه الخاصة بروز اليوسف لعدلي فهيم، أو ما تحظي به صباح الخير من إبداعه المرتبط في معظم الأحوال بمقالات د. مصطفي محمود، فهو صديق عمره و أنيس لياليه البوهيمية بملهى في “فندق كوزموبوليتان”، و ثالثهما كان رفيق دربهما، ناجي كامل. إلا أن الدكتور مصطفى محمود طلّق الليل و السهر، زهد في الدنيا، تصوف، مستجيبا لنداء نوراني، فاحتمى بالعلم و… الإيمان.
أما رجائي ونيس فهو كائن ليلي عاشق للحياة ، و الحب وقود إبداعه مؤمناً بأنه وراء كل إبداع إنساني .
إلتقيت برجائي أول مرة – و لا أعتقد أنه يتذكر – في باحة كلية الفنون الجميلة بالزمالك و هو في إنتظار حبه الأول زميلتي بقسم الزخرفة ” الديكور ” آمال … فقد كانت تربطهما قصة حب لم تكتمل.
رجائي دفعة 1960 قسم تصوير بكلية الفنون الجميلة، إرتبط عاطفيًا و وجدانياً بروز اليوسف و زملائه و إستمر تواصله مع الصبوحة حتي بعد هجرته لاستراليا و منهم جمال كامل ، مفيد فوزي ، رؤوف توفيق و لويس جريس. آلمه أن يري جمال كامل الفنان المرهف بعد خروجه من السجن، لم يتحدث جمال أطلاقاً عن فترة المعتقل التي كانت لا شك قاسية ، و ظلت هذه الفترة مطموسة في التاريخ حتي أكتشف قسوتها عند نهاية حكم عبد الناصر.
لقد عاش رجائي فترة تقلب النظام بين اليمين و اليسار. و لأن رجائي كان حريصاً علي كتابة إنطباعاته و ذكرياته من أيام الزمن الجميل الي أن إستقر في هجرته الأخيرة للقارة الأسترالية ، تذكر عندما إلتحق بروز اليوسف في فترة هبوط اليسار المصري نزيلاً علي سجون الواحات، حملة إعتقالات ضمت في قائمتها من روز اليوسف جمال كامل و حسن فؤاد و زهدي العدوي، و من الكتّاب فتحي خليل و عبدالستار الطويلة، وصدمه في تلك الأثناء ما تعلمه عن البقع السوداء (حسب تعبيره ) في نظام كان ينتمي له و أحب فيه عبد الناصر.
في تلك الفترة إزداد إنتاجه في كلتا المجلتين، و بدأ تدريجيا في رؤية طريقه الخاص في الرسم والتعبير، و عندما طلب منه عبد الغني أبو العينين أن يرسم غلاف روز اليوسف في تلك الفترة، إستجاب و رسم أول غلاف عن أزمة الكونغو و الصراع السياسي فيه بعد الإستقلال، حيث تم إعدام باتريس لومومبا، و بداية الصراع بين جوزيف كازافوبو رئيس الجمهورية و مويز تشومبي ، و إختلطت الصورة ، و تدخل سكرتير عام الأمم المتحدة داج همرشولد حتي لقي مصرعه في حادث طائرة كان مدبرا .
رجائي إبتكر لنفسه إسلوبا جديداً في فن البورترية الكاريكتيري لم يكن موجوداً من قبل ينبض بالحيوية و الصدق ، صاحب اسلوب عالمي مميز.
و قد حدث في شهر مايو سنة ١٩٦٢، ما غير مجرى حياة رجائي ونيس.
لم يكن جلس إلى طاولة الرسم، عندما أبلغته نرمين القويسني، سكرتيرة إحسان عبد القدوس، بأن “الأستاذ” يريده في مكتبه. بادره “الأستاذ”:
“ تحب تسافر اليابان؟… شركة الطيران العربية المتحدة باعته دعوة لمحرر و رسام للسفر الى اليابان و هونغ كونغ، لإفتتاح خط طوكيو- القاهرة”. و سافر برفقة مفيد فوزي.
وقع رجائي في غرام اليابان، و الذي كان… كان.
إنغمس في عشق الإرث الياباني، المتاحف، المعابد، روحانيات Zen، و البوذية، مسرح ”كابوكي” الذي يخلط الواقع بالأساطير.
و كانت “كيوتو”، عاصمة اليابان القديمة و مدينة الثقافة، ولعه الذي إستحوذ عليه، بقي فيها، درس الحفر و فنون الطباعة على الخشب، التي أذهلت المدرسة التأثيرية في أوروبا.
و يجن به الحنين الى مصر، يعود، يترك فيها كتاب قصته مع اليابان، ليحزم حقائب السفر من جديد و يهاجر، هذه المرة الى استراليا.
صديقه جورج بهجوري الذي قّدمه لإحسان عبد القدوس هو أصدق و أفضل من يحاكينا عن رحلة رجائي ونيس في مقال نشره منذ عشر سنوات في صباح الخير:
(منذ بداية الخمسينيات وصل الطالب رجائى ونيس من بنى سويف إلى كلية الفنون الجميلة بالزمالك و جلس فى المكتبة أمامى بالصدفة، لا أعرفه و لكن أحد زملاء دفعته بالإعدادى أزاح بعض رسومه بالقلم الرصاص أمامى حتى أصبحت وسط الكتاب الفنى الكبير لرمبرانت الذى أتصفحه و أقرأ و أتعلم منه، كما كانت نصيحة أستاذنا الكبير حسين بيكار. إلا أن وصول رسوم الطالب الجديد بالقلم الرصاص أثارتنى و لاحظت همهمات و ضحكات زملائه الذين دفعوا بهذه الأوراق المرسومة بريشة ساحرة تقترب من أسلوبى فى الرسم الصحفى الذى كان قد بدأ ينتشر فى «روزاليوسف» و كنت فى العام الدراسى الأخير قبل التخرج. أخذت معى رجائى صديقى الجديد الذى يرسم بطلاقة و حرية و سخرية مريرة أكثر منى إلى مجلة “روزاليوسف” و جلس أمام طاولة الرسم بينى و بين الرسام الكبير جمال كامل حتى جاء أبو العينين المخرج الفنى بالصدفة و إحسان عبد القدوس ذائع الصيت الروائى و صاحب القلم الكبير يكتب الافتتاحية بطلاقة و شجاعة رأى، و مثلها عندما يكتب فى الحب، و إشتهرت عباراته فى الإذاعة “تصبحوا على حب”.
هكذا و من اليوم الأول خطفت “روزاليوسف” صديقى الفنان الجديد الذى يوقع “رجائى” حتى إن المعجبين برسومى من أهل المجلة تركونى و إلتصقوا به أمثال د. مصطفى محمود الذى أصبح يرسم كتبه و مقالاته سنوات طويلة.
هاجر «رجائى» بعد سنوات أخرى فى رحلة إلى استراليا بعد قصة حب مع أم أطفاله التى أخذته إلى قارتها البعيدة وأصبح له وطن ثان و عمل جديد ممتع، حيث يتحول إلى طبيب نفسانى رسام يحاول علاج المتعبين بعقولهم عن طريق الرسم و تحول المرضى إلى أصدقاء عمره بعد ذلك. أما علاقتى به بعد ذلك فقد بدأت عندما سافرت أنا أيضاً إلى باريس للتزود من عالم الفن التشكيلى بصفة عامة و إنتقلت من الرسم إلى اللوحة و التمثال، تتلمذت في متاحفها كأنى أحج إلى اللوفر كل يوم أحد و أتعلم من عتاولة فن الرسم و التصوير الزيتى و النحت.
عندها فوجئت بأنه يحضر إلى باريس و أصحبه إلى متاحفها و يعيش معى فى مرسمى فى ضواحى باريس فتزداد مشاعرنا و ذكرياتنا الجميلة منذ بداية مجلة “صباح الخير” و كأنه ورث عنى صفحاتى التى تنشرها “روزاليوسف” المعروفة أخبارهم على وجوههم. و إنضم إلى الكوكبة المعروفة لفن إزدهار فن الكاريكاتير فى المجلتين العملاق صلاح جاهين و حجازى و بهجت و صلاح الليثى و ينضم إلى جماعة حسن فؤاد و زهدى و جمال كامل. تعددت لقاءاتنا و لكن هذه المرة علي الورق و أصبحت أطلق عليه اسم ” توأمي ” و هو لا يكتب رسائله و لكنه يرسمها حيث أنشر إحدي هذه الرسائل و هو لا يزال يهددني إذا نشرت رسالة من رسائله سنقطع علاقتنا و صداقتنا، وأتوقف عن الكتابة إليك و الرسم معك بعنوان عزيزي جورج، و وجهي و ملامحي و حياتي كلها في باريس يترجمها بريشته الساخرة. وصلت هذه الرسائل الي عدد يفوق500 رسالة أحتفظ بها دون نشرها كما أوصاني و لكن هذه الرسالة الوحيدة المسموح بها. أما رسائله إلي نرمين و أبو العينين و إحسان عبد القدوس الذي إستضافه في الرحلة بالصدفة في منزله باستراليا .. رسائل مرسومة لا تعد و لا تحصي).
و يعبر رجائي ونيس عن أحاسيسه و ذكرياته و حياته اليومية في خريف العمر باستراليا فيقول:
(جالس فى مَرسمى الذى إزدحم فى السنوات الأخيرة بلوحات لم تكتمل و أخرى إكتملت و تقبع فى البراويز مستندة على الحوائط أو الدواليب أو الأرفف أو أى سطح فيه مكان لها، لوحات لا أريدها أن تفارقنى، و يأتى الزبائن والمعارف أحيانا و يسألون عن لوحات للبيع، لكنى أحوّل مجرى الحديث إلى موضوع آخر، و أعدهم بأعمال جديدة أروَع مما يودّون شراءه، و أستعجلهم فى الخروج!
هناك إسكتشات قديمة معظمها يحتوى على رسوم رديئة و سريعة، لكنها تذكرنى بشخص أو مكان فأبقى عليها و أعد نفسى أن أتخلص منها قبل أن أرحل.. الأدراج مليئة بالرسومات و مشروعات الرسوم، بقصص قصيرة و طويلة، بأبيات شعر بالعربية و الإنجليزية.. على المكتب مئات الأقلام و الفرش و علب الألوان و الأحبار.. الراديو على موجة fm تذيع الموسيقى الكلاسيك.. سيمفونية شهرزاد لريمسكى كورساكوف، فأسرح بخيالى إلى الخمسينيات أيام حلقات ألف ليلة بعد مدفع الإفطار فى رمضان.. بعد نهاية السيمفونية أتجه إلى جهاز التسجيل و أضع شريط أغنية الأطلال لأم كلثوم و هى الأغنية المفضلة عندى غناءً و كلمات و لحنًا، و أتخيل مصر فى حقبة إنتهت.. شكل الشوارع.. كافيتريا هيلتون و سميراميس.. الحسين.. ملهى الكوزموبوليتان.. ثم رحلة اليابان”.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة