

وليد الزرعوني.
المؤسس ورئيس مجلس الإدارة – شركة دبليو كابيتال العقارية
أن يدفع المستثمر علاوة سعرية تعادل نحو ثلثي سعر عقار مماثل، لمجرد ارتباط العقار بعلامة تجارية عالمية وما توفره من مزايا، فذلك يعكس تحولًا اقتصاديًا يتجاوز المفاهيم التقليدية للموقع والمساحة وجودة التشطيبات.
ففي سوق العقارات الفاخرة، أصبح الاسم التجاري جزءًا من معادلة القيمة، وأصبحت السمعة العالمية والتصميم والخدمات المتميزة عناصر مؤثرة في تسعير الأصول العقارية وقرارات المستثمرين.
وفي هذا التحول، لم تعد أسماء الشركات العالمية مجرد شعارات تزين واجهات الأبراج، وإنما أصبحت أصولًا معنوية قادرة على التأثير في قرارات الشراء والقيمة السوقية للعقارات، وإعادة تشكيل مفهوم الفخامة في الأسواق الدولية.
وتقدم دولة الإمارات نموذجًا لافتًا لهذا التطور، بعدما تحولت المساكن ذات العلامات التجارية من فئة محدودة تستهدف شريحة ضيقة من الأثرياء إلى قطاع عقاري متخصص يجمع بين التطوير العمراني والصناعات الفاخرة والضيافة والتصميم وإدارة الثروات.
وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذه الظاهرة في أنها تعيد تعريف القيمة التي يدفعها المشتري، فلم يعد الاستثمار مقتصرًا على امتلاك مساحة داخل مبنى متميز، بل أصبح يشمل الحصول على تجربة سكنية تحمل هوية عالمية معروفة، ومستوى من الخدمات والتصميم والخصوصية يصعب تكراره في المشروعات التقليدية.
العلامة التجارية تتحول إلى قيمة مالية
تعكس المؤشرات العقارية حجم التحول الذي يشهده هذا القطاع مع تنامي القيمة الاقتصادية للعلامات التجارية العالمية في سوق المساكن الفاخرة بالإمارات، إذ أظهر تقرير شركة ” CBRE” لعام 2025 أن متوسط العلاوة السعرية للعقارات المرتبطة بعلامات تجارية في دبي بلغ نحو 64% مقارنة بالعقارات المماثلة غير المرتبطة بها، فيما وصلت النسبة إلى 87% في أبوظبي، بما يعكس المكانة المتنامية لهذا النوع من المشاريع في السوق العقارية الإماراتية.
وتتجلى قوة هذا القطاع في حجم النشاط الاستثماري الذي يستقطبه، فقد سجلت دبي مبيعات تجاوزت 7700 وحدة سكنية تحمل علامات تجارية، بقيمة قاربت 50 مليار درهم خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، مع ارتفاع عدد الصفقات بنسبة 26% وقيمتها بنسبة 51% على أساس سنوي، وفق التقرير.
وتؤكد المؤشرات الأحدث استمرار اتساع قاعدة هذه السوق؛ إذ أظهر تقرير شركة “مورغانز إنترناشيونال ريالتي” تسجيل 4648 صفقة بقيمة تتجاوز 22 مليار درهم خلال النصف الأول من عام 2026، فيما بلغ عدد المشاريع 183 مشروعًا تضم نحو 64.7 ألف وحدة سكنية.
وقدّر التقرير متوسط العلاوة السعرية بنحو 56% مقارنة بالعقارات المماثلة غير المرتبطة بعلامات تجارية، وفق منهجيته الخاصة.
واللافت أن هذه العلاوات السعرية لا تعني بالضرورة ارتفاع تكاليف البناء بالنسبة نفسها، وإنما تعكس استعداد المشترين لدفع قيمة إضافية مقابل عناصر تتجاوز المكونات المادية للعقار، من بينها السمعة العالمية، والهوية المعمارية، والتصميم الحصري، ومستوى الخدمات، والثقة المرتبطة بالعلامة التجارية.
وهنا تتضح إحدى أهم التحولات في اقتصاد العقارات الفاخرة، فالسعر يمثل ما يدفعه المشتري عند إتمام الصفقة، بينما تتشكل القيمة الاستثمارية من عوامل أوسع تشمل جودة الأصل وندرته، وقدرته على توليد العوائد، واستمرار جاذبيته في المستقبل.
وفي هذه المعادلة، تتحول العلامة التجارية من أداة للتسويق والتميز إلى عنصر اقتصادي مؤثر في تسعير العقار وتحديد موقعه التنافسي
من عالم الأزياء والسيارات إلى سوق العقارات
لعل التحول الأكثر إثارة للاهتمام يتمثل في انتقال علامات عالمية من قطاعات الأزياء والمجوهرات والسيارات إلى التطوير العقاري، بعدما أدركت الشركات أن قوة علاماتها يمكن أن تمتد إلى الأصول السكنية، وأن أسلوب الحياة أصبح جزءًا أساسيًا من القيمة التي تقدمها لعملائها.
وكانت شركة “داماك العقارية” من أوائل المطورين الإماراتيين الذين أسهموا في ترسيخ مفهوم المساكن المرتبطة بالعلامات التجارية العالمية، من خلال شراكات مبكرة مع أسماء بارزة في عالم الأزياء والضيافة والترفيه، من بينها “فيرساتشي” عام 2010، و”فندي” و”باراماونت” عام 2013، قبل أن توسع تجربتها إلى قطاع السيارات الفاخرة بالتعاون مع “بوغاتي” عام 2015.
وأسهمت هذه الشراكات في تطوير مفهوم جديد للفخامة العقارية، يقوم على الجمع بين جودة البناء والهوية العالمية للعلامة التجارية والتصميم الحصري والخدمات المتميزة، بما أضاف أبعادًا جديدة للقيمة الاستثمارية للعقارات الفاخرة، وعزز جاذبيتها لدى المشترين الدوليين.
ومع تطور هذا النموذج، برزت شركة “بن غاطي” من خلال شراكاتها مع علامتي “مرسيدس-بنز” و”بوغاتي”، لتقدم مشاريع سكنية تستلهم فلسفات التصميم والهندسة المرتبطة بصناعة السيارات الفاخرة. ففي وسط دبي، يجسد مشروع “مرسيدس-بنز بليسز | بن غاطي” مفاهيم الدقة الهندسية والتصميم الانسيابي والتكنولوجيا المرتبطة بالعلامة الألمانية، بينما يستلهم مشروع “بوغاتي ريزيدنسز من بن غاطي” في منطقة الخليج التجاري هوية العلامة الفرنسية المعروفة بالتميز الهندسي والفخامة.
وتوسعت هذه التجربة مع الإعلان عن مشروع “مرسيدس-بنز بليسز | مدينة بن غاطي”، باستثمارات معلنة تبلغ 30 مليار درهم، ويضم 12 برجًا ضمن مجتمع عمراني متكامل يجمع المساكن والمساحات الخضراء والمرافق الترفيهية والخدمات.
وتكمن الدلالة الاقتصادية لهذا التطور في انتقال العلامة التجارية من عنصر مرتبط بهوية المبنى وتصميمه إلى مكون أشمل للتجربة السكنية، بما يفتح أمام المطورين فرصًا جديدة للابتكار والتميز، ويعزز مكانة الإمارات مركزًا عالميًا للمساكن ذات العلامات التجارية.
لماذا يقبل المشتري بدفع علاوة سعرية مقابل العقارات ذات العلامة التجارية؟
ولفهم أسباب استعداد بعض المشترين لدفع علاوة سعرية مقابل العقارات ذات العلامات التجارية، ينبغي النظر إلى التحولات التي يشهدها مفهوم الرفاهية عالميًا.
فالمشتري في هذه الشريحة لا يقارن بين عدد الغرف والمساحات فقط، وإنما يضع في اعتباره مستوى الخدمات، وخصوصية المرافق، والتصميم المعماري، وإدارة المبنى، والتجربة اليومية التي توفرها البيئة السكنية.
ولهذا أصبحت خدمات الاستقبال والكونسيرج، والمرافق الصحية والرياضية، وتقنيات المنزل الذكي، والمساحات الاجتماعية، وإدارة الممتلكات، عناصر اقتصادية تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تسعير العقارات الفاخرة.
وتعكس هذه الظاهرة تحولًا من الاستثمار في المساحة إلى الاستثمار في تجربة السكن نفسها، فالعقار لم يعد منتجًا ماديًا مستقلًا عن الخدمات المحيطة به، بل أصبح جزءًا من منظومة متكاملة تتداخل فيها العمارة والضيافة والتكنولوجيا.
كما أن ارتباط المشروع بعلامة عالمية قد يساعد على الوصول إلى قاعدة دولية من العملاء المعتادين على معايير محددة من التصميم والخدمة، وهو ما يمنح المطورين وسيلة إضافية للتميز في الأسواق التنافسية.
الإمارات تقود تحولًا عالميًا
لا تقتصر ظاهرة المساكن ذات العلامات التجارية على الإمارات، بل أصبحت واحدة من الاتجاهات المتنامية في قطاع العقارات العالمي.
ووفق تقرير “سافيلز” لعام 2025-2026، اتسع انتشار هذه المشاريع عالميًا، مع وصول عددها إلى 910 مشاريع بنهاية 2025، مقارنة بـ764 مشروعًا في العام السابق عليه، بنمو متوقع يبلغ نحو 19%.
وسجلت منطقة الشرق الأوسط نموًا بلغ 187% في عدد مشاريع هذه الفئة خلال خمس سنوات، مدفوعة بصورة رئيسية بالتوسع في دبي والأسواق الخليجية.
وتبرز دبي في صدارة المدن العالمية من حيث إجمالي المشاريع المنجزة والمخطط لها، إذ رصد التقرير 64 مشروعًا مكتملًا و87 مشروعًا ضمن خطط التطوير.
وتمنح هذه المكانة الإمارات ميزة تتجاوز استقطاب العلامات التجارية العالمية إلى المساهمة في تطوير نماذج جديدة للشراكات بين شركات العقارات والقطاعات الصناعية والخدمية.
كما تتسع خريطة هذه الاستثمارات لتشمل أبوظبي ورأس الخيمة، بما يعزز تنوع المنتجات العقارية الفاخرة، ويدعم قدرة الدولة على جذب شرائح مختلفة من المستثمرين وأصحاب الثروات الدوليين.
هل يشتري المستثمر العقار أم العلامة التجارية؟
السؤال الاقتصادي الأعمق يتعلق بما إذا كانت العلاوة السعرية تعكس قوة العلامة التجارية وحدها، أم القيمة الإضافية التي تستطيع المحافظة عليها عبر الزمن.
وفي تقديري، فإن العلامة التجارية تمنح المشروع نقطة انطلاق قوية من حيث الحضور الدولي والتسويق وجذب المشترين، لكن القيمة المستدامة تتشكل من جودة التنفيذ، وكفاءة الإدارة، ومستوى الصيانة والخدمات، والموقع، والقدرة على تلبية توقعات السكان والمستثمرين.
فالعلامة العالمية الناجحة لا تكتفي بإضافة اسمها إلى واجهة المشروع، بل تسهم في تقديم معايير واضحة تعزز التجربة السكنية وترفع جودة الأصل العقاري.
ومن الناحية الاستثمارية، ينبغي التمييز بين العلاوة التي يدفعها المشتري عند الشراء والعائد الذي قد يحققه لاحقًا من الإيجار أو إعادة البيع؛ فالأول مؤشر على استعداد السوق للدفع مقابل التميز، بينما يعتمد الثاني على الأداء الفعلي للأصل واستمرار جاذبيته.
ومع توسع هذا القطاع، ستزداد أهمية التقييم الدقيق للمشاريع ومقارنة خدماتها وتكاليف تشغيلها، بما يعزز نضج السوق ويفتح المجال أمام منافسة أكثر ارتباطًا بالجودة والقيمة المضافة.
تحول أكبر في صناعة العقارات
أرى أن النمو المتسارع للمساكن ذات العلامات التجارية يعكس تحولًا أكبر في صناعة العقارات، يتمثل في اتساع مفهوم الأصل العقاري ليشمل قيمة التصميم والخدمات والهوية والسمعة، إلى جانب الأرض والمبنى والموقع.
وقد وفّرت الإمارات بيئة مناسبة لازدهار هذا النموذج، من خلال تطور قطاعها العقاري، وانفتاحها على الشراكات الدولية، وقدرتها على استقطاب العلامات الفاخرة والمستثمرين من أسواق متعددة.
ولعل التجارب التي تجمع التطوير العقاري بصناعات السيارات والضيافة والتصميم تؤكد أن مستقبل المنافسة لن يرتبط فقط بما تبنيه الشركات، وإنما أيضًا بالقيمة التي تضيفها إلى حياة السكان وتجربة الاستثمار.
وفي هذه المعادلة، تصبح العلامة التجارية جزءًا من القيمة الاقتصادية للعقار، ليس لأنها ترفع السعر بمجرد حضور اسمها، بل لأنها تستطيع، عندما تقترن بالجودة والخدمات والابتكار، تحويل المبنى إلى تجربة متكاملة وأصل استثماري يتمتع بهوية متميزة وحضور عالمي.
وهنا يتبلور التحول الأهم في مستقبل العقارات الفاخرة: من بيع المساحات إلى صناعة القيمة، ومن تسويق المباني إلى بناء تجارب سكنية تحمل بصمة عالمية قادرة على الاستمرار.
مجلة 24 ساعة