الرئيسية / صحافة ورأي / الذكاء الشرير.. والدين والعقيدة!

الذكاء الشرير.. والدين والعقيدة!

مودي حكيم
مودي حكيم

صاعقة تصيب البشرية من محاولة الذكاء الاصطناعى إعادة تشكيل الدين، والتدخل فى العقيدة والمفاهيم الروحية، إن إقحام التكنولوجيا فى هذا الجانب الحساس، يمثل صاعقة فكرية وأخلاقية تواجه البشرية، بدأ الذكاء الاصطناعى فى صناعة «نصوص مقدسة» بديلة، ومحاولة أن يُعيد تشكيل الدين والروحانية الإنسانية من خلال تغيير كيفية بحث الناس عن إجابات وجودية، وتكوين أنظمة معتقداتهم، وتفاعلهم مع رجال الدين التقليديين، وكتابة نصوص تحاكى الأسلوب الدينى، أو الدمج بين فلسفات، وأديان مختلفة لإنشاء مذاهب جديدة يلجأ الملايين الآن إلى برامج الدردشة الآلية مثل ChatGPT وQuaranGPT وText With Jesus للحصول على إرشاد شخصى، مما يثير تساؤلات عميقة حول السلطة والمجتمع وطبيعة الروح البشرية.

ويتجه المؤمنون بشكل متزايد إلى برامج الدردشة الآلية العامة أو المُخصصة التى تعمل بالذكاء الاصطناعى للحصول على إجابات لاهوتية بدلاً من زيارة المرشدين الروحيين المحليين، وهو ما يحذر النقاد من أنه قد يُؤدى إلى تفتيت العبادة الجماعية.

ومع الأسف بدأ بعض رجال الدين فى العالم استخدام الذكاء الاصطناعى لتسريع المهام الإدارية وصياغة الخطب، مما يُتيح لهم مزيدًا من الوقت لرعاية المصلين والمحتاجين رعاية روحية أو إنسانية، على الرغم من أن البعض يخشى فقدان الصوت الإنسانى الأصيل.

هذه المعتقدات الرقمية الجديدة والتفاعل معها أدى إلى ظهور حركات وجماعات اصطناعية مثل «Theta Noir» أو حركات مُشتقة من برامج الدردشة الآلية مثل «Spiralism»، مما يُطمس الخط الفاصل بين التكنولوجيا والروحانية.

تُظهر الدراسات أن نماذج الذكاء الاصطناعى الرئيسية غالبًا ما تحمل تحيزًا علمانيًا أو تميل إلى تقاليد معينة على حساب غيرها، مما قد يُشوّه النصائح الأخلاقية أو الدينية. ونظرًا لأن نماذج الذكاء الاصطناعى مصممة لإرضاء المستخدمين ومحاكاة شخصياتهم، فقد تُعزز الأوهام، أو تُشجع على «الهرطقة الرقمية»، أو تُنشئ تبعيات عاطفية غير صحية.

تُؤكد الجماعات الدينية – من الفاتيكان وعلماء الإسلام إلى التقاليد البوذية – أن الكرامة الإنسانية والتعاطف الحقيقى والمسؤولية الأخلاقية لا يُمكن محاكاتها بواسطة السيليكون.

فى مارس ٢٠٢٦، التقى الزعيم الروحى الأعلى للبوذيين الدالاى لاما الرابع عشر بباحثين من معهد أخلاقيات الذكاء الاصطناعى بجامعة أكسفورد. وحين سُئل عن الكيفية التى يمكن أن يفيد بها الذكاء الاصطناعى البشرية، أجاب قائلاً: «على الرغم من أن هذه الأنظمة قد تؤدى وظائف متعددة، إلا أن الأمر يعتمد فى نهاية المطاف على العقل البشرى. لذا، ومهما بلغت درجة تطورها، فإنها تظل عاجزة عن مواكبة وتيرة العقل البشرى.. فأفكارى أنا نفسى تتغير من لحظة إلى أخرى».

قد يبدو من غير المتوقع أن يدلى زعيم روحى بارز برأيه فى الذكاء الاصطناعى، لكن فى الواقع، لا ينبغى أن يكون الأمر كذلك. فمع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعى وتزايد دوره، تثار أسئلة جوهرية حول الهوية البشرية، والمعنى، والأخلاقيات؛ مما يجعل التقاليد الدينية تكتسب أهمية متزايدة فى كيفية فهم المجتمعات لهذه التكنولوجيا وإدارتها.

لقد أدى الصعود السريع للذكاء الاصطناعى التوليدى- وهى أنظمة أظهرت كفاءة فى مجالات مثل اللغة والفن، والتى طالما اعتُبرت سماتٍ بشريةً خالصة- إلى طرح تساؤلات وجودية، بل ووصل الأمر إلى التنبؤ بمخاطر قد تهدد وجود البشرية ذاته. وتدور فى أذهان الكثيرين ممن يحاولون استيعاب تأثير هذه التكنولوجيا على حياتهم اليومية أسئلة من قبيل: «ماذا يعنى أن تكون إنساناً فى عصر الذكاء الاصطناعى؟» أو «هل يمكن وجود ذكاء اصطناعى أخلاقى؟».

وفى ظل هذه التساؤلات، غالباً ما يلجأ الناس إلى الإيمان والقادة الدينيين بحثاً عن المعنى والقيم الأخلاقية. ونظراً لأن غالبية سكان العالم ينتمون إلى ديانات معينة، ومع تزايد اعتماد الأفراد على الذكاء الاصطناعى للحصول على إجابات لأسئلتهم اليومية، فمن المرجح أن يبدأوا أيضاً فى استخدامه لاستكشاف قضايا روحية أو دينية. لذا، ليس من المستغرب أن نرى اهتماماً متزايداً من المؤسسات الدينية بتطورات الذكاء الاصطناعى، حيث تمتلك كل منها رؤاها الخاصة فى هذا الشأن.

لقد أنتج التطور اللاهوتى «اللاهوت هو الدراسة المنهجية للطبيعة الإلهية والعقائد الدينية» عبر القرون تقاليد فكرية غنية حول ماهية الإنسان، وماهية النتائج التى تُعدّ خيراً للبشرية. ومن ثم، يبدو من المنطقى توظيف هذا الفكر فى معالجة واحدة من أكثر القضايا الأخلاقية إلحاحاً فى عصرنا. وعلاوة على ذلك، يمكن للاهوت أن يقدم إسهامات جوهرية فى قضايا تتعلق باللغة والمعنى؛ وهى مجالات غالباً ما تظل فيها الافتراضات الكامنة فى أنظمة الذكاء الاصطناعى غير معلنة أو غير واضحة.

علاقة الدين بالذكاء الاصطناعى، أحد أكثر المواضيع الشائكة وعمقاً فى هذا العصر، لأنها تتقاطع فيها العقيدة، والمفاهيم الدينية، والأخلاق، والفلسفة، والتطور التكنولوجى المتسارع، لكن لابد من طرحها ومناقشتها.. وهذا ما سأحاول إلقاء الضوء عليه للخروج من هذا النفق الدنيوى المظلم.

شاهد أيضاً

هاجوج وليموج

الثروات الكبرى أحياناً ليست في المصادر الطبيعية، بل في التحف التي ليس منها غالباً سوى …