الرئيسية / صحافة ورأي / عندما يفقد كل شيء معناه في “منظمة آل يونسكو”

عندما يفقد كل شيء معناه في “منظمة آل يونسكو”

مسرحية مصرية تستدعي 5 نصوص لرائد الدراما العبثية

مسرحخة مصرية تعتمد نصوص الكاتب أوجين يونسكو (خدمة الفرقة)

ملخص

قدم المخرج محمد عادل يوسف مسرحية “منظمة آل يونسكو” مستعيناً بخمسة نصوص للكاتب الروماني الفرنسي يوجين يونسكو، في مغامرة فنية صعبة، سعى صناعها إلى نظم ما لا ينتظم في عقد واحد.

لم ينشغل العرض المسرحي المصري “منظمة آل يونسكو” بطرح أسئلة حول فن المسرح وما يعانيه، والسخرية من المؤسسات القائمة عليه وبعض ممارسيه فحسب، بل تطرق إلى عدد من القضايا السياسية والاجتماعية، وهي في الوقت ذاته غير منفصلة عن المسرح وهمومه، ليصبح المسرح، في العرض، هو العالم بأس.

العرض الذي قدمه طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية (أكاديمية الفنون – وزارة الثقافة) دراماتورجيا وإخراج محمد عادل يوسف، ضمن مهرجان الإسكندرية المسرحي الدولي، مأخوذ عن خمسة نصوص للكاتب الروماني الفرنسي يوجين يونسكو (1909 – 1994) أحد رواد مسرح العبث مع الكاتب الإيرلندي صمويل بيكيت، وهي “الكراسي” و”الدرس” و”مرتجلة ألماً” و”المغنية الصلعاء” و”الخرتيت” و”اللوحة”، وإن ظل “الكراسي” هو الإطار الحاكم والمهيمن على العرض، أو بمعنى أدق ظل نقطة الانطلاق ومكان العودة، أداة ترتيب كل هذه الفوضى، ووسيلة الدراماتورج في محاولة البحث عن إجابة لسؤال “كيف تكون إنساناً في عالم فقد إنسانيته”.

أدرك دراماتورج ومخرج العرض، بداية، أنه يتعامل مع نصوص عبثية بامتياز، وأدرك كذلك أن كاتب النصوص لا يتعمد تغييب الدلالة بل إنه يبتكر طرقه الخاصة في صناعتها، مدفوعاً برغبته في التعبير عن هشاشة الإنسان وعجزه عن التواصل، وعجز اللغة التقليدية نفسها عن أن تكون أداة للتواصل، بعدما فقدت معناها، والتعبير عموماً عن المأزق الوجودي للإنسان في عالم مضطرب وغير إنساني.

 إن جمع خمسة نصوص معاً لكاتب مثل يونسكو أمر صعب وبالغ الخطورة ما لم يكن الدراماتورج على وعي بطبيعة هذه النصوص ومنطقها الخاص ودوافع وتوقيت كتابتها، ولديه القدرة على تحليلها ونظم ما لا ينتظم في عقد واحد له قوامه الخاص أيضاً.

سلطة الناقد

يبدأ العرض، وقبل فتح الستار، بجلوس يونسكو نفسه (أحمد مخيمر) أقصى يسار مقدمة الخشبة وهو يكتب نصاً جديداً، بينما الناقد بارتولوميوس في زي المهرج يتعجله في إنهاء النص ويفرض عليه سلطته ويطلب منه كتابة نص شعبي خفيف يجذب الجمهور، ليس مهماً العمق والأسئلة الصعبة وكل هذه الأشياء التي يحرص عليها، شرطه الوحيد هو ألا تكون للجودة أهمية، هكذا منذ البداية تحضر السلطة النقدية، وربما أي سلطة، بقمعها وجهلها.

هذه السلطة النقدية تقوم بعكس ما يجب أن تقوم به، فالمفترض أن تبحث عن الجودة والقيمة لكنها تشترط تغييبهما رغبة في تغييب الجمهور ذاته، فقبل نهاية العرض تضع السلطة، ممثلة في بارتولوميوس الأول (أحمد عباس) والثاني (سعيد سالمان) وكلاهما في زي المهرج، شريطاً تحول به بين خشبة المسرح والجمهور، بل إنها تضرب الجمهور وتبعده من الخشبة في دلالة على رغبتها، أي السلطة، في عدم وصول أحدهما إلى الآخر أو الدخول معه في حوار، مما يقطع الصلة بين المعرفة ومتلقيها، وتضع شريطاً لاصقاً تقيد به حركة يونسكو، أي تعوقه عن الحركة والعمل، فكيف يعمل الكاتب وهو محاصر بالقيود.

أجواء غرائبية

 بعد فتح الستار تفاجئنا أجواء غرائبية (ديكور محمد العشوائي، إضاءة أحمد طارق) مجموعة من الكراسي، طائرة معلقة، مجسم لبرج إيفل، جمجمة، وأشكال أخرى غريبة معلقة أو منثورة هنا وهناك، كأنها شذرات من أجواء يونسكو، وكأننا أمام لوحة سوريالية لسلفادور دالي، ربما ليهيئنا هذا الديكور لتلقي هذا العالم الغريب والمتشظي ومجهول الهوية، وليحدث التأثير النفسي والبصري تاركاً للمشاهد التأويل وفك الشفرات، ومقدماً قراءته هو الآخر لعالم يونسكو ورؤيته لوضعية الإنسان في هذا العالم، وهو ما تعكسه بعض المشاهد كذلك، كأن يظهر الرجل ببدلة لكن خلفيتها فستان، وكذلك المرأة بفستان خلفيته ملابس رجالي، كتعبير عن فقد الهوية وضياعها (تصميم الملابس ميار ممدوح).

 سيدة وزوجها في انتظار ضيوف لا يجيئون، ومقاعد خاوية معلق عليها ملابس، وحوارات مقطوعة ومبتورة، ولقاء بين رجل وامرأة يحاول كل منهما التعرف على الآخر، جاءا إلى البلدة في القطار نفسه ويسكنان داخل الشارع نفسه والبناية نفسها والشقة نفسها، لنكتشف، ويكتشفان، في النهاية أنهما زوجان، وفنان يعرض لوحته على أحد الأثرياء ويحدد ثمناً مرتفعاً، ويرضى في النهاية بمبلغ ضئيل، بعدما سحقه الثري وقيده بالحبال كمن يسوق بهيمة، وبعد رضوخ الفنان للسعر الضئيل، وبدلا من أن يتأمل الثري اللوحة، يأكلها، في دلالة واضحة على قسوة رأس المال وتعامله مع الفن بنظرة دونية، وتحول الفن إلى مجرد سلعة.

أما المدرس فيدخل بلا رأس، وعندما يسأل أحدهم عن الرأس، تأتي الإجابة لا يهم الرأس، ليفتح المدرس حقيبة يحملها ويخرج منها طبلة، وكأن المؤسسة التعليمية والفكرية فقدت، هي الأخرى، وظيفتها وعقلها، ولم يعد لديها سوى الخواء.

أما المغنية (جاسمين خالد) التي من المفترض أن تؤدي عملاً له معنى، فمع وجود الموسيقى والميكروفون والمظهر البراق، فإنها لا تصدر سوى أصوات بلا أي معنى، وذلك على وقع موسيقى أغنية الفنانة الفرنسية الشهيرة إديث بياف “لا لست نادماً على شيء”، لتتحول هذه الكلمات إلى “لاب لاب لاب” هكذا فحسب، وفي كل الأحوال، تناقض صارخ بين الشكل والجوهر، بين الوظيفة المفترضة والفعل المناقض لها تماماً والذي لا يؤدي إلى أي شيء، ليتحول الجموع إلى نسخة واحدة وكأنهم مجموعة من الخراتيت.

حضور يشبه الغياب

لا يكف السيد والسيدة (إبراهيم الألفي وميرنا الجوهري) عن انتظار الضيوف، في حين تمتلئ الكراسي الفارغة ببعض الملابس، دلالة على الحضور الذي يشبه الغياب، ثم يحضر الإمبراطور الوهمي الذي لا نراه أصلاً، والكل في انتظار الرسالة التي سيلقيها الضيوف الغائبون، وعندما يحضر الفنان (إسلام عبدالشفيع) ويطلبون منه إلقاء الرسالة، لا تطاوعه الكلمات فيكتفي بالبكاء، والبكاء هنا، في ظني، ليس غياباً للرسالة، بل هو الرسالة بذاتها، فأي كلمات يمكن أن تعبر أكثر من البكاء عن أزمة الإنسان، وفقده القدرة على التعبير، ليس عند يونسكو فحسب، بل إنها تعبر عنها هنا والآن، في دهاء فني يحسب للعرض.

وإذا كانت المؤسسة، على اتساع أشكالها وتجلياتها، تقمع وتسحق وتقيد، فإن الفنان لن يعدم وسيلة لإيصال رسالته، والمسرح لم يعد، هنا، المسرح في معناه المعروف، بل صار العالم كله.

ولعل استخدام “منظمة آل يونسكو” كعنوان للعرض، يحيلنا إلى مفارقة ذكية ومقصودة، فمنظمة اليونيسكو، التابعة للأمم المتحدة، من مهامها المعروفة تأمين حق الوصول إلى المعلومات ونشر المعرفة، أما “منظمة آل يونسكو” هنا فتشير إلى الوظيفة العكسية، وهي حجب المعلومات وتغييب المعرفة، والعمل على نشر كل ما هو تافه، وكل ما يسهم في تقييد حركة الإنسان وامتهانه والضغط عليه، لا فنياً فحسب، وإنما على المستويات كافة.

“منظمة آل ـيونسكو” يعد واحداً من العروض شديدة الذكاء والدهاء، أدرك صناعة الفارق بين العرض والعريضة، بين الفن والمنشور، بين الجراح الماهر والجزار، فجاء ممتعاً، فكرياً وجمالياً، وترك كثيراً من الفراغات ليملأها كل مشاهد بمعرفته.

شاهد أيضاً

“أميركا… أميركا” لكازان: اعتذار موارب ومتأخر

فيلم أراده مخرجه بعدما وشى بزملائه للجنة مكارثي رداً ذاتياً على خيانة… لا مفر منها …