
جيمس مور كاتب مقال في الاندبندنت
الخوف من أن الذكاء الاصطناعي قادم لانتزاع مصادر رزقنا حاضر أينما نظرت، وأعتقد أنه السبب وراء قرار كثيرين الآن التمسك بوظائف لا يحبونها حتى، والإحجام عن اتخاذ أية خطوات مباغتة نحو باب المغادرة.
في الواقع، بات واضحاً أن عهد “الاستقالة الكبرى” قد ولى، تلك الطفرة من “الانسحاب الهادئ” [الذين يكتفون بالحد الأدنى المطلوب في المهمات الوظيفية] والاستقالات الفعلية التي تفجرت إبان الجائحة. ثمة رسم بياني دال على موقع “ستاتيستا”، المتخصص في البيانات، يرصد من يبدلون وظائفهم، أي الذين يتركون صاحب عملهم الحالي للالتحاق بآخر. ويبين الرسم أنه في ذروة ما عرف بموجة “الاستقالة الكبرى”، حين بلغت الاستقالات أوجها في الربع الثاني من عام 2022، قارب عدد هؤلاء 450 ألف شخص. ثم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أتيح روبوت الدردشة “تشات جي بي تي” للعامة، وبحلول الربع الأخير من عام 2025، هبط هذا الرقم إلى أقل من النصف ليصل إلى 205 آلاف فقط.
معلوم أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى البقاء في وظائفهم عندما يقلقون في شأن فقدانها، فتغيير جهة العمل ينطوي على مخاطرة، لا سيما إذا كنت تبلي بلاء حسناً في عملك الحالي وتشعر تجاهه برضا معقول.
وإذا ما بدأت مفصلة التسريحات تنهال على الموظفين، سواء نتيجة الذكاء الاصطناعي أم غيره، فمن المرجح أن تسود أيضاً القاعدة: آخر من دخل الوظيفة هو أول من يتعرض للطرد، أليس كذلك؟ لذا، من الأفضل أن تلزم مكانك وتتشبث بوظيفتك جيداً. شخصياً، استقلت أربع مرات، وفي واحدة منها لم أكن أملك أية وظيفة بديلة، ولا أظن أني استثناء في هذه المسألة، ففكرة “وظيفة لمدى الحياة” ماتت منذ زمن بعيد.
والحقيقة أن تأثير الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل ما زال غير واضح حتى الآن، في بعض الحالات، يثبت أنه مفيد بالفعل إلى حد ما. لقد أدى دوراً في هذه المقالة، إذ ساعدني في بعض الأرقام التي استخدمتها. ويمكن أن يحقق فائدة كبيرة في مهن مثل الشرطة أو التمريض، إذ يخفف عن كاهل العاملين في الخطوط الأمامية كثيراً من الأعباء الإدارية الرتيبة والمملة، إن لم نقل المزعجة فعلياً.
ولكن في “وادي السيليكون“، وغيره من مراكز الابتكار التقني مثل لندن أو كامبريدج، حيث يتقاضى المبرمجون رواتب مرتفعة من ستة أرقام، إلى جانب مزايا وظيفية سخية للغاية، يبدو هذا الخوف حقيقياً ومنطقياً تماماً، فالذكاء الاصطناعي قادر على البرمجة بسرعة تتخطى أية قدرة بشرية، وهذا الذعر آخذ في التفشي عبر القطاعات كافة. وهذا الأسبوع، صرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي المثير للجدل لشركة “أوبن أي آي”، أن بعض الشركات “تتذرع بالذكاء الاصطناعي”، لتحميله مسؤولية تسريحات لا علاقة له بها، ولكنه يقر في الوقت ذاته بأن الأمور ربما تزداد سوءاً عما قريب.
من جانبها، تناولت صحيفة “نيويورك تايمز” هذا الأسبوع مخاوف تسود “وادي السيليكون”، بعضها مبالغ فيها، وبعضها الآخر ذو طابع مصلحي، ولكنها تبقى حقيقية، من أن الذكاء الاصطناعي سيخلق “طبقة دائمة من العاطلين” عن العمل، مما قد يقود إلى كارثة في سوق العمل. ويرى بعض المحللين، من بينهم الخبير الاقتصادي أنتون كورينيك من “جامعة فيرجينيا” و”معهد أنثروبيك” Anthropic، أنه لا وظيفة بشرية محصنة ضد هذا التغيير على المدى البعيد.
ويبدو أن بعض الناس يتبنون فكرة مفادها بأن الخيار الأفضل التحصن والاستعداد لمواجهة الظروف الصعبة، من ثم تكديس أكبر قدر من المال، ما دام ذلك ممكناً، كي يتمكنوا، عندما تقع الضربة، من افتتاح ذلك النزل الريفي الفاخر في مكان ما عبر نيو إنغلاند في الولايات المتحدة. أين سيكون، في أيداهو أم في وايومنغ؟ وفي المملكة المتحدة، ربما في كوتسوولدز أو منطقة البحيرات، أنا أسميهم “المستقيلين الخارقين” Super Quitters. يبني هؤلاء الأشخاص ثرواتهم الآن لأنهم يعتقدون أن أمامنا نافذة زمنية محدودة لجمع الثروة قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي والروبوتات متطورين بما يكفي لاستبدال العمل البشري بالكامل. صحيح أنه تعبير محدود الانتشار، ولكنه بدأ يأخذ طابعاً واسع التداول على الإنترنت لوصف هذه النظرية. وهو آخذ في الاتساع، حتى بين الناس العاديين مثلنا.
تتناول أخبار عالم المال بصورة متكررة عدد البريطانيين الذين تقل مدخراتهم عن ألف جنيه استرليني (نحو اثنين من كل خمسة أشخاص، لمن يهوى الأرقام المخيفة)، إلا أن عدداً كبيراً ممن يعيشون نقيض هذه الحال لا يحظى بالقدر نفسه من التغطية الإعلامية.
تظهر الأرقام الرسمية أن 2.7 مليون شخص لديهم ما بين 50 ألفاً و100 ألف جنيه استرليني في مدخراتهم، وبلغ عدد حسابات الادخار الفردية المعفية من الضرائب “آيزا” ISA نحو 15 مليون حساب خلال الفترة 2023-2024، في رقم يكاد يكون قياسياً ويمثل ارتفاعاً حاداً مقارنة بـ12.4 مليون في 2022-2023، التي تجاوزت بدورها بفارق واضح الـ11.7 مليون المسجلة في العام الذي سبقه.
وتبقى حسابات الادخار النقدية “آيزا” الأكثر شعبية بفارق واسع، ولكن حسابات الأسهم والاستثمارات سجلت رقماً قياسياً بلغ 4.1 مليون حساب في العام المذكور، في تطور إيجابي ومشجع للغاية، فهناك تكمن العوائد، وهناك تذهب أموالي الفائضة.
أما “المدخرون الخارقون” (اعتراف واجب، أنا واحد منهم، وغالبيتهم فوق 55 سنة، وأنا على أعتابها)، فلديهم القدرة، إذا دعت الحاجة، على ترك وظائفهم والبحث عن مسارات مهنية جديدة يفترض أنها أقل تأثراً بالذكاء الاصطناعي.
لوتي جيفز، المحررة السابقة في مجلة “إيل” Elle، كتبت أخيراً في “اندبندنت” عن تجربتها في العودة للجامعة للتدرب على العمل كمعالجة نفسية، في إطار ما سمته “إعادة التعليم الكبرى”. نعم، حتى في هذا المجال بدأ الناس يلجأون إلى البوتات (الروبوتات) أيضاً، لكنني أظن أن معظمهم لا يزال يفضل اللمسة الإنسانية.
وإذا كانت النتيجة النهائية لاكتساب عادة الادخار تتمثل في تغيير المسار المهني في منتصف العمر للتفوق على “البوتات”، فمن الصعب العثور على دافع أفضل لتكديس المال جانباً.
The Independent News
مجلة 24 ساعة