
رئيس تحرير سابق، عضو في مجلس نقابة الصحافة واتحاد الكتّاب اللبناني.
بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا هو نصف الطريق إلى التسوية، لكن النصف الآخر من الطريق مملوء بالحواجز والعقبات ومحكوم بإطلاق النار، بحيث يكاد يكون مسدوداً. فالدولة تنطلق من اقتناع واقعي بأنه لا بديل عن التفاوض لاستعادة الأرض التي احتلتها إسرائيل في حربين بدأهما “حزب الله” إسناداً لغزة، ثم لإيران. و”الحزب” ثابت على موقف مرتبط بمشروع إقلیمي إیراني موجزه أنه لا بديل عن “المقاومة” لتحرير الأرض، ولو من دون القدرة على ذلك، بصرف النظر عن إطلاق الصواريخ والمسيرات. أهم معركة سياسية خاضتها الدولة هي تثبيت حق لبنان في التفاوض بنفسه عن نفسه، بعدما جاءت المساعدة من الرئيس دونالد ترمب، الذي فصل وقف النار في لبنان عن وقف النار في حرب إيران، وجعل التفاوض بين لبنان وإسرائيل في معزل عن التفاوض بين أميركا وإيران. وأشرس معركة يصر عليها “الحزب” هي السعي لربط وقف النار والتفاوض بما يدور بين واشنطن وطهران، لأن حربه كانت “دفاعاً عن النظام الإيراني”، كما أعلن بصراحة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قالیباف.
والمفارقة التي ليست مفارقة أن مطالب الدولة في المفاوضات هي مطالب “الثنائي الشيعي” الرافض للتفاوض: وقف النار، انسحاب الاحتلال من الأرض اللبنانية، استعادة الأسرى، وإعادة الإعمار. والهدف هو إنقاذ لبنان واللبنانيين، وخصوصاً الشيعة الذين نزح منهم عن بيوتهم وقراهم مليون شخص. وإذا كان رئيس المجلس النيابي ورئيس حركة “أمل” نبيه بري يرفض التفاوض المباشر مع العدو، ويريد التوصل إلى حل بالتفاوض غير المباشر، فإن الشيخ نعيم قاسم الأمين العام لـ”حزب الله” يعتبر أن التفاوض “غلطة وتنازل مجاني” إن لم يكن مرتبطاً بالتفاوض الإيراني، لكنه تفاوض مع العدو من خلال “الأخ الأكبر” بري بعد حرب إسناد غزة على “وقف الأعمال العدائية”.
أما الدولة، فإنها تضع “إنهاء حال العداء” بين لبنان وإسرائيل كسقف أعلى لما تقدمه مقابل الانسحاب الإسرائيلي وتوابعه. وأما الاتفاق على السلام، فإن الدولة ملتزمة مبادرة السلام العربية التي خرجت من قمة بيروت عام 2002 تحت عنوان “الأرض مقابل السلام”. والخلاصة لا سلام قبل الانسحاب الإسرائيلي من كل الأرض العربية المحتلة، وقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.
وهذا ما يرفضه “الحزب” كلياً. فهو جزء من حرب دائمة من أجل المشروع الإقليمي الإيراني. حرب دائمة مع إسرائيل يقع ثقلها على الوطن الصغير في عالم عربي بعضه في معاهدات سلام مع إسرائيل، وبعضه الآخر في “سلام إبراهيمي”، والبقية مع “السلام كخيار استراتيجي” حسب مبادرة السلام العربية. حرب دائمة في البلد الذي قال عنه ميشال شيحا بما يشبه كلام مترنيخ “إن من واجب العناية أن تصون لبنان من العنف”. البلد الذي جاء بمحاضرة للزعيم الوطني كمال جنبلاط عام 1956 في “الندوة اللبنانية”، أن “لبنان وجد لكي يكون بلد العقل، بلد العقلانية، أثينا في الشرق الأوسط، ولنترك لسوانا أن يتلهى أو يجازف بلعب دور إسبارطة، فهو ليس دورنا”. البلد الذي قال عنه البابا يوحنا بولس الثاني عام 1989 برسالة إلى أساقفة الكنيسة الكاثوليكية “إن لبنان هو أكثر من بلد، إنه رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق كما للغرب”.
لكن الدنيا دارت عليه. “منظمة التحرير الفلسطينية” حكمته بادعاء القتال عبره لتحرير فلسطين. إسرائيل اجتاحته مراراً. سوريا لعبت وتلاعبت به. إيران جعلته من خلال “حزب الله” جبهة أمامية لحمايتها والعمل لمشروعها. ولا مرة، منذ الستينيات في القرن الماضي، كان قرار الحرب والسلم في يده. حتى بعد حرب 2006 والقرار 1701 ودخول الجيش إلى الجنوب مع القوات الدولية “اليونيفيل”، فإن القرار لم يكن له، ولا كان في يد “حزب الله” الذي أقام بنية تحتية عسكرية مهمة تحت عيون “اليونيفيل” واكتفاء إسرائيل باستراتيجية “الردع”. هو كان في يد إسرائيل وإیران وسوريا. وما يحاوله لبنان هو استعادة القرار.
والموقف دقيق في المفاوضات الدائرة بواشنطن مع التأثر بالمفاوضات الدائرة بإسلام آباد. فالمطلوب من بيروت أميركياً وإسرائيلياً في انطلاق التفاوض هو ما قرره مجلس الوزراء اللبناني ودعمته الأكثرية الشعبية: سحب سلاح “حزب الله”، الذي يقول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يشكل “خطراً على إسرائيل ولبنان”، لكن الدولة التي أضافت إلى قرار سحب السلاح قرار اعتبار “نشاطات الحزب العسكرية والأمنية” خارج القانون، لم تستطع تنفيذ أي منهما. لا بل إن “الحزب” تحدى الدولة وقراراتها وبدأ الحرب دفاعاً عن إيران، بما قاد إلى مزيد من الاحتلال. والمشهد أمامنا هو التنقل بين التفاوض على تسوية والانشغال بحرب في الداخل لسحب السلاح. فلا لبنان يستطيع التوصل إلى تسوية قابلة للتنفيذ، ولا “حزب الله” يرید وتريد له طهران التراجع عن حرب دائمة، ولو اكتمل تدمير لبنان.
وبين شعار “الكلمة للميدان” والتصور أن “الكلمة لطاولة التفاوض” يبدو الجميع في انتظار ما تنتهي إليه حرب المفاوضات بين أميركا وإيران. وفوق رؤوسنا كثير من الصواريخ والمسيرات. وفي غرف المفاوضات كثير مما يسميه العالم السياسي الفرنسي من أصل إيراني برتران بديع “النفخ الدبلوماسي”.
مجلة 24 ساعة