
لعل الحضور المتجدد لسيمون دو بوفوار التي تعد من أبرز وجوه الفلسفة الوجودية في القرن الـ20 وأحد رموز الفكر النسوي المعاصر يتجلى في حدثين ثقافيين بارزين: إدراج كتابها الأكثر شهرة “الجنس الآخر” في مجموعة “لا بلياد”، أفخم وأرقى سلسلة كتب تصدرها دار غاليمار التي تضم روائع النصوص الأدبية والفلسفية والتي يحاط كل أديب أو فيلسوف تنشر أعماله فيها بهالة من الإعجاب، لكأنه دخل الخلود من بابه العريض، وصدور كتاب جديد بعنوان “حين فتحت النساء أعينهن، الكتابات والأقوال النسوية 1947-1985” (غاليمار، 2026) يضم نصوصها ومداخلاتها حول قضايا المرأة على مدى أربعة عقود. يفتح هذان الحدثان المجال لإعادة قراءة إرث سيمون دو بوفوار كفكر لا يزال قادراً على مساءلة الحاضر وقضايا المساواة والحرية والهوية.
أصدرت سيمون دو بوفوار “الجنس الآخر” في مجلدين عام 1949، بعدما نشرت بعض فصوله في مجلة “لي تان مودرن”، فأحدث هذا الإصدار زلزالاً فكرياً وأخلاقياً في أوروبا وخارجها، لتحليله الصور النمطية التي حيكت حول المرأة وكشفِه البنية العميقة للهيمنة الذكورية على المجتمعات الحديثة سواء عبر الزواج أو عبر الأمومة، فضلاً عن تطرقه لقضية النظرة الدونية والاضطهاد الذي تعرضت له النساء عبر العصور. فيه تطرح المؤلفة سؤالين مركزيين: كيف وصلت الحال بالنساء إلى أن تصنفن كـ”جنس آخر” أو “ثانٍ”؟ وما الأسباب الكامنة وراء عدم مواجهتهن للواقع الذكوري الذي فرض عليهن؟
أما الكتاب الجديد الموسوم “حين فتحت النساء أعينهن، الكتابات والأقوال النسوية 1947-1985″، فما هو إلا تذكير بأن كتاب “الجنس الآخر” لم يكن سوى بداية في مشروع تحرر المرأة. فعلى مدى ما يقارب 40 عاماً، لم تكف سيمون دو بوفوار عن التفكير والكتابة والتحدث والعمل من أجل تحرير النساء، مواكبة إيقاع النضالات في فرنسا وفي كل أنحاء العالم.
يجمع هذا الكتاب نصوصاً ومقالات وترجمات ومقابلات وضعت بين عامي 1947 و1985، بعضها غير منشور أو كان الوصول إليه صعباً في كثير من الأحيان. غير أنها تكشف كلها عن فكر في حال تطور مستمر، يأخذ بعين الاعتبار التغيرات الاجتماعية والسياسية.
النضالات النسوية
في هذه النصوص، يرى القارئ كيف انتقلت دو بوفوار من تحليل فلسفي للمرأة كـ”آخر” إلى انخراط مباشر في النضالات النسوية، لا سيما في سبعينيات القرن الـ20، من خلال تناولها لقضايا الإجهاض ومنع الحمل والعمل المنزلي والعنف الجنسي بوصفها مسائل سياسية تتطلب تغييراً جذرياً في البنى الاجتماعية. هذا البعد الحركي في فكرها مهم للغاية، لأنه يبين أن النسوية عندها ممارسة نقدية مرتبطة بالواقع، وأنها فلسفة تتجسد في الفعل، لا في التأمل النظري المجرد. ولعل مقولة “لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك” تظل أشهر ما كتبته الفيلسوفة وتلخص مشروعها الفكري بأكمله. فبدلاً من اعتبارها الأنوثة حقيقة بيولوجية ثابتة، رأت دو بوفوار أنها نتاج بناء اجتماعي وثقافي. هذا التحليل كان سابقاً لزمانه، ومهد الطريق لما سيُعرف لاحقاً بدراسات النوع الاجتماعي أو الجندرية، علماً أن قوة دو بوفوار تكمن في قدرتها على زعزعة المسلمات. فلئن كانت الهوية الجندرية تبنى اجتماعياً، فإنها تعني أنها قابلة للتغيير، ومن هذه الزاوية تحول النقد إلى أداة للتحرر.
مع ذلك، فإن بعض جوانب تحليل دو بوفوار لواقع النساء في منتصف القرن الماضي تبدو اليوم مرتبطة بسياقها التاريخي. فقد ركزت المفكرة بصورة كبيرة على تجربة المرأة الأوروبية، ولم تتناول بما يكفي تقاطعات الجندر مع العرق أو الطبقة أو الاستعمار. وهذا ما دفع ببعض التيارات النسوية المعاصرة إلى إعادة قراءة أعمالها بصورة نقدية.
من بين المفاجآت التي يقدمها الكتاب الجديد مقابلة مطولة مع دو بوفوار لم تنشر قبلاً أجرتها معها الصحافية السويسرية الفرنسية جويل كونتز خلال يونيو (حزيران) 1973 لمصلحة مجلة يسارية، قدمت فيها رؤية مركبة لتجربتها الشخصية والفكرية حول وضع المرأة والنسوية والسياسة، انطلاقاً من خبرتها ومن كتابها “الجنس الآخر”.
في هذا الحوار توضح دو بوفوار أنها لم تكن في شبابها تولي أهمية كبيرة لكونها امرأة، إذ كانت تنظر إلى نفسها كمثقفة تسعى إلى النجاح والتعامل على قدم المساواة مع الرجال. هكذا كانت تناقش موريس ميرلو بونتي من الند إلى الند. لكنها، مع الاقتراب من سن الـ40 وبدء مشروعها في الكتابة عن ذاتها، أدركت أن كونها امرأة ليس أمراً ثانوياً، بل يعد عنصراً حاسماً في تشكيل تجربتها. فكان مشروع “الجنس الآخر”، الذي كشف لها نظرياً وذاتياً البنى العميقة لاضطهاد النساء. وإذ تؤكد أنها كانت محظوظة لأنها لم تعش الأدوار التقليدية التي تثقل كاهل النساء كالزواج والأمومة والعمل المنزلي، مما جعلها “تنجو” جزئياً من القيود الاجتماعية، إلا أنها شددت على أن هذا الامتياز الفردي لا يلغي تضامنها مع باقي النساء، ولا يعفيها من الالتزام بقضيتهن.
الصراع الطبقي

ما يلفت في هذه المقابلة كشف دو بوفوار عن اعتقادها السابق بأن الأوساط اليسارية أو التقدمية خالية من التمييز الجنسي وأن تحقيق الاشتراكية سيؤدي حتماً إلى تحرير النساء. لكن ردود الفعل الغاضبة على كتابها من مفكرين أمثال روجيه نيميه وفرنسوا مورياك وألبير كامو الذي اتهمها بتسخيف صورة الرجل الفرنسي عبرت عن وجود عداء عميق في هذه الأوساط للنسوية، مما يدل على أن الصراع بين الجنسين لا يختزل في الصراع الطبقي، وأن تحقيق الاشتراكية لن يؤدي تلقائياً إلى تحرير النساء. هكذا تعترف ضمن هذه المقابلة أنها أدركت بعد أحداث مايو (أيار) 1968، أن بعض الأفكار عبارة عن أوهام، وأن “صراع الجنسين” قائم بذاته داخل المجتمعات الاشتراكية. لذلك أكدت ضرورة أن تكون المرأة نسوية تحديداً، لا مجرد تقدمية، مشيرة إلى أن اضطهاد النساء لا يتطابق دوماً مع الانتماء الطبقي. فقد تكون المرأة العاملة أكثر اضطهاداً من المرأة البرجوازية، مما يكشف عن العلاقة الشائكة بين النضالين الطبقي والنسوي.
في هذه المقابلة، توضح دو بوفوار أيضاً أن كتابها “الجنس الآخر” كان في البداية عبارة عن دراسة فكرية هادئة وخالية من الشعور بالمرارة أو الدونية، لكنه تحول لاحقاً إلى مرجع نضالي بسبب قوته النقدية في تفكيك الأساطير الذكورية. وتؤكد أن الشيوعيين عارضوا الكتاب بشدة، لاعتبارهم أن قضايا النساء ثانوية مقارنة بالنضال الطبقي، وهو ما ترفضه، إذ ترى أن قضية المرأة تمس جميع الفئات.
تتطرق المقابلة كذلك لفكرة السعادة التي يربطها المجتمع بالاستقرار التقليدي في إطار الزواج وتكوين الأسرة. لكن سيمون دو بوفوار تشدد على أن السعادة قد تكون أيضاً قوة تحررية إذا فهمت كتحقيق للذات وانفتاح على العالم، غير أنها تحذر في الوقت عينه من التمرد الفردي المفتقد للوعي السياسي، كما في نمط حياة الهيبيين، لأنه يبقى محدود الأثر، مؤكدة أن تحرر النساء لا يكتمل دون الانخراط في العمل السياسي
يلفت النظر في هذه المقابلة حديث دو بوفوار عن الأدب ورواياتها التي تنظر إليها كوسيلة تواصل مع الآخرين مرتبطة بالفعل والتأثير في العالم، وحديثها عن علاقتها بجان بول سارتر التي تصفها بأنها قائمة على الحرية والتكافؤ، لكنها تعترف بوجود صعوبات وغيرة أحياناً، مما يكشف عن أن هذه العلاقة لم تكن مثالية تماماً.
تتيح هذه المقابلة إذاً العودة إلى لحظة مفصلية في تاريخ النسوية، حين كانت الحركات النضالية الجماعية في أوج نشاطها السياسي، مقارنة بما نشهده اليوم من صور أكثر فردية أو إعلامية. فقد كانت النسوية خلال النصف الثاني من القرن الماضي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحركات اليسارية الراديكالية وبالنضالات الاجتماعية الكبرى، بينما تبدو اليوم منفصلة عن هذه السياقات، مما يشير إلى تحول في صور النضال النسوي المعاصر.
إن إعادة قراءة نصوص سيمون دو بوفوار اليوم تجري في إطار احتفالي وضمن سياق نقدي. فقد أثارت بعض جوانب حياتها الشخصية ومواقفها السياسية جدلاً واسعاً، وبخاصة في ما يتعلق بعلاقاتها أو مواقفها من بعض القضايا الدولية. لكن هذه الانتقادات لا تقلل من أهمية أعمالها. إنها تذكرنا بأن أي مفكر هو ابن عصره. لذلك كان التعامل مع إرثها يتطلب توازناً بين الاعتراف بإسهاماتها الكبرى وتحليل حدودها. ولعل قوة بوفوار تكمن تحديداً في هذا التوتر وفي تقديمها أدوات تحليلية تساعدنا على تفكيك الخطابات السائدة وكشف تناقضاتها.
ذلك أن دو بوفوار مفكرة تميزت كتاباتها بالدمج بين الفلسفة والأخلاق والتحليل التاريخي الاجتماعي، وهذا بالتحديد ما يجعل فكرها أكثر إثارة للاهتمام. فالقضايا التي طرحتها كالسيطرة على الجسد وتقسيم العمل والعلاقات بين الجنسين لم تحل بعد، بل اتخذت صوراً جديدة، لكن نصوصها تتيح فهماً أعمق لهذه المسائل في عالم يشهد اليوم تحولات سريعة، إذ تتداخل فيه الهويات وتتعقد فيه العلاقات الاجتماعية، ولا تزال فيه المساواة والحرية الفردية والمسؤولية الأخلاقية أهدافاً بعيدة المنال. لذلك، كانت العودة اليوم إلى سيمون دو بوفوارً مناسبة ذكرى رحيلها الـ40 تطرح علينا تحدياً قوامه المحافظة على البعد النقدي لفكرها الذي يدعو دوماً إلى التساؤل، لا إلى الاكتفاء بالإجابات الجاهزة.
مجلة 24 ساعة