
إما أن نستمر فى طريق التدهور، أو أن نغتنم هذه الفرصة الأخيرة لإحداث نهضة تعليمية تليق بمصر فى عصر الذكاء الاصطناعى، ومع تكهنات صفحات التواصل الاجتماعى حول تغيير وزراء التعليم ضمن التغيير الوزارى المنتظر أكمل التأمل فى التعليم الذى عفا عليه الزمن!
فى عالم من الفوضى المعلوماتية نعيشه، عالم جديد بكل ما فيه من حفريّات تكنولوجيّة عميقة بدأت تغيّر من القيم والسّلوك، فهو لا يخلو من وجود حالة فوضى مزدوجة: فوضى فى السماء يجسّدها الحضور المتنامى لأقمار الاتصالات، وفوضى على الأرض تتلوها الفضائيات ويغذّى أطوارها الفضاء اللامتناهى لشبكة الإنترنت. والأخطر فوضى المفاهيم والمصطلحات المتزاحمة مع فيضان من التدنى اللّغوى أدّى إلى تراجع مقاييس الجودة والإبداع. فوضى تشمل المؤتمرات والبحوث العلميّة فى العديد من المؤسّسات، التعليمية والبحثيّة والتدريبيّة العربية، التى بات يحكمها الفاعلون فى المجال السّياسى والإدارى، ممّا حوّل رصيدها الفكرى والبحثى إلى تراث لا يمكن استثماره معرفيّا، ولا يصنع مستقبلًا علميّا، بقدر ما يمثّل استجابة لظروف موسميّة ومؤسّسيّة خصوصيّة. يتطلب التعليم فى ظل «فوضى المعلومات» الحالية – التى تتسم بالانتشار السريع للمعلومات المضللة، والمحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعى، ووفرة البيانات – تحولًا من تدريس الحقائق الثابتة إلى تعزيز التفكير النقدى، والمعرفة الرقمية، والمرونة النفسية. إن نموذج التوحيد القياسى التقليدى الذى ساد فى العصر الصناعى غير كافٍ، مما يستدعى التحول نحو بيئات تعليمية شخصية، مدعومة بالذكاء الاصطناعى، ومتمحورة حول الإنسان.
فى مقالة بعنوان «انطلاق عصر الذكاء الاصطناعى»، نشرها بيل جيتس توقع أن تصبح تقنيات الذكاء الاصطناعى الأداة المحورية فى التعليم، مما سيؤدى إلى تحول جذرى فى طرق التدريس وأساليب التعلم. وأوضح جيتس أن هذه التقنيات ستتمكن من التعرف على اهتمامات المتعلم وأساليبه الشخصية فى التعلم، مما يتيح لها تصميم محتوى مخصص له يحافظ على تفاعل عقله ونشاطه. كما أشار إلى أن هذه التقنيات ستقيس بشكل مستمر مستوى فهم المتعلم، وستراقب علامات فقدان الاهتمام أو التركيز عليه، إضافة إلى أنها ستتعرف على أنواع التحفيز التى يتجاوب معها كل فرد بشكل أفضل، وتقدم له تعليقات فورية وإرشادات مباشرة حول أدائه.
لنأخذ، على سبيل المثال، أحد أبرز التحديات التى تواجه التعليم: التباين فى الفصول الدراسية. يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعى أن تراعى هذا التباين وتُخصّص التعليم لكل طالب على حدة، وتُقدّم تغذية راجعة مُوجّهة، وتُتيح فرصًا تدريبية مُتنوّعة. مع ذلك، ولتحقيق إمكانات التخصيص الكامل، لا بدّ من وضع شروط واضحة. من بين الشروط المُوصى بها بشدة: الاتفاق على أهداف التعلّم، وتوفير منصات آمنة لتطبيق الذكاء الاصطناعى بمسؤولية، وخوارزميات ذكاء اصطناعى تعكس رؤى راسخة حول التعلّم والتعليم، ومعلمين مُحترفين يتخذون قرارات تعليمية مُناسبة بناءً على البيانات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعى، ومتعلّمين مُستعدّين جيدًا وقادرين على تنظيم أنفسهم.
مجلة 24 ساعة