الحياة خيارات، فالحياة تفتح لك أبوابها لكل الخيارات عند إنتهاء مراحل الدراسة، البعض يستسلم للإتجاه السائد في المجتمع في نفس الطريق الذي يسير فيه أغلب الناس للبحث عن وظيفة فيتحولون الى نسخة أخري من أشخاص سبقوهم دون أن يحققوا أحلامهم، وآخرون يبحثون عن أحلامهم ومستعدون للقيام بأي شئ لتحقيقها بإرادة صادقة وقوة خفية تدفعهم دفعاً للأمام علي طريق النجاح .
بعد إنتهاء دراستي للفنون الجميلة ومع ما آثرني به أساتذتي من أفكار وأساليب حياة ، فتأثرت بأساتذتي حسين بيكار الفنان المرهف الذي كرس حياته للوصول بفنه لكل الناس من خلال الفن الصحفي ليقترب به من العمل الفني، فكان معطاءً ومعلماً، وأستاذي للحفر الفنان كمال أمين الذي كان يقضي أشهر الصيف في أحد مصانع السويد مصمماً لقطع فنية من أدوات المائدة، مؤمنا بأن الفن الحقيقي لابد أن يصل لكل الناس بالبحث عن صورة أجمل ووسيلة أكمل، فالفن الأصيل يأخذ من البيئة والواقع مادته ويعيد صياغتها بشكل فني جديد فيتفاعل مع الناس فيجمل حياتهم ويرقق مشاعرهم.
إخترت الإخراج الصحفي مهنة ايماناً بأهمية الفن في إشباع حاجات الإنسان الجمالية وخروجه للناس برؤية بصرية محسوسة، فهو دينامو الجريدة ومحرك أقسامها ليعطي الصحيفة هوية واضحة تميزها عن باقي الصحف، و هو فن عرض المادة التحريرية القائم علي حسن إختيار العناصر الطباعية، يحقق الجمال والمتعة و يقدم المادة الي القارئ بصورة جميلة شيقة تيسْر القراءة.
وهذا ماذهب إليه أستاذي بالجامعة الاميركية وجامعة القاهرة د. احمد حسين الصاوي ” أن إخراج الصحف أصبح فناً له أصوله وقواعده وله فلسفته ومذاهبه ويعتمد كسائر الفنون علي أسس علمية مدروسة، كفن العمارة مثلاً بحيث أصبح إخراج الصحف الحديثة يستهدف الناحيتين الجمالية والإنتفاعية معاً “.
كان هناك مدرستين للإخراج الصحفي، مدرسة الأهرام التقليدية في إخراجها التي طورها الأستاذ محمد حسنين هيكل مستعيناً بالرعيل الأول من خريجي الصحافة الذين تخصصوا في “الإخراج الصحفي” تحت إشراف رئيس قسم سكرتارية التحرير الفنية توفيق بحري ومعه ماهر الدهبي وسمير صبحي وغيرهم، وإستمرت الأهرام في إختيار مصممي صفحاتها من خريجي قسم صحافة معتبرة إنه عمل صحفي بحت وليس عملا فنيا؛ ومدرسة روزاليوسف التي تؤمن بأن الإخراج الصحفي هو عمل فني بإحساس صحفي، و أسس مدرسته الجديدة في الإخراج الصحفي الفنان عبد الغني أبوالعينين في الخمسينيات، و وضع قواعده وأصبح من يعمل فيه من خريجي كلية الفنون الجميلة. وبالطبع كان إختياري لروز اليوسف التي شغفت بها.
توجهت لمؤسسة روزاليوسف بشارع القصر العيني حاملًا أوراقي ورسومي للفنان جمال كامل الذي رحب بي وإحتضني، مقدماً طلب تعييني كمشرف فني للأستاذ إحسان عبد القدوس الذي وقع عليه محدداً راتب قدره 25 جنيهاً مصرياً. قرار التعيين جاء في وقت صعب وحساس في الأيام الأخيرة قبل أن يصدر قرار بتخفيض درجة الأستاذ إحسان الوظيفية كرئيس لمجلس إدارة روز اليوسف والمسئول عن كل شئونها الإدارية والمالية والصحفية الى درجة رئيس تحرير، و ذلك بعد أن نجحت مراكز القوي ممن تولوا مناصب قيادية لإدارة مؤسسات الدولة في إتخاذ قرار التخفيض ومحاولة التخلص منه.
إنعكس هذا علي قرار تعييني الذي وقعه الأستاذ ، حين قدمت أوراقي لمدير المستخدمين علي عنتر، الذي نظر للقرار ساخرًا و معلقًا ومتسائلًا ” آنت مش خريج جامعة ؟ القانون حدد راتب 17 جنيهًا لخريجي الجامعة ” ضاربا عرض الحائط بقرار رئيس وصاحب المؤسسة السابق الذي أممت مؤسسته عام 1960 وكان رئيس مجلس الإدارة الوحيد الذي تم تعيينه من أصحاب الصحف التي دخلت في قرار التأميم .
خفف عن نفسي قرار تخفيض راتبي ما واجهه الأستاذ إحسان بشراسة و وحشية بسبب قرار تخفيض درجته الوظيفية و قد إستسلم لقدره بشجاعة ونبل، وهو صاحب الكلمة الجميلة والجملة الرشيقة والفكرة الجديدة وله شعبيته الكبيرة، فقد ذكر الصحفي الكبير مصطفي أمين “أن الرئيس عبد الناصر أخذنا معه إلي الخرطوم عام 1960 وإذ بالجماهير الغفيرة تهتف لإحسان أضعاف ماكانت تهتف للزعماء والوزراء والكتاب”.
لم يكن تخفيض راتبي الشئ الوحيد الذي صدمني بل أيضاً أيضا إستقبال والدي لخبر تعييني بغضب لأني عملت في مؤسسة شيوعية، فكان يفضل أن أعمل معه في جريدة الأهرام، وكان أعداء إحسان ومراكز القوي قد روجوا في هذه الفترة بأنه حول مجلة روز اليوسف الي خلية شيوعية في محاولة منهم للقضاء عليه والتخلص منه.
لم أشعر بالغربة بعد أن تركت كلية الفنون الجميلة وإلتحقت بروزاليوسف، فهناك تشابه بين أستاذي حسين بيكار والفنان جمال كامل، فكلاهما عالم من الحب والود والطيبة والجمال والمثالية، عالم من الأخلاق والإنسانية والتواضع، كلاهما تميز في فن البورترية، وتتلمذا علي يد الفنان الكبير أحمد صبري رائد فن البورترية والذي إعتبراه رسما ًوتلخيصا لحياة إنسان علي سطح اللوحة، و أضافا إلي البورترية شيئا من سكينة روحهما ووداعتها، كلاهما آمن بأن غلاف المجلة واجهة وفاترينة جميلة للمجلة، كلاهما رسما لوحة الأسبوع ، بيكار من بلاد النوبة التي عشقها وجمال كامل لوحته الأسبوعية التي تعبر عن معني سياسي أو اجتماعي عبر شخصيات ساخرة.
تعايشت مع إيهاب شاكر وجيله التليفزيونجي وأمنيته أن يسافر الي أفريقيا وسعادته عندما أتيحت له الفرصة لجولة هناك مع مفيد فوزي ، وإستعداده للسفر إلي فرنسا علي نفقته الخاصة مع عائلته لدراسة فنون الرسوم المتحركة التي عشقها، وكفاح زوجته الجميلة سميرة شفيق لتحقيق حلمه وحضورها كل عام للقاهرة عن طريق البحر لشراء خزين البيت من مأكولات وملابس لعائلتها طوال العام، فالأسعار في أوروبا مرتفعة والميزانية لاتسمح .
حجازي المبكر دائماً في الحضور، ففي السابعة صباحاً يتناول فنجان القهوة ليبدأ في الرسم في صمت. لايتحدث مع أحد فلا أحد يعرف عن حياته الخاصة شيئا، و ينتهي من عمله في منتصف النهار متوجها لمنزله في منطقة المنيل الذي لا يستقبل فيه أحدا، ولانعرف عنه شيئا لليوم التالي.
ناجي كامل الفنان الوحيد المتواجد طول اليوم بالمؤسسة يعزف المواويل علي الفلوت والناي قبل أن ينطلق في الرسم.
صلاح الليثي أكبرنا سنا، متصوفاً في أصغر غرفة زاده القهوة والسجائر ليخرج لنا بأحلي الرسوم والكاريكاتير اللاذع الذي كان يصادر الرقيب نصفه معظم الوقت.
رسام الكاريكتير رءوف عياد القادم من السودان والذي تولي مهمة تعريفي وتقديمي لكل الزملاء.
جو من الالفة كان يحكم هذا المبني فلم أشعر بأي غربة، فالجميع أخوة يسعون جميعاً لنجاح العمل، حتي القائمين علي راحتنا بدءا من عم عوف المسئول عن الإتصالات التليفونية وكاتم أسرار كل العاملين، وعم حسين عبد الحليل وراضي وابراهيم ومحمد السعاة بالمؤسسة وعم سيد مسئول البوفيه الذي يملأ بطوننا بكل ماطاب من “سندوتشات التونة” الي “شوربة العدس “.
بدأت عملي في روزاليوسف كمساعد للأستاذ والمعلم عدلي فهيم المشرف الفني للمجلة، أتعلم منه وأتحمل مسئولية تنفيذ صفحات المجلة وإعداد رسوم الموضوعات والكاريكاتير من عمالقة الفن الصحفي جمال كامل، محمد حاكم، زهدي، جورج البهجوري، ايهاب شاكر، حجازي، ناجي كامل، صلاح الليثي، ورجائي ونيس الذي تركنا مبكراً راحلاً لعاصمة النور باريس واليابان و مستقرًا في أستراليا ليحقق أحلامه للعالمية، وإعداد خطوط عناوين المادة الصحفية والإخبارية بقلم الخطاط أبو شنب ومساعده محمد حمزة الذي أصبح فيما بعد من أشهر مؤلفي وكتاب الأغاني، والسهر علي تنفيذ صفحات المجلة بقسم الجمع بالرصاص وتصوير وصناعة الآكليشيهات والتوضيب بتقنية “التيبو”، وعرض بروفات المجلة قبل الطباعة علي رقيب المجلة ا. عبدالرحمن الجنايني المنتدب من الهيئة العامة للإستعلامات لرقابة المواد الصحفية ورسوم الكاريكتير وحذف مالايراه مناسباً لسياسة الدولة ضمن قانون تنظيم الصحافة. ورغم أني نجحت في إكتساب ثقة الرقيب فلم يكن يراجع معظم البروفات و أحياناً يوقع عليها دون قراءتها لثقته بي، فقد كنت حريصا علي المؤسسة والحفاظ علي هذه الثقة وخاصة بعدما قامت السلطة السياسية ببعض الممارسات ضد الصحافة والصحفيين، كان أبرزها نقل بعض الصحفيين من مؤسساتهم الصحفية إلي مؤسسات القطاع العام ومنهم من إنتقل للعمل في الجمعيات التعاونية.
علاقتي العملية بالأستاذ إحسان عبد القدوس كانت قصيرة وبدأت في الوقت الذي كان يكتب فيه روايته الشهيرة ” أنف وثلاث عيون ” …… سأحكيها في مقال آخر .
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة