الرئيسية / صحافة ورأي / شراكة بين العام والخاص لابتكار فئة أصول جديدة قابلة للاستثمار

شراكة بين العام والخاص لابتكار فئة أصول جديدة قابلة للاستثمار

كولي سبينك
كولي سبينك
الرئيس المشارك لمنطقة الشرق الأوسط والمسؤول عن المملكة العربية السعودية في شركة ألفاريز ومارسال

 

لطالما ارتبطت الشراكات بين القطاعين العام والخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمشاريع البنية التحتية الضخمة، خصوصاً في قطاعي الكهرباء والمرافق.  وتُعد هذه الشراكات آلية معتمدة ومفهومة في مجال المشتريات تهدف إلى تنفيذ وتسليم المشاريع من خلال مشاركة القطاع الخاص، حيث يستفيد القطاع العام من أصول وخبرات شريكه في القطاع الخاص لتنفيذ جوانب متعددة من المشروع، والتي تشمل التمويل والتصميم والإنشاء والتشغيل والصيانة، وذلك بموجب عقود طويلة الأجل. أما بالنسبة لخارج القطاعات الكبرى كالكهرباء والمياه، التي تلتزم فيها الحكومة بشراء المنتج النهائي، فاتسم سجل تطبيق هذه الشراكات بالتفاوت في النتائج.
إلا أن الأولويات تشهد اليوم تحوّلاً لمواكبة الفجوات المتزايدة في البنية التحتية في ظل النمو السكاني والعمراني المتسارع، حيث تسعى الحكومات إلى إبرام شراكات توفر القدرات الفنية والمالية على حدّ سواء، من أجل تحقيق تحسينات ملموسة والارتقاء بجودة الحياة في قطاعات التعليم والرعاية الصحية ووسائل النقل والخدمات الأساسية.
كما ترتكز فرضية الشراكات بين القطاعين العام والخاص على تحقيق قيمة أفضل مقابل الإنفاق، ونقل المخاطر إلى القطاع الخاص، وتقليص الحاجة إلى التمويل الحكومي.
وتُقدّر قيمة الشراكات بين القطاعين العام والخاص المخطط لها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأكثر من 400 مليار دولار، ويكمن التحدي الرئيسي في ضمان أن يشمل هذا العدد الكبير من الصفقات المحتملة مشاريع شراكة قابلة للاستثمار وقابلة للتمويل المصرفي، بما يتيح للقطاع الخاص فرصاً متجددة ومتواصلة.

هيكلة لتحقيق النجاح

يتعين أن تتوافق مشاريع الشراكات بين القطاعين العام والخاص مع اهتمامات المستثمرين وتوجّهاتهم. وسيسعى القطاع الخاص إلى التحقّق من توافر الموافقات اللازمة للمشاريع وضمان عدم إلغائها. بمعنى آخر، المطلوب من الحكومات إبداء التزام واضح خاصة مع ما نشهده من حالات متكررة يتم فيها إلغاء صفقات المشتريات في مراحل متقدّمة.
كما ينبغي أن يكون هناك شريك حكومي يتمتّع بالكفاءة والصلاحيات اللازمة، مع اعتماد توزيع متوازن للمخاطر بين القطاعين العام والخاص لدعم الهيكل التجاري القائم بينهما. وسيُتيح ذلك الحصول على قروض مصرفية طويلة الأجل ودعم من صناديق الاستثمار المباشر لهذه المشاريع وعقودها، متى ما كان المموّلون قادرين على تقبّل المخاطر وتسعيرها.

التنفيذ على نطاق واسع

ينبغي للحكومات أن تسعى إلى تنفيذ برنامج متكامل من مشاريع الشراكات بين القطاعين العام والخاص القائمة على تحقيق أفضل قيمة مقابل الإنفاق بدلاً من الاكتفاء بمشاريع فردية أو مشاريع معقّدة، والتي غالباً ما تواجه تأخيرات كبيرة خلال مرحلة الإعداد.

إن اعتماد نماذج متكررة للأصول والخدمات كفيل باستقطاب اهتمام السوق، بعكس المشاريع المنفردة التي يصعب على الممولين تسعيرها.

في المملكة العربية السعودية، وفّر مشروع المرحلة الأولى من الشراكة بين القطاعين العام والخاص للمدارس 60 منشأة تعليمية في جدة ومكة المكرّمة، يستفيد من خدماتها أكثر من 50 ألف طالب، بينما في مصر تعمل «الوحدة المركزية للشراكة بين القطاعين العام والخاص» على تطوير 9 مستشفيات ضمن خطة مشاريعها القادمة. وتسلّط المبادرتان الضوء على دور الشراكات بين القطاعين العام والخاص في تعزيز الوصول إلى الخدمات مع ضمان معايير ثابتة للتشغيل والصيانة.

توظيف الذكاء الاصطناعي والاستدامة في الخدمات العامة

يشغل الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في الارتقاء بمستوى الخدمات العامة، حيث يوفر خدمات متعددة تشمل التشخيص الطبي التنبؤي وإدارة حركة المرور الفورية، كما يساعد على تمكين الحكومات من هيكلة عقود الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتحقيق نتائج ملموسة مثل تقليل أوقات الانتظار، وتعزيز سرعة الاستجابة، ورفع مستوى رضا السكان.
تُعيد الاستدامة صياغة مفاهيم الاستثمار، إذ إنه من المخطط أن يقوم مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، الذي طُوِّر بموجب نموذج المنتج المستقل للطاقة، بتوفير 5,000 ميغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 بتكلفة 50 مليار درهم إماراتي. بالإضافة إلى ذلك، يستعرض مشروع تحلية المياه في حصيان، والذي من المخطط أن تبلغ طاقته الإنتاجية 180 مليون غالون يومياً، إمكانية توافق الأهداف المناخية مع الانضباط المالي.

بناء منظومة حاضنة للشراكات بين القطاعين العام والخاص

لتحقيق النجاح، يتعين أن تتطوّر هذه الشراكات بحيث تشمل وجود إطار قانوني داعم لها، وكذلك عقود موحدة، إلى جانب التخطيط الاستراتيجي وتحديد أولويات المشاريع، فضلاً عن الالتزام باعتماد الشراكات بين القطاعين العام والخاص كآلية مشروعة للمشتريات، إضافة إلى توافر أسواق التمويل الخاص بشقَّيها: الدين وحقوق الملكية.
تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحوّلاً من مرحلة تمويل الأصول إلى اعتماد نهج قائم على التعاقد لتحقيق نتائج ملموسة ترتقي بمستوى حياة الأفراد. ومن خلال هيكلة المشاريع بصورة ذكية ومتقنة، يمكن الاستفادة من خبرات القطاع الخاص في التنفيذ وإدارة عمليات التشغيل والصيانة بما يعزّز الأداء ويرتقي بالجودة، مع الاستفادة في الوقت ذاته من رؤوس الأموال الخاصة لتخفيف العبء على الموازنات الحكومية.
ومع مرور الوقت، وإبرام عدد أكبر من الصفقات في مشاريع البنية التحتية الجديدة، وانطلاق عمليات التأسيس، وتخفيف مستويات المخاطر وصولاً إلى مرحلة التشغيل المستقر، يُتوقّع أن يشهد السوق الثانوي نشاطاً أكثر حيوية في مجالات الاندماج والاستحواذ والمعاملات، مع ترسيخ البنية التحتية كفئة أصول استثمارية قائمة بذاتها.
وعند تحقيق ذلك بالشكل الصحيح، ستكون هذه هي منهجية الشراكات التي ستُحدد ملامح المرحلة المقبلة من مسيرة التنمية في المنطقة، غير أنّ النجاح يتطلّب اتباع نهج برامجي متكامل لمشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإرساء بيئة حاضنة لهذه الشراكات تهيّئ لنجاحها، وتوازن بين مصالح الأطراف في القطاعين العام والخاص.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية
كولي سبينك هو مدير إداري ورئيس مشترك لمنطقة الشرق الأوسط في قسم أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا (EMEA) لشركة ألفاريز ومارسال في لندن، وهو مسؤول أيضاً عن مبادرات النمو الاستراتيجي عبر منطقة EMEA.

يمتلك السيد سبينك خبرة واسعة في مساعدة الشركات على تحقيق قيمة المساهمين من خلال المعاملات والنمو والتحول وإعادة الهيكلة. لقد كان له دور أساسي في توسيع خدمات الاستشارات المتميزة التي تقدمها A&M إلى مجال الأسهم الخاصة.

وبمشاركة مصباح الدين، المدير العام للبنية التحتية والمشاريع الرأسمالية في شركة ألفاريز ومارسال، المدير الإداري في شركة ألفاريز ومارسال للمشاريع والبنية التحتية في لندن والمتخصص في استراتيجيات البنية التحتية والاستشارات المالية، حيث يركز على إعداد المشاريع وهيكلتها والحوكمة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، والمراجعات المستقلة. مع أكثر من 22 عاماً من الخبرة في تقديم المشورة للقطاعين العام والخاص بشأن جدوى المشاريع والمشتريات والمعاملات. عمل السيد الدين مع عملاء عبر دورة حياة مشاريع رأس المال وصفقات البنية التحتية، سواء على الصعيد العالمي أو عبر جميع قطاعات البنية التحتية.

شاهد أيضاً

زينب السجيني جعلت من الأمومة أسطورة تشكيلية

خلال مسيرتها الحافلة، نجحت زينب السجيني في تثبيت مجموعة من العلامات الدالة على طبيعة عالمها، …