الرئيسية / صحافة ورأي / المحتوى العربي.. كنز رقمي ينتظر من يكتشفه 1

المحتوى العربي.. كنز رقمي ينتظر من يكتشفه 1

منار قدري
منار قدري
خبيرة المحتوى التسويقي ومحاضر دولي معتمد من الهيئة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا ASIT

 

رغم أن أكثر من 420 مليون إنسان حول العالم يتحدثون اللغة العربية، فإن المحتوى العربي لا يشكل سوى أقل من 5% من إجمالي المحتوى الرقمي العالمي، هذه الفجوة ليست مجرد إحصائية عابرة، بل جرس إنذار يدعونا جميعاً للتأمل، وفي الوقت ذاته تفتح الباب على مصراعيه أمام فرصة ذهبية لكل من يؤمن أن الكلمة قادرة على بناء حضارة وتُسهم بقوة في تشكيل الوعي.
ومن هذه المنصة الإعلامية الموقرة، لا أكتب من زاوية صحفية، بل من منظور تحليلي ورؤية مؤمنة بأن المحتوى العربي يستحق أن يتصدر المشهد ولديه ما يكفي من المقومات التي تضمن له مستقبلاً رقمياً أكثر قوة وتأثيراً.
في السطور القادمة، سنستعرض معاً المشهد الاستثماري لصناعة المحتوى العربي: من حجم الأموال التي تُضخ لتطويره وإنتاجه، إلى أبرز القطاعات التي تجذب رؤوس الأموال، وصولاً إلى كيفية تمكين صُنّاع المحتوى من طرق أبواب المستثمرين بخطط عملية ومشروعات قابلة للنمو.

السوق العربي سوق واعد ينتظر الجرأة من صُناع المحتوى العربي

في خطوة اعتبرها كثيرون غير متوقعة، أعلنت مجموعة MBC Group عن شراكة استراتيجية تجمع منصتها «شاهد» مع عملاق البث العالمي «نتفليكس» هذه الخطوة ليست مجرد تعاون تقني، بل مؤشر واضح على أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أصبحت اليوم في قلب خريطة الاستثمار الإعلامي والرقمي عالمياً، وكذلك تؤكد هذه الشراكة حجم الطلب المتزايد على المحتوى الأصيل والمُلهم بلغتنا الأم، لكن حتى اليوم معظم ما يُقدّم بالعربية إما مترجم ترجمة حرفية أو منسوخ بلا هوية، في حين أن الجمهور الحقيقي يشتاق أن يرى نفسه في كل قصة تُقدم له.
فالمليارات التي تُضخ في هذا السوق مرشحة لتجاوز إلى ما يُقارب 780 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 20%، وتُشير هذه الأرقام إلى أن المنطقة باتت ساحة استثمارية ضخمة للمحتوى الإبداعي، والتكنولوجيا والتعليم الرقمي، وتوفّر أرضاً خصبة لروّاد الأعمال ومُنتجي المحتوى العرب إذا امتلكوا الجرأة على دخول هذا السباق.

إذاً أين تتدفق استثمارات المليارات حسب القطاعات الأكثر جذباً في صناعة المحتوى العربي؟

من البديهي أن وجود الفرصة وحده لا يكفي، بل لا بد من معرفة الطريق إليها، وهنا يبرز السؤال الأهم: ما هي أنواع المحتوى التي تجذب رؤوس الأموال اليوم؟ استناداً إلى أحدث تقارير تقييم الأداء الصادرة مؤخراً، سنسلط الضوء على أبرز هذه القطاعات، مرتبة بحسب حجم العوائد وفرص النمو.

1- محتوى الفيديو على CTV: الفرصة الذهبية أمام صُنّاع المحتوى العرب

الذي يُعرف باسم التلفزيون المتصل واليوتيوب، سبب جذب كبير بفضل وقت المحتوى الطويل الذي يعني للمستثمر مساحة جيدة لوجود رعاة وفرص إعلانات أعلى.
هنا تكمن الفرصة في إنتاج محتوى عربي جذاب وإنشاء ستوديوهات صغيرة متخصصة في إنتاج الأفلام القصيرة، وتجهيز مكتبات محتوى مرخصة.
تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحولاً رقمياً جذرياً في مشاهدات الفيديو، لا سيما عبر شاشات التلفزيون المتصل (Connected TV – CTV، إذ وصل عدد المشاهدين على YouTube عبر هذه الشاشات إلى:
•12 مليون شخص في السعودية
•2.5 مليون في الإمارات
•600 ألف في قطر خلال مايو 2024 وحده
هذا الانتشار الكبير يجعل المحتوى الطويل عبر CTV بيئة مثالية لاستقطاب الإعلانات والرعاة، بسبب:
• وقت مشاهدة ممتد يعزز من قابلية monetization عبر الإعلانات التضامنية (Pause Ads & QR Codes)
• أيضاً تحوّل في سلوك المشاهدة من الموبايل إلى التجربة الجماعية المشتركة على الشاشة الكبيرة، خاصة خلال المناسبات مثل رمضان.
أما في مصر فمتوقع أن تستحوذ إعلانات التلفزيون المتصل (Connected TV) على 4.46 مليون دولار، مع نمط نمو سنوي مركب يُقدّر بنحو 3.68% حتى عام 2029.
هذا يوضح بجلاء أن هناك قطاعاً ناشئاً يحظى بموارد متزايدة، ويشير إلى أن الاستثمار في محتوى موجه لـCTV سيكون له مردود فعلي.

2- الذكاء الاصطناعي لخدمة المحتوى العربي وأدواته

مع اقتراب موعد إطلاق «عَلّام»، أول نموذج أساسي للذكاء الاصطناعي مطوَّر بالكامل في المملكة العربية السعودية على يد شركة HUMAIN التابعة لصندوق الاستثمارات العامة (PIF)، تبرز نقلة نوعية في صناعة التقنية العربية، حيث يتمتع «عَلّام» بقدرات متقدمة لفهم وإتقان مختلف اللهجات العربية، مع أنظمة حماية ذكية تمنع إنتاج مخرجات مخالفة للأعراف والقيم الثقافية، هذه الخطوة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي العربي لم يعد فكرة مستقبلية، بل أصبح واقعاً عملياً يرفع كفاءة صناعة المحتوى ويقلل التكاليف ويفتح مسارات جديدة للنمو والاستثمار.
أمثلة على الفرص الاستثمارية هنا:
الفرص الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي للمحتوى العربي باتت أكثر وضوحاً اليوم، مع بروز ثلاثة مسارات رئيسية قادرة على جذب اهتمام المستثمرين.
• يأتي المسار الأول عبر منصات SaaS لتحرير الفيديو آلياً بالعربية، مثل أدوات التفريغ التلقائي للكلام من الفيديو وإضافة الترجمات أو الملخصات، وهو ما يوفر وقتاً وجهداً هائلاً لقنوات اليوتيوب والبودكاست في إنتاج نسخ مكتوبة أو مترجمة بجودة وسرعة.
• والمسار الثاني من خلال أدوات تحليل المحتوى، وهي برمجيات متطورة تقيس بدقة الأجزاء الأكثر جذباً للمشاهد، أو اللحظات التي دفعت الجمهور لترك الفيديو، ما يمنح صناع المحتوى خريطة واضحة لتحسين إنتاجاتهم القادمة.
• أما المسار الثالث فيكمن في النماذج الصوتية للهجات العربية، التي تحول النصوص المكتوبة باللهجات المحلية (مثل المصرية أو الخليجية) إلى أصوات طبيعية آلية تصلح للإعلانات أو التعليم، ما يفتح أسواقاً جديدة دون الحاجة لمعلق صوتي لكل لهجة، ويوفر للشركات فرصاً استثمارية واسعة في مجال الإعلام والإعلانات الرقمية والتعليم الإلكتروني.
إذا نظرنا للأمر بلغة الأرقام فسنجد أن هذا المجال يشعل إبداع صانع المحتوى ويثير حماس المستثمر.
أصبح الذكاء الاصطناعي مُسرّع إنتاج فعلياً للمحتوى العربي، قادر على تمكين المبدعين من إنجاز أعمالهم بسرعة أكبر وبجودة أعلى، مع خفض التكاليف بشكل ملحوظ، والأهم أنه يفتح آفاقاً غير محدودة للوصول إلى جمهور أوسع عبر قنوات متعددة، وحتى الآن لا يعتبر بديلاً عن الإبداع البشري، بل أداة تعزز قدرته وتضاعف إنتاجيته.
لذلك نرى أن نمو حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بلغ 11.92 مليار دولار عام 2023، ومن المتوقع أن يقفز إلى 166.33 مليار دولار بحلول 2030، بنمو سنوي مركب يبلغ 44.8% بحسب جراند فيو ريسيرش.
• وفي الإمارات وحدها، قُدّر حجم سوق الذكاء الاصطناعي عام 2023 بـ3.47 مليار دولار، ويتوقع أن يرتفع إلى 46.33 مليار دولار بحلول 2030.
• إذن السوق ينمو، والدليل قد أعلنت شركة Tarjama المتخصصة في حلول اللغة العربية جمعت 15 مليون دولار في جولة تمويل Series A خلال مايو 2025، لدفع أدوات الذكاء الاصطناعي العربي Enterprise-grade إلى أسواق الشرق الأوسط.

3- الرسوم المتحركة والمحتوى للأطفال (Animation & Kids Content)

رغم الطفرة الرقمية الهائلة، لا يزال المحتوى العربي يواجه فجوة ضخمة أمام الطلب المتزايد على أعمال تحمل الهوية العربية وتعكس القيم المجتمعية، هذه الفجوة تمثل فرصة استثمارية واعدة، خصوصاً في مجالات إنشاء ستوديوهات أنيمي عربية وتوقيع شراكات ترخيص مع المنصات التعليمية، حيث ينتظر السوق إنتاجاً عربياً أصيلاً قادراً على المنافسة إقليمياً وعالمياً.
كما تشير التوقعات إلى أن سوق الرسوم المتحركة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا سيصل حجمه إلى نحو 8.76 مليار دولار بين عامي 2025 و2030، مدفوعاً بالطلب المتنامي من المنصات العالمية والإقليمية مثل Netflix -Shahid -OSN التي تضخ استثمارات متزايدة في إنتاج محتوى أصلي محلي يلبي ذوق الجمهور العربي ويرسّخ حضوره عالمياً.
في السعودية تحديداً، سجّل سوق الرسوم المتحركة حجماً يقدّر بنحو 3.73 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى ما يقارب 4.79 مليار دولاربحلول عام 2032، وذلك بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 2.66%، هذه الأرقام تعكس اتساع شهية السوق المحلي للمحتوى المرئي المبتكر، وتؤكد أن صناعة التحريك باتت رافداً واعداً للاقتصاد الإبداعي في المملكة.

4– الاستثمار في المحتوى التعليمي العربي – EduTech وفرص النمو التي تنتظره

١- حجم السوق والتوقعات المستقبلية
• الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سوق التعليم الإلكتروني في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كان يُقدَّر بـ13.6 مليار دولار عام 2022، ويتوقع أن يقفز إلى 35.8 مليار دولار بحلول 2030 بنمو سنوي مركب يبلغ 12.8% طبقاً لما جاء في The Insight Partners
• في مصر تحديدًا، سوق التعليم الإلكتروني بلغ 874.98 مليون دولار في 2024، مع توقعات بأن يصل إلى 2.38 مليار دولار بحلول 2033 بمعدل نمو سنوي 11.8%.
هنا سنستعرض أمثلة لشركات ناشئة عربية واستثمارات فعلية حسب ما جاء في تقرير EdTechReview
• أبواب الأردن منصة تعليمية للتعليم الثانوي، جمعت 27.5 مليون دولار في جولات تمويل حتى الآن حسب ما جاء في
• منصة المنتور الإماراتية تقدم كورسات من خلال فيديو مسجل لخبراء في مجالات عديدة، جمعت 6.5 مليون دولار ضمن جولة Series B لتوسيع انتشارها.
• أوركاس مصر تطبيق لتعليم الأطفال عبر الإنترنت، حصل على 2.1 مليون دولار تمويل أولي.
• آدم ومشمش الأردن كرتون تعليمي للأطفال، جمع 475.000 دولار في جولة Seed.
٣-الاستثمار الحكومي والمبادرات الوطنية
• خصّصت السعودية 3 مليارات دولار في إطار رؤية 2030 لتعزيز التعليم الرقمي.
• كما خصّصت الإمارات أكثر من 200 مليون دولار لتطوير التعليم الرقمي ضمن استراتيجيتها الوطنية.
ومن خلال هذا التحليل أتمنى أن أرى قريباً كورسات لمدربين مصريين وعرب على منصات عالمية مثل LinkedIn Learning وCoursera، حتى نُصدّر المعرفة العربية بالقوة نفسها التي نستورد بها المحتوى الأجنبي.
كما أتمنى أن تتبنى الشركات العربية الحاصلة على توكيلات أجنبية ببيع منتجاتها، سياسة واضحة لاستثمار نسبة من ميزانياتها في إنتاج محتوى عربي احترافي وجذاب يشمل إعلانات الفيديو والموقع الإلكتروني وغيرها من مواد الدعاية.

5– سوق البودكاست العربي.. يتجه نحو الازدهار

استطاع سوق البودكاست في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحقيق إيرادات تُقدر بـ1.38 مليار دولار في 2024، مع توقعات بارتفاعها إلى 7.99 مليار دولار بحلول 2030 بنمو سنوي مركب يبلغ 34%، وتؤكد هذه الأرقام أن سوق البودكاست العربي يعتبر سوقاً واعداً للاستثمار بربحية حقيقية.
أمثلة على نجاحات حقيقية في البودكاست العربي
أثبت بودكاست «المال الحلال» و«فنجان» و«سوالف بزنس» أن المحتوى العربي القوي يجد جمهوره، خاصة حين يُدعم برؤى احترافية وإنتاجية. وجميع المصادر تؤكد أن السوق الرقمي العربي في البودكاست يشهد طفرة حقيقية في الإيرادات والمستمعين، لذلك أرى أن هذه لحظة الفرصة لكل مستثمر وصانع محتوى أن يكون جزءاً من اقتناص الفرصة وتصعيد المحتوى العربي إلى الصدارة.
ولنا عودة في الجزء الثاني من المقال لتتعرف على أين أجد هؤلاء المستثمرين وكيف يمكن إقناعهم، وما هي مقاييس الأداء التي تجعل مشروعك يحظى بفرصة الاختيار.

شاهد أيضاً

الممثلة عندما تخرج من سجنها وتلبس خلخالها

زينة دكاش تقدم صورة الابنة والاخت في مواجهة مشكلات الحياة برفقة كريم شبلي كاتيا الطويل …