
باحث وكاتب
إنه السؤال الأساس
سؤال كالديرون كان أساسياً ومقلقاً: هل نحن نعيش الواقع أو أننا نعيش الحلم؟ أين الحياة في حقيقتها وأين الحلم؟ بالنسبة إليه كان لا بد له من أن يتوصل يوماً إلى الاستنتاج بأن الحياة البشرية ما هي سوى حلم، بمعنى أن كل شيء في هذه الحياة الدنيا ليس أكثر من وهم، وإن الثابت المؤكد الوحيد إنما هو “سراب أحاسيسنا وأفكارنا حين تدين بوجودها إلى إدراكنا الحسي لها لا أكثر”. والحال أن كالديرون، أكبر كتاب العصر الذهبي الإسباني بعد لوبي دي فيغا، وأكثرهم إنتاجاً. سخر كثيراً من كتاباته (المسرحية الخاصة) للتحدث عن هذا الأمر الذي كان يقلقه. وهو لئن كان أكثر وضوحاً في عنوان وموضوع مسرحيته “إنما الحياة حلم”، فإنه لم يفته أن يعنون مثلاً مسرحية أخرى له بـ”في هذه الحياة، كل شيء هو، معاً، حقيقي ومزيف”. ورأى كثيرون أن كالديرون في هذا العمل الأخير، الذي كتبه بعد نحو ثلاثة عقود من كتابة “إنما الحياة حلم”، شاء أن يكون أقل حسماً مما كان في الماضي، ومع هذا عاشت “إنما الحياة حلم” ولا تزال، وهي تشكل حتى اليوم عملاً أساساً من أعمال المسرح العالمي، وتحديداً بوصفها مسرحية “باروكية فلسفية” تطرح على الإنسان سؤالاً لم يكن طرح عليه، منذ أساطير ما قبل الأديان التوحيدية.
إنتاج في القمة
كتب كالديرون “إنما الحياة حلم” LA VIDA ES SUENO بين عامي 1631 و1632 وكان بلغ قمة مجده الأدبي، لكن أسئلته كانت بدأت تصبح أكثر مدعاة للقلق. والمسرحية حققت على الفور نجاحاً استثنائياً، لغرابة موضوعها ولكن لقوته أيضاً. وتتحدث “إنما الحياة حلم” التي عرفت بكونها “هزلية فلسفية” عن بازيليو ملك بولندا، الذي قيل له حين ولد ابنه سيغسموندو، من قارئي الطالع، إن هذا الابن سيصبح طاغية حين يكبر ويحكم، فيقرر الملك أن يربي الابن في سجن معزول يقع في برج جبلي ولا يرى فيه السجين سوى مربيه وسجانه كلوتالدو.
وبالفعل يربى الابن هناك بحيث أنه، بعد 20 عاماً، يصبح نصف إنسان/ نصف حيوان ونراه في مناجاة شهيرة يحسد الحيوانات على حريتها. في ذلك الحين يكون بازيليو أضحى عجوزاً وبدأت تقلقه مسألة ولاية عهده، فيرى أن الوقت حان لاختبار ما آلت إليه حال سيغسموندو. فيقرر أن يحضر الشاب إلى القصر وهو نائم، فإذا أفاق وتبين أنه قادر على السيطرة على أهوائه وعواطفه سيسلمه الحكم. أما إذا ظهر أنه إنسان قاس لا يرحم، فسيعاد لسجنه ويقال له إن ما اختبره في القصر لم يكن أكثر من حلم. حين يفيق سيغسموندو في القصر، يقال له، للمرة الأولى، إنه ذو منبت ملكي، وبما أنه ربي كحيوان، يقرر أن يتصرف كحيوان فيحاول قتل كلوتالدو، ويرمي خادماً من النافذة، ويصرف اهتمامه إلى روزارا، المرأة التي جاءت تشكو إغواء دوق موسكوفي لها. إزاء هذا كله يخدر سيغسموندو ويعاد لسجنه. إنه السؤال الأساس
سؤال كالديرون كان أساسياً ومقلقاً: هل نحن نعيش الواقع أو أننا نعيش الحلم؟ أين الحياة في حقيقتها وأين الحلم؟ بالنسبة إليه كان لا بد له من أن يتوصل يوماً إلى الاستنتاج بأن الحياة البشرية ما هي سوى حلم، بمعنى أن كل شيء في هذه الحياة الدنيا ليس أكثر من وهم، وإن الثابت المؤكد الوحيد إنما هو “سراب أحاسيسنا وأفكارنا حين تدين بوجودها إلى إدراكنا الحسي لها لا أكثر”. والحال أن كالديرون، أكبر كتاب العصر الذهبي الإسباني بعد لوبي دي فيغا، وأكثرهم إنتاجاً. سخر كثيراً من كتاباته (المسرحية الخاصة) للتحدث عن هذا الأمر الذي كان يقلقه. وهو لئن كان أكثر وضوحاً في عنوان وموضوع مسرحيته “إنما الحياة حلم”، فإنه لم يفته أن يعنون مثلاً مسرحية أخرى له بـ”في هذه الحياة، كل شيء هو، معاً، حقيقي ومزيف”. ورأى كثيرون أن كالديرون في هذا العمل الأخير، الذي كتبه بعد نحو ثلاثة عقود من كتابة “إنما الحياة حلم”، شاء أن يكون أقل حسماً مما كان في الماضي، ومع هذا عاشت “إنما الحياة حلم” ولا تزال، وهي تشكل حتى اليوم عملاً أساساً من أعمال المسرح العالمي، وتحديداً بوصفها مسرحية “باروكية فلسفية” تطرح على الإنسان سؤالاً لم يكن طرح عليه، منذ أساطير ما قبل الأديان التوحيدية.
إنتاج في القمة
كتب كالديرون “إنما الحياة حلم” LA VIDA ES SUENO بين عامي 1631 و1632 وكان بلغ قمة مجده الأدبي، لكن أسئلته كانت بدأت تصبح أكثر مدعاة للقلق. والمسرحية حققت على الفور نجاحاً استثنائياً، لغرابة موضوعها ولكن لقوته أيضاً. وتتحدث “إنما الحياة حلم” التي عرفت بكونها “هزلية فلسفية” عن بازيليو ملك بولندا، الذي قيل له حين ولد ابنه سيغسموندو، من قارئي الطالع، إن هذا الابن سيصبح طاغية حين يكبر ويحكم، فيقرر الملك أن يربي الابن في سجن معزول يقع في برج جبلي ولا يرى فيه السجين سوى مربيه وسجانه كلوتالدو.
وبالفعل يربى الابن هناك بحيث أنه، بعد 20 عاماً، يصبح نصف إنسان/ نصف حيوان ونراه في مناجاة شهيرة يحسد الحيوانات على حريتها. في ذلك الحين يكون بازيليو أضحى عجوزاً وبدأت تقلقه مسألة ولاية عهده، فيرى أن الوقت حان لاختبار ما آلت إليه حال سيغسموندو. فيقرر أن يحضر الشاب إلى القصر وهو نائم، فإذا أفاق وتبين أنه قادر على السيطرة على أهوائه وعواطفه سيسلمه الحكم. أما إذا ظهر أنه إنسان قاس لا يرحم، فسيعاد لسجنه ويقال له إن ما اختبره في القصر لم يكن أكثر من حلم. حين يفيق سيغسموندو في القصر، يقال له، للمرة الأولى، إنه ذو منبت ملكي، وبما أنه ربي كحيوان، يقرر أن يتصرف كحيوان فيحاول قتل كلوتالدو، ويرمي خادماً من النافذة، ويصرف اهتمامه إلى روزارا، المرأة التي جاءت تشكو إغواء دوق موسكوفي لها. إزاء هذا كله يخدر سيغسموندو ويعاد لسجنه.
صراعات الذات والآخر
ولد بيدرو كالديرون دي لاباركا في عام 1600 في مدريد لأسرة ثرية وأرستقراطية تعمل في البلاط الملكي، وتلقى علومه في سالامانكا. وهو عاش حياة صاخبة مملوءة بالتقلبات والصراعات، مع نفسه ومع عائلته، قبل أن يرسم كاهناً في عام 1651، وكان كتب عشرات من المسرحيات. وانضم لاحقاً إلى البلاط الملكي، إذ انصرف إلى كتابة مسرحيات دينية استقى مواضيعها من الكتب المقدسة. غير أن أعماله الكبرى هي تلك الدنيوية التي كتبها خلال القسم الأول من حياته، ويربو عددها على 100 مسرحية، لا تزال “إنما الحياة حلم” أقواها وأشهرها. ومع ذلك ثمة دائماً مسرحيات كثيرة له تنافس تلك في قوتها، بل وفي كون الأجيال التالية لجيل كالدرون، وحتى وصولاً إلى هذا الزمن الذي نعيشه ولا يزال يحتفظ بهذا الكاتب الكبير بمكانة لا تضاهى في تاريخ المسرح، من يفضلون هذه المسرحية أو تلك على “إنما الحياة حلم” على اعتبار أن هذه حيرت الجمهور في الزمن الذي ظهرت فيه وبدت عصية على أن تفهم، ولا سيما بالنسبة إلى جمهور كان اعتاد على بساطة مسرحيات الكاتب وعادية المواضيع فإذا بهذه المسرحية تربكه وتغرقه في أفكار عميقة كان دائماً في غنى عنها!
Independent News
مجلة 24 ساعة