
كاتب ومفكر مغربي
تنتمي إشكاليّةُ الذّكاء الاصطناعيّ – بما تُضْمِـرُه من أبعادٍ تتعلّق بالعلم والبحث العلميّ وبالاستخدامات الاجتماعيّة لأنظمة الذكـاء تلك وما قـد يتولّـد من تلك الاستخدامات من نتائجَ غيـرِ مرغوبـة – إلى جملة الإشكاليّـات التي تدور على ثنائيّـة الحريّـة/ الضّرورة وثنائيّـة الحـقّ/ الواجب.
فلقد لا يَخـرُج بحثُـها كإشكاليّـةٍ عن هـذا النّطاق حتّى وإنْ جرّبْـنا تقليبها على وجوه أخرى تبدو فيها (الإشكاليّة) بعيدةً عن مفردات الفلسفة أو نظامها المفهوميّ. والحقّ أنّ الذّكـاء الاصطناعيّ، من حيث هو ذكاءٌ مرجعُه إلى العِلم الذي أفضى إليه، لا يَطْـرَح مشكلةً بذاته، إنّـما تبدأ المشكلة حينما يغادِر حقلَ العِلم ليَـلِجَ حقْـلَ الاجتماع الإنسانيّ فيفـرض على المجتمع والنّاس أحكامَ المختبرات العلميّة، وهكذا تَشْـرَع المشكلات في التّـوالد والتّناسُل من الصِّـدام بين بيئتيْن قد لا تتوافقان: بيئة العلم وبيئة المجتمع أو البيئة الإنسانيّة. على هذه المقدّمات سنبني بعض الاستنتاجات حول هذه «النّـازلة».
إذا لم يكنِ الذّكـاءُ الاصطناعيُّ، في حـدّ ذاته، مشكلةً؛ أعني بوصفه منتوجاً علميّاً، تَـرَتَّبَ عن ذلك الـقولُ بوجوبِ التّسليمِ بـ حريّـة العلم والبحث العلميّ في إنتاج ما يَسَعُ طاقـةَ العِلم إنتاجُـه: ذكاءً اصطناعيّـاً أو ما شاكل، من غيـرِ قيودٍ على العلمِ ولا كوابـحَ على العلماء؛ إذْ هي في جملةِ حريّـة التّـفكير وحريّـة البحث بحسبانها منتميـةً إلى منظومة الحريّـات في الدّولة الوطنيّـة الحديثة. لذلك لا مجال أمام رفض الذّكـاء الاصطناعيّ، من حيث هو ثمرةُ البحث العلميّ، لِـمَا في مثل ذلك الرّفض من تناقُـضٍ حَـدِّيّ مع مبدإ حريّـة الفكر… وحريّـة الفرد في النّظام الاجتماعيّ- السّياسيّ الحديث…
إنْ شئنا بعضَ الإفـاضة والتّـنفـيل في المسألة قلنا إنّ حريّـة العِلم والبحث العلميّ تقع من الفرد ومن الاجتماع الإنسانيّ موقـعَ الحقّ المدنيّ الذي يُـخَـوِّله القانون في الدّولة الحديثة، أو تُحيطُـه الأخيرةُ بالضّمانات القانونيّة في وجْـهِ أيّ خَـرْقٍ أو تَـجاوُز. لا مجال، إذن، للحَجْـر على حـقٍّ عامّ مُصـان، أي تصونُـه القوانين؛ إذْ ما الذي يَـمْنَع انتهاكَـه أن يصير مقدّمةً أو مَـعْبَراً لانتهاكِ حقوقٍ مدنيّة وسياسيّة أخرى؟! وعليه، يحـقّ للعلماء أن ينغمسوا في بحوثهم العلميّة الدّائرة على مسألة الذّكـاء الاصطناعيّ وعلى سواهُ من مسائل العِلم الأخرى، من غيرِ تثريبٍ عليهم، طالما ظـلّ عملهم العلميّ دائراً في نطاق ما ضَمِـنَـهُ القانون من حقوق…
ولكن، في مقابِـل الحريّـة والحقّ، ينتصب كـلٌّ من الضّـرورة والواجـب؛ وهُما – مثل الأوّليْـن – لحظةٌ من الوجـود الاجتماعـيّ موضوعيّـةٌ وديناميّـةٌ فيه دافعةٌ، مثلما أنّ القوانين في الدّولة الحديثة تَـلْحظُهما وتستدخل موجباتهما في النّظام القانونيّ نظراً إلى اتِّـصال احترام أحكامهما باحترام أحكام المصلحة العامّـة: وهي رائـزُ سياسات الدّولة الحديثة. إنّ المعادلة بين الحريّـة والضّرورة، هنا، دقيقة وتُـوزَن – في الدّولة والنّظام الحديث – بميزان واحد هـو ميزان تلك المصلحة العامّـة بما هي عقـيدةُ السّياسة والدّولة والإطارُ المرجعيّ الذي عليه مَبْـنَـى السّياسات العامّـة. وهي إذا كانت تضع في كـفّـتي الميزان حريّـات الأفـراد في البحث، من جهة، ومصالحَ المجتمع، التي ينبغي أن تستفيد من نتائج ذلك البحث لا أن تتضـرّر منها، من جهةٍ أخرى، فهي تضع في كـفّـتـيْه الحـقَّ والواجب أيضاً؛ حيث معادلتُهما منتظمـةٌ في جدليّـةٍ لا يقوم المجتمعُ السّياسيّ والمـدنيّ الحديث إلاّ على مِـدْماكِ تـوازنِ حدَّيْها. وعليه، إذا كانت حريّة البحث العلميّ مكفولةً، بل مقدّسـة ينبغي أن لا يُنال منها، فهي – شأنها في هذا شأن سائر الحريّـات – مجعـولةٌ لخدمة المصلحة العامّـة ومنتظمةٌ تحت سقـفها لا تتجاوزُها أو تعتدي عليها؛ والحالُ إنّ في الاستخدامات العامّـة للذّكـاء الاصطناعيّ ما يعتدي على المصلحة العامّـة: على العمل وعلى الطّاقات الإنسانيّة، بل على الإنسان. بعبارةٍ أخـرى؛ على هذا الحـقّ في البحث العلميّ والاستفادة منه أن لا يكون مطلقاً، بل أن يتـقـيّد بواجب عامّ نحو الجماعة الوطنيّة والأمّـة: عدم الإضرار بمصالحها.
ما الذي تعنيه هذه الواقعة مثلاً: الإنسان حـرٌّ، مطلقَ الحريّـة، في أن يفكّـر كيف يشاء، لكنّه ليس حـرّاً – مطلق الحريّـة – في أن يقـول دائماً كـلَّ ما يفكّـر فيه أو في أن يـفْعـل دائـماً كـلّ ما يحلو له أن يفعله. إنّ حريّـته، هنا، نسبيّـة لأنّـه كائـن اجتماعيّ يعيش داخل جماعة (مجتمع) وليس فرداً منعزلاً. وعليه، فإنّ حريّـته لا تمتدّ إلى حيث تصيب غيره بالأذى فتتحـوّل – عندئـذٍ – من حريّـةٍ إلى عـدوان؛ وحقَّـه لا يمتدّ إلى حيث المساسُ بحقوق الآخريـن، بل عليه واجـبُ احترام حقوقهم كـي يُحْتَـرَم حقُّـه فتعترف له الدّولـةُ والقوانينُ به. كذلك الشّأن في الذّكـاء الاصطناعيّ؛ لا جدال في أنّـه حـقٌّ من حقوق العلماء وشكلٌ من حريّـة التّـفكيـر والبحث، غير أنّ الحـريّة في استخدامه (في الخروج به من حقل العلم إلى حقل المجتمع) مقـيَّـدَةٌ بما تقضي به المصلحةُ العامّـة: مصلحةُ المجتمع رُمّـةً لا المصلحةُ الخاصّـة لفردٍ أو فئـةٍ أو طبقـةٍ اجتماعيّة منفردة؛ أو قُـل إنّ الحـقّ في استخدامه ليس مطلقاً، بل هـو مقـيّدٌ بواجب احترام تلك المصلحة وعدم النّيل منها.
مشكلةُ الذّكـاء الاصطناعيّ ليست تَكْمَـن، إذن، فيه هـو من حيث هـو منتـوجٌ علمـيّ اهتدى إليه العلماء، بل هي تَـكْمَـن في اجتماعيّـاته؛ أعني في صيرورتـه منتوجاً اجتماعيّـاً مستخْـدَمـاً ومعروضاً للاستهلاك العامّ. السّياسات التي توجِـهه هذه الوجهة من الاستخدام العامّ هي التي ينبغي أن تكون موضِعَ نقـدٍ واعتراضٍ… واحتجاج.
Sky News
مجلة 24 ساعة