أثر الرواد
في عمله التشكيلي المبكر، يظهر تأثر بوتيرو برسامي الجداريات المكسيكيين، ومن بينهم دييغو ريفيرا وخوسيه كليمنتي أوروزكو. فإضافة إلى نقلهم إليه الرغبة في إنجاز أعمال ضخمة مرصودة للعرض في أماكن عامة، وإلى تعليمهم إياه كيفية تمثيل الأحجام ببعدَين فقط، حفظ الفنان منهم قناعتهم بأن رسم حياة القرويين المكسيكيين وتاريخ أميركا اللاتينية يعادل في أهميته، ما كان يُنتَج فنياً في أوروبا أو الولايات المتحدة. وفي ثقته بنفسه ووعيه الذاتي، يدين أيضاً إلى كتّاب مثل غابرييل غارسيا ماركيز الذي تمكن بروايته “مئة عام من العزلة” من إثارة اهتمام دولي بكولومبيا وتاريخها الحديث. في أوروبا، مطلع الخمسينيات، عاش بوتيرو أولاً في مدريد، ثم في باريس. ولعل الفترة الأكثر تكويناً له على المستوى الفني هي تلك التي أمضاها في فلورنسا، حيث درس بشغف، فن المعلمين الإيطاليين، وخصوصاً رسامي الـ “كواتروشينتو”، مثل ماساتشيو وباولو أوتشيلو وبييرو ديلا فرانشيسكا. عمالقة ردّد مراراً أن الدرس الدائم الذي تعلّمه منهم هو أن واقعية لوحاتهم لم تمنعهم من مدّها ببعد خيالي، ومن معالجتها بحساسية فردية. وفي مطلع الستينيات، انتقل إلى نيويورك حيث اكتسب بسرعة شهرة كبيرة إثر إعادة رسمه لوحة “موناليزا” الشهيرة بأسلوبه التدويري النموذجي. لوحة منحها عنوان “موناليزا في سن الثانية عشرة”، وكانت الأولى من بين لوحات كثيرة اشتراها منه “متحف نيويورك للفن الحديث”.
في السبعينيات، قاده شاغل تمثيل الحجم إلى الانطلاق في إنتاج منحوتات برونزية ضخمة تمثّل نساء حسّيات ورجالاً تمسح الكآبة طرافتهم الظاهرة، إضافة إلى قطط عملاقة وأيدٍ ضخمة. أعمال أدّى عرضها غالباً في مدريد أو لندن أو باريس إلى احتشاد جمهور غفير حولها، كما حصل عام 1993 على جادة الشازيليزيه وشلّ حركة المرور فيها، أو حين استقرت منحوتته “فينوس” عام 1989 قرب محطة “ليفربول ستريت” في العاصمة البريطانية. شهرة بوتيرو الدولية لم تنسه جذوره الكولومبية. ففي عام 2000، وهب أكثر من مئة لوحة ومنحوتة إلى المتحف الذي شيّدته بلدية بوغوتا خصيصاً له في العاصمة، مضيفاً إليها لوحات من مجموعته الخاصة لمارك شاغال وبيكاسو ورسامين انطباعيين. ووهب “متحف أنتيوكيا” في ميديلين، أيضاً مئة لوحة فنية و23 منحوتة برونزية ضخمة من عمله. لكنّ ما حدث لواحدة من منحوتاته، “حمامة السلام”، في ساحة سان أنطونيو في ميديلين، سلط الضوء على التناقض بين رؤيته السعيدة للحياة والواقع القاسي لوطنه. فخلال حفلة موسيقية في الساحة المذكورة، عام 1995، فجّر تنظيم “فارك” الثوري المسلح قنبلة كانت مخفية تحت منحوتته، أوقعت 27 قتيلاً و200 جريح. ولأن أحد أولاده كان وزيراً للدفاع آنذاك، اعتُبر هذا التفجير احتجاجاً من قبل التنظيم المذكور على رفض السلطات الكولومبية الدخول في محادثات سلام معه. وردّ الفنان على ذلك بـ “حمامة سلام” أخرى وُضعت إلى جانب الأولى التي تشوهّت، وحُفرِت على قاعدتها أسماء الضحايا لكن رؤية بوتيرو لم تكن دائماً سعيدة في عمله الفني، الذي قارب بواسطته أحياناً أقسى جوانب الحياة. ففي الستينيات والسبعينيات، أنجز سلسلة بورتريهات لحكام دكتاتوريين في أميركا اللاتينية، يشكّل التضخيم المتعمّد في رسمهم تأملاً ساخراً في رضاهم عن أنفسهم. ولأنه لم يكن قادراً على غضّ النظر عن تجارة المخدرات في وطنه، التي حوّلت مدينة ولادته إلى المكان الأخطر في العالم، خصوصاً أثناء هيمنة بابلو إسكوبار عليها، رسم عام 2004 سلسلة لوحات يظهر هذا الأخير فيها مطارداً، وأخرى مشهدية مثّل فيها العنف الذي عانت كولومبيا منه خلال التسعينيات بسبب هذه التجارة.
وبين عاميّ 2004 و2005، رصد سلسلة من ثمانين لوحة ومئة رسم لتصوير تعذيب السجناء على يد الجيش الأميركي في سجن “أبو غريب” في العراق. أعمال قدّمها هبة لمكتبة جامعة بيركلي في كاليفورنيا لأن موضوعها الخطير منعه من بيعها، وفقاً لما صرّح به آنذاك. والحقيقة هي أنه لم يكن يحتاج إلى بيعها، لأن مبيعات أعماله الأخرى كانت قد جعلت منه رجلاً ثرياً للغاية، يملك منازل عديدة في أوروبا وأميركا، ويختاً كان يسمّيه “لعبتي المفضّلة”، وسيارة رولز رويس.
ولكن عموماً، لا تعبّر شخصيات بوتيرو المرسومة أو المنحوتة عن مشاعر أو حالات نفسية، بل تحضر في وضعيات ساكنة، وتمنحنا الانطباع بخفّة ورشاقة، على رغم بدانتها. وهو ما يفسّر رفض الفنان كلمة “بدينة” لتوصيفها، واعتباره أنها تتمتع فقط بحجمٍ يمنحها سحرها وحسّيتها. حجم “كان حاضراً في فنون عصر النهضة، ونسيه الفن المعاصر كلياً”، في نظره.
Independent News
مجلة 24 ساعة