الرئيسية / كلمة العدد /
 الهِجْرةٌ غَرَامُ .. أم اَنْتِقامِ ! « 5 »
أبو شادي وبطرس واطباء « هارلي »  !
مودي حكيم
مودي حكيم

 الهِجْرةٌ غَرَامُ .. أم اَنْتِقامِ ! « 5 »
أبو شادي وبطرس واطباء « هارلي »  !

هناك قصص نجاح لمهاجرين من رحم الازمات ، بعض من هاجر اراد الانتقام ، ممن استعمروه ، ونهبوا ثروات بلاده بصورة ايجابية ، مصريون أرادوا الانتقام بنجاحهم ، واثبات الذات ، فالنجاح هو أفضل انتقام من كل ما ظلمنا واعتدي على حريتنا ، ولم يقم لنا وزنًا أو تجاهل وجودنا فى الحياة ….. ومهاجرون الامل والاصرار يلازمهم ، يحلمون بما يريدون تحقيقه ، شقوا الطريق ووصلوا ،  وحققوا احلامهم وتحقيق طموحاتهم ، هناك من أكمل تعليمه ، فأتاحت لهم الحياة الجامعية اكتشاف ثقافة مغايرة ، وضرورة الحوار والتواصل للاندماج فى المجتمع .

.. وبدون ترتيب زمني ، كان منهم أحمد زكي محمد أبو شادي ابن حي عابدين بالقاهرة، وكان والده محمد أبو شادي “بك” نقيبا للمحامين، وأحد أعضاء حزب الوفد البارزين ، التحق بمدرسة في حي الحنفي بعابدين ، وظهرت مواهبه الشعرية والأدبية فى مرحلة الدراسة ثم أتم تعليمه الثانوي ، وكان من تلاميذ مصطفى كامل فى الوطنية ، وبعدها دخل مدرسة الطب بقصر العيني، ولم تصرفه الدراسات الطبية والعلمية عن الاستمرار فى دراساته الأدبية ، فأحب الشعر وتذوقه ، وأقبل على نظمه ،  ثم سافر إلى بريطانيا عام 1913 ليستكمل دراسة الطب, حيث أتقن اللغة الإنجليزية واطلع على آدابها. تخصص في علميْ: “الأمراض الباطنية” و”الجراثيم” . واهتم بدراسة النحالة ” علم تربية النحل ” ،

ولم يشغله كل ذلك عن اهتمامه بالقضية الوطنية، والتوعية بجهود الحركة الوطنية من أجل الاستقلال، ولما زار الزعيم «محمد فريد» لندن، نظم «أبو شادي» له حفل استقبال وحشد فيه شباب الوطن الدارسين هناك.وهكذا كان الدكتور «أحمد زكي أبو شادي»، عدة رجال في رجل، وقف أيام حياته ولياليها على خدمة المجموع والعمل العام، أو كما قال:   أعيش لنوعي لا لنفسي وحدها        وأنشر روح الحب غير مبدد .

وقد امتدت إقامته في «انجلترا» عشر سنوات، تزوج خلالها بفتاة انجليزية مثقفة، أحبته وهيأت له في «لندن» ثم في مصر بيتاً هادئاً هانئاً يزينه ويملؤه حبوراً أولاده الثلاثة: «رمزي، وصفية، وهدى». وقد كانت غربته الأولى هذه من أخصب سنوات عمره، فيها نهل كثيراً من مناهل الآداب والفنون الغربية، وفيها أبدع أشعار الشباب التي بشرت بتوجهاته التجديدية في الشعر العربي، التي من أبرزها التعبير الرمزي والوجدان الفردي ووحدة القصيدة وتنوع الأشكال أو البحور والقوافي

لكنه عاد إلى مصر مضطرا بسبب عدم تحمل الإنجليز لنشاطه الوطني ضد الاحتلال البريطاني لبلده، فعمل أستاذا بكلية الطب، واستمر يزاول مهنة الطب والتدريس حتى وصل إلى منصب وكيل كلية الطب بجامعة الإسكندرية، وشارك في تأسيس “معهد النحل الدولي”، كما أسس “جمعية آداب اللغة العربية”.

أنشأ في عام 1932 مجلة “أبوللو”، و”جماعة أبوللو الأدبية”، ودعا إلى التجديد في الشعرالعربي والتخلص من تقاليده, وكان من بين أنصار هذه الدعوة من الشعراء: إبراهيم ناجي وعلي محمود طه، وغيرهم من مشاهير نهج مدرسة “أبوللو”، المعروفة بالرومانسية والقافية المتغيرة على طول القصيدة . لكن جماعة “ابوللو ” واجهت نقدا لاذعا وحربا قاسية من الشعراء المحافظين التابعين لنهج مدرسة الإحياء والبعث، ومن أنصار التجديد، ومن هؤلاء عباس العقاد وابراهيم المازني .  ضاق أبو شادي بالنقد الموجه له والهجوم المستمر عليه، فهاجر إلى الولايات المتحدة 1946 وكتب في بعض صحفها العربية، وعمل في التجارة وفي الإذاعة، وانتخب أستاذا للأدب العربي في معهد آسيا، وأسس مع آخرين رابطة أدبية باسم “رابطة منيرفا” – منيرفا هي إلهة الحكمة عند الاغريق – ، وهي رابطة أدبية على غرار “ابوللو”، ضمت مفكرين عربا وأميركيين . و فى مهجره لم تتوقف اشعاره عن ذكر مصر والحنين اليها ، ومن أحد قصائده ابيات قليلة منها :

مصر الحبيبة جنةٌ لا أشتهي .. منها الخيار فخيرُها بجميعها

أهوى لها الإعزاز كيف تمثَّلت .. بحياتها وتصوَّرت بصنيعها

إن كان عاقَبني الزمان بغربتي .. فلقد أفاء عليَّ حُلم بديعها

 ****

 

.. واذا تحدثنا عن الطب والاطباء فلا يكتمل الحيث عنهما دون ذكر  شارع هارلي ستريت الذي ظهر إلي حيز الوجود فى القرن الثامن عشر ، عندما كانت لندن جزء من قرية ماريلبيون التى أصبحت مكانا للاثرياء فيما بعد ، والأن يعتبر هارلي ستريت فى وسط لندن كجزء من مدينة ويستمنستر وقريبًا من ريجنت بارك ، وشارع أوكسفورد ، واصبح من أشهر الشوارع فى مجال الطب الحديث والتجميل ، كما له تاريخ عريق يعود لأسرة هوارد دي والدن للعقارات التي كانت تمتلكه يومًا ، وكان دوق أكسفورد جدوارد هارلي قد طور المنطقة في عام 1715 ، والتى قام أفراد اسرته بإطلاق اسمه عليه ، وكان أول طبيب بفتح عيادة فى المنطقة ، هو الدكتور جون هارمن اختصاصي العيون ، ويعتبر هارلي ستريت مكانًا  لعدد من المشاهير مثل السير جوزيف ليستر ، وهو أول طبيب روج لفكرة الجراحة المعقمة عندما كان يعمل فى مستشفي رويال جلاسكو .

يقدر العائد من  العلاج بأشهر شوارع لندن ” هارلي ستريت ” بنحو مليار جنيه استرليني ، وهو  معقل الطب الحديث والمكان الوحيد فى العالم الذي يضم أكثر من 3 آلاف عيادات استشارين متخصصين فى الرعاية الطبية فى منطقة واحدة ،  وتعتبر لندن من أشهر المناطق فى العالم من حيث المختبرات الطبية الحديثة والاكتشافات الطبية الجديدة ، كما أنه أفضل مكان لعمليات التجميل ، وإذا كنت قد شاهدت الفيلم التاريخي الحائز على جائزة الأوسكار  ” The King’s Speech. ” خطاب الملك ” للمخرج توم هوبر  ، وكيف عولج دوق يورك قبل أن يصبح الملك جورج السادس من تقطع الكلام ” التهتهة  ” بعيادة ليوني لوج فى 146 هارلي ستريت ، واصبح د. لوج من مؤسسي كلية معالجة الكلام ، والتي أصبحت الكلية الملكية للخطابة واللغة المعالجة .

****  

اختار بطل آخر من حكاوي الهجرة هارلي ستريت لعيادته الأولي بعد أن أثبت أن المصري يستطيع بجهده واصراره على النجاح فى بلد المستعمر ، د. فايز بطرس هرب خارج الديار المصرية فى عصر جمال عبد الناصر ، رغم حبه وعشقه لبلده ، عيادته فى 134 هارلي ستريت مفتوحة لكل مصري يطلب المشورة والعلاج ، جمعته بالشيخ الشعراوي قصة حب ومودة وصداقة ، وكذلك بالنجمة سعاد حسني الذي تحولت له كمريضة من خلال المكتب الطبي للسفارة المصرية بعد أن أجرت عملية بالعمود الفقري فى فرنسا عام 1992 ، وكانت تعاني من حالة انتكاسية مما سبب لها ألمًا حاد ومستمر مع عجز كبير ، وشلل الوجه ، وصادق السعدني وعشق خفة دم الكاتب الكبير الذي كان يعاني من ارتفاع ضغط الدم ونصحه بالراحة ، والالتزام بالدواء والابتعاد عن الملح وعدم الدخول فى مشاحنات من أى نوع ، وضبط النفس ، وعدم الغضب ، والا يثر لأي سبب من الاسباب – كما جاء فى كتاب السعدني ” مسافر بلا متاع ” . وهو شئ مستحيل على السعدني الذي لايرضي بالظلم واخبار النصابين  فى الجرائد السارقين لمئات الملايين من البنوك أو من يلهف من الناس مباشرة ، مثل زعماء شركات توظيف الاموال ،  ثم يفروا هاربين للخارج بينما الشعب صاحب المال يعاني ويتعذب .

ولد بطرس جنوب القاهرة بينما كانت مصر تحت الحماية البريطانية ، درس بكلية الطب وتخرج ليعمل كطبيب بأحد المستشفيات ، وشارك مع أبناء وطنه ابتهاجهم بالثورة عام 1952. لكن سعادته لم تدم طويلاً ، ففى الوقت الذي كان يستعد فيه  للسفر لاستكمال دراسته بانجلترا حاول أحد ضباط المخابرات المصريه تجنيده فى أواخر الخمسينيات ، فبطرس بين مرضاه موظفي أحد السفارات الأجنبية ، ولكنه رفض  ، وباءت محاولاته العديدة للحصول على تأشيرة خروج للدراسة في بريطانيا  بالفشل  .  و ذات يوم ، وهو في طريقه إلى العمل  ، صادف صبيًا مصابًا بجروح بالغة فى الطريق وأخذه للمستشفى للعلاج ، على الرغم من احتجاجات سلطات المستشفى ،أصر بطرس على علاجه من نفقاته الخاصة  ، قدم الأخ الأكبر للصبي للاطمئنان على أخيه وشكر الطبيب ، تعارفا وقدم الشاب  خدماته للطبيب ، وعرض بطرس مشكلته ، فالشاب واحد من ضباط الشرطة المسؤول عن تأشيرات الخروج ، وبعد ذلك بوقت قصير ، لدهشة بطرس ، سلمه تأشيرة الخروج .

عند وصوله إلى إنجلترا عام 1960 ، رسخ بطرس نفسه بسرعة في الممارسة العامة. التقى بزوجته الأمريكية ، ماري ، في لندن ، وقرر لأول وهلة أنها ستكون المرأة التي سيتزوجها ، وعبر عن حبه لها بطهو مأكولات المطبخ المصري ، وانبهرت الزوجة بمواهبه الابداعية . عاش بطرس كل دقيقة وكأنها الأخيرة وكأن الحياة لن تنتهي أبدًا. أنجب من زوجته ابنهما أندرو وابنته جين.

كان فايز بطرس يهتم بجميع مرضاه بعناية ودفء وروح دعابة. لسنوات عديدة ، عمل كطبيب عام بالتأمين الصحى البريطاني  NHS GP في ستوك نيوينجتون ، شمال شرق لندن ، وبحكم عمله كان مرضاه من جميع الطوائف والملل والاديان ، وكطبيب محترف لم يكن يفرق بين مريض وآخر ،  حيث خدم مجموعة متنوعة للغاية من السكان بما في ذلك عدة مئات من اليهود الأرثوذكس ، لدرجة أن بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 ، اتصل به العديد من مرضاه اليهود لتأكيد ولائهم له كطبيب لهم. في وقت لاحق ، كطبيب عام في عيادة خاصة في شارع هارلي ، أحصى من بين مرضاه الأمراء السعوديين والسياسيين المصريين والزعماء الدينيين المسلمين والأقباط ، منهم الشيخ الشعراوي ، كان من مساوئه شكوي المرضى من الانتظار الطويل ، فهو غالبا ما كان يقضي ساعة أو أكثر مع المريض الذين تم تحديد موعد له مدة لا تزيد عن 15 دقيقة .

****

عام بعد عام تري الكثير بل المئات يأتون للعلاج لشهرة المكان ، 40% فوق سن ال 45 يأتون من كل مكان فى العالم ، مع تزايد عدد المرضى القادمين من الشرق الاوسط للشارع الشهير وخاصة الإمارات المتحدة وقطر والكويت .

…مزيد من الاطباء المصريين غزوا هارلي ستريت ، فى مجالات طب القلوب جراحات الاسنان وأطفال الانابيب ، والعقم وتخصصات آخري كثيرة سألقى الضوء على حكايتهم فى غربتهم .

 

مودي حكيم

 

 

شاهد أيضاً

فنانون ضمير عصرهم«17»
ونحن في مرحلة إعادة البناء!

رغم كل ما كتب عن مسلسلات رمضان التليفزيونية الواحد والعشرين أو أكثر، من آراء وتعليقات …