الرئيسية / صحافة ورأي / مشكلة البديل

مشكلة البديل

أحمد مصطفى
كاتب صحفي

في القرن الماضي كانت الناس تميز بين ما هو مصنع في ألمانيا واليابان، أو حتى بريطانيا، وما هو مصنع في تايوان أو كوريا.

وكانت الآلة أو الجهاز ذاته الألماني الصنع لا يقارن بالتايوني الصنع وتقول الناس على الأول “هذا أصلي” والثاني “هذا تقليد” أو بديل. ومع نهاية القرن تقريبا كان التايواني والكوري قد أصبحا في مصاف مساوية لما هو ألماني وياباني.

في قرننا هذا منذ بدايته، أصبحت أغلب المنتجات المصنعة التي تباع في أسواق العالم “صنع في الصين”. فالثورة الصناعية التي بدأها دنج زياو بنج في ثمانينيات القرن الماضي أتت بأغلب مصانع وشركات العالم إلى الصين تنتج وتنقل باعتها إلى أسواقها حول العالم. ومع مرور الوقت أصبح هناك مصانع صينية “بديلة” تنتج السلع والبضائع ذاتها وتستفيد من شبكة التجارة الهائلة مع أسواق دول العالم التي تطورت نتيجة نقل الشركات الغربية الكبرى مصانعها إليها.

هكذا تطور الاقتصاد الصيني، مع تغيرات اجتماعية واسعة في البلاد، حتى أصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الاقتصاد الأميركي. رغم استفادة العالم بما فيه الغرب، شركات ومستهلكين، من هذا التطور الصيني إلا أن احتمال نمو الصين حتى تصبح رأسا برأس مع أميركا، أو حتى تتجاوزها، بدأ يزعج يعض القادة في الغرب.

حتى العالم الذي اعتاد التعامل مع قطب عالمي واحد في واشنطن، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.. الخ، ربما لا يجد التخلي عن ذلك التعود أمرا سهلا. ففي النهاية الصين بلد مختلف، ليس فقط لأنه بلد ما زال الحكم فيه للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ولكن لأنها أمة ذات تاريخ وحضارة ضاربة في القدم والعمق عكس الدول الكبرى التي نشأت قبل بضع مئات من السنين.

مع مجيء الإدارة الديموقراطية للرئيس الأميركي جو بايدن للحكم قبل أكثر من عامين جعلت هدفها الأساسي وقف الصعود الصيني والروسي. وها هي روسيا في حرب بأوكرانيا سهلت لأميركا والغرب حصارها اقتصاديا بشكل غير مسبوق. أما سلاح العقوبات مع الصين فهو أكثر تعقيدا ليس فقط لأن الصين وسعت شبكة علاقاتها مع دول العالم في آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية ولكن أيضا لتشابك مصالح الشركات والأعمال الغربية مع الصين.

مع صعود الصين في العقود الماضية، كانت هناك قوى أخرى تصعد مثل الهند والبرازيل وجنوب افريقيا وغيرها. لكن صعود الآخرين لم يكن في منحى ارتفاع مضطرد مثل بكين بل شابته مطبات مختلفة جعلت الفارق بينها وبين النمو اصليني كبيرا إلى حد ما.

الآن، ومن بين الأدوات التي تحاول واشنطن استخدامها في صراعها مع الصين تشجيع قوى أخرى صاعدة على النمو والمنافسة لتساوي الصين أو تتجاوزها. ومع أزمة وباء كورونا، وإغلاق الاقتصاد في الصين وتعطل التجارة الدولية، استفادة دول مثل فيتنام وغيرها من نقل سلاسل توريد عالمية من الصين اليها. لكن ذلك ظل في حدود ضيقة إلى حد ما.

أما قوة مثل الهند التي تتوسع منذ فترة وتحاول إعادة هيكلة اقتصادها مستفيدة من ارتباطها المالي والتجاري مع الغرب بشكل قوي فأصبحت مرشحة بقوة للصعود السريع. هذا ما تسعى إليه الولايات المتحدة حاليا بتعزيز علاقاتها مع الصين وتشجيع حلفاء لها في أوروبا والشرق الأوسط لتحذو حذوها في ذلك. ورغم نفي المسؤولين الأميركيين أن واشنطن تسعى لدفع الهند كي تكون “البديل” للصين، إلا أن مجريات الأمور في الواقع تؤيد ذلك التوجه. وكما يقول المثل “لا تصدق الأمر حتى يتم نفيه رسميا”.

إلا أن هناك مشكلة تتعلق بمسألة البديل، رغم أن من المنطقي الاستفادة من التجارب السابقة سواء لك أو للآخرين وينطبق ذلك على الجماعات والدول كما على الأفراد. إنما الاستفادة من التجارب لتطوير نماذج أكثر تقدما تأخذ في الاعتبار عوامل خاصة وذاتية شيء والتقليد بطريقة النسخ والطبع شيء آخر. فتحويل الهند لبؤرة سلاسل توريد تطورت في الصين أو فتح أسواقها المالية لضاربات المستثمرين الغربيين لن يجعلها “صين بديلة”.

نعم، الهند لديها من المؤهلات والمقومات ما يجعل اقتصادها يواصل النمو السريع ربما بمعدلات أعلى من الصين وغيرها. وربما هي مرشحة لأن تصبح ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد أميركا والصين متجاوزة ألمانيا واليابان. لكن ذلك لن يعني أن الصين الصاعدة ستنتهي إلى أفول، أو أنها ستصبح “دولة نامية” مثل زيمبابوي أو الفلبين.

ثم إن لدينا في التاريخ المعاصر، بل والحديث جدا، أمثلة على محاولة التقليد بطريقة النسخ والطبع لم تؤد إلا إلى نتائج مشوهة. ولعل المثال الذي دائما ما أستخدمه للدلالة على ذلك هو تطور دبي. فمنذ مطلع القرن الحالي حاول آخرون تقليد نموذج دبي في التنمية والتطور، وذلك بالطريقة ذاتها التي اعتمدتها دبي فكانت النتيجة أن هؤلاء لا أقاموا دبي لديهم ولا طوروا أنفسهم بشكل يناسب ثقافتهم وتاريخهم وعوامل حاضرهم المختلفة.

حتى لو أفلح أحد، ولو نسبيا، في أن يطور دبي أخرى في آسيا أو افريقيا فإن النتيجة لن تكون المساواة مع دبي أو حتى اللحاق بها بشكل لصيق ناهيك طبعا عن تجاوزها. ذلك ببساطة أن دبي ستظل سابقة بعشرات السنين طالما حافظت على مسار تطورها وتنميتها.

 

Sky News

شاهد أيضاً

كوليت خوري بين الريادة والمرجعيات الثقافية ومجهر النقد

شهدت مرحلة الخمسينيات في سورية بعد التحرر من الانتداب الفرنسي عام 1946 نمواً واضحاً في الأشكال الفنية …