
4 ـ واقع الحرف وواقع الروح
جدير بنا بنا أن نطرح سؤالاً: متى يهفو الإنسان للتخلّص من أرومته؟
اليقين أن التوق للتخلّص من الأرومة، ليس هو التوق لتخلّص الإنسان من نفسه، أي في ذلك الوضع الذي يرى فيه الإنسان وجوده كورمٍ خبيث، لا وجود لترياق لمداواته سوى الإنتحار. ولكن التخلّص من الأرومة عجز عن تحقيق بطولة تغيير: بطولة تغيير ما بالنفس تحديداً، عملاً بالوصيّة الإلهيّة، المترجمة في حرف الآية العظيمة: «لا يغيّر الله ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم»، التي لم نحسن قراءتها، ولم نكلّف أنفسنا عناء استنطاقها، كما يليق بحكمتها، وإلّا لما تكررت في الفرقان أكثر من مرة. فالتحريض هنا صريح، وهو على تغيير ما بالنفس، وليس تغيير ما بالواقع، ليس تغيير ما بالعالم. أي تغيير ما بالواقع الذي يسكننا، لا تغيير ما بالواقع الذي نسكنه، لأن الواقع الذي نسكنه اغتراب، أمّا الواقع الذي يسكننا فهو حُجّتنا، لأنه وحده حقّ، وحده قيمة، لأنه وحده عمق، في مقابل واقع الوهم، واقع هو مجرّد شبح يستدرجنا، ليضلّلنا عن الحقيقة التي تسكننا، ونستميت كي نتجاهلها، في حين أنها وحدها تستطيع أن تهوّن غربتنا، وتشفي فينا غليل تغيير ما بأنفسنا، بما في ذلك إعادة هندسة خارطة كينونتنا، بعمل ما من شأنه أن يقتل فينا عرق ميلادنا الأوّل، ميلادنا بالطبيعة، الذي لا فضل لنا فيه، ولم نختره لأنفسنا، كي نفلح أخيراً في إحياء الإنسان الآخر، الأعظم شأناً بما لا يقاس من إنسان البدن الفاني، وهو إنسان الروح الأبديّ، الأحقّ بأن نراهن عليه في رحلة باطل أباطيلنا، لكي نبطل فيها مفعول هذا الباطل، لتتحوّل بعثاً، نصّبته الحكمة الربوبية شهادة براءة لدخول ملكوت الربّ. ولكن الدراما حقّاً أن هذه الصحوة، الواعدة بالخلاص، رهينة صدمة: صدمة قد تكون من جنس الحسّ، كالمرض، الذي قال عنه باسكال أنه يعلّم ما لا تُعلّمه كل العلوم، ولذا فهو جدير بحمل وزر جسيم كالبعث. أو قد تكون الصدمة من جنس النفس، كفراق قرين، صرنا بفضل القران روحاً واحدة، في جسدين، ليتحوّل الفراق هنا ضرباً من مِيْتة. ميتة صغرى، قابلة لأن تتحوّل ميتة كبرى، فيما إذا أعيتنا الحيلة في اختراع ترياق، لأن الترياق هنا هو الحجّة التي تستخدمها الأقدار، كي تحرّرنا من غيبوبتنا، فتكشف لنا عن حقيقتنا المغتربة عنّا، لأنها تسكننا، ولكن الواقع الحرفيّ يحجبها عنّا. فباستخراج هذا الكنز، من ركام المحال، تتحقّق المعجزة: معجزة الميتة التي تُحيي، بديلاً عن الغفلة التي تُميت، لتنقشع الحُجُب، فيسطع في المعراج قبس الخلاص.
إنها الميتة التي تُجير من الموت، لأنها الميلاد بالروح، الميلاد في بُعد الخلود، بدل التشبّث بميلاد الطبيعة، في انتظار الأجل، في انتظار الخيار الفاني. ولكن السؤال هو: هل يفلح من أعجزته هذه التجربة التحريرية البطولية في تغيير ما بنفسه، في واقعٍ يهيمن عليه بعبع الأيديولوجيا، الواعدة بالخلاص الأسهل، المترجم في حرفٍ مزوّرٍ، هو احتكار الحقيقة على نحوٍ مسبق؟
5 ـ كلمة السرّ في معجم الأخلاق
تجربة التحرير وحدها قارب النجاة، الكفيل باستعادة التوازن الروحي، كي نتصالح مع واقعنا الوجودي، الذي لا وجود فيه لمفاضلة بين هويّة عرقية وأخرى قومية، لأن القياس يغدو هنا الموقف الأخلاقي من التجربة، وليس الموقف الأيديولوجي، المحرّض على التنكّر للإنتماء لهذه الملّة أو تلك، سيّما عندما نكون شركاء في وطن، وفي واقع ثقافي معزّز بمشيئة تاريخ ثريّ وطويل، مشفوع بعقد إجتماعي أصيل، موثّق بالصلاة في محراب معبود هو الدّين.
ففي محيط جماعي، يعتنق السلم يقيناً، من الطبيعي أن تُسوّق كل هوية بوصفها قيمة: قيمة في ذاتها، وقيمة في علاقتها بالقرينة، على النحو الذي يتحوّل فيه الإنتماء إلى أيًّ منهما شرفاً، سواء في واقع تتمتّع أحداهما فيه بـ أغلبيّة، أو واقعٍ تقنَع فيه أخراهما بحكم وجودها كـ أقليّة.
ففي عالمنا لم يعد يكفي التغنّي بالتسامح، أو حتّى التعايش، ولكن الزّمان حتّم الإستجارة بعروة أوثق، ألَا وهي التحابُب، المنصوص عنه في دينٍ سَنّ الحبّ مقياساً للإجتماع، عندما ترنّم بالوصيّة الذهبيّة، المترجمة في حرف الآية الكريمة: «يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، لأن المعرفة، في التأويل القدسي، أعظم شأناً من مجرد الإعتراف بوجود الآخر في رحابنا، ولكن المعرفة في العمل على اكتشاف الآخر، باستحداث الإصلاح الجذري في العلاقة مع هذا الآخر، لكي يكفّ عن أي يكون آخر، هو ما لا يتحقّق بدون تميمة سحرية هي: الحب!
فالحبّ أيضاً موقفٌ إصلاحيّ، لأن فردوس الحضور في بلاط الآخر، لن يتحقق بدون استحداث إصلاح في الموقف من الآخر، حتّى لو لم يكن هذا الآخر حقاً طرفاً آخر (بالمعنى العرقي أو الديني أو الثقافي أو اللغوي) بدون إعادة الإعتبار لمفهوم الحبّ، ليعتنق بهذا العمل الإصلاحي الجسور، هويّة أخلاقيّة.
فالإصلاح الذي ننتدبه في واقعنا كغنيمة سياسيّة، لا يلعب في وجودنا دوراً فروسيّاً، ما لم يتحوّل قيمةً أخلاقية.
Sky News
مجلة 24 ساعة