رَفَعَ عبد الرحمن الشرقاوي نظارته عن وجهه, فَرَكَ عينيه بأصابعه, عاد ووضع النظارة على أرنبة أنفه, فتح ملفاً كنت حملته له, فَرَّ الأوراق المحبوسة بين دفتيه, حرّكَ يده بحركة حائرة, مشى القلم على الأوراق واحدة…واحدة, رسم خطاً تحت كلمات معينة, حوّط بعض المقاطع بدوائر.
جلست أمامه للمرة الثالثة, حاورته محاورة الأكفاء, وللمرة الثالثة حاولت أن أقرأ ملامح وجهه مع كل ورقة يقرأها, يقلبها, يعيدها الى الملف, مع كلمة يكتبها, وخط يضعه, ودائرة يرسمها.
سقطت عيناه في عينيَّ, شعرت وهو يريح القلم من ضغط أصابعه, أن سعادة غامرة دغدغته. فقد إستحسن خطة العمل التي وضعتها لمكتب لندن, وأعجبه ما أبديتُ من ملاحظات حول ما كان يصبو إليه, لمّا إختارني ولويس جريس لتحقيق إطلالة جديدة لمجلة “روز اليوسف” في أوروبا.
وبعد إجتماعات ثلاثة، طالت وتمددت على عقارب الساعة, أيقن عبدالرحمن الشرقاوي أن رؤيتي لخطة العمل و للترويج والتسويق, إن نُفِذَت وقُدِّر لها الدعم المالي, فإنها كفيلة بأن تُعيد المصريين المنتشرون في أوروبا الى “روز اليوسف”, وتُعيد الى شيخة المجلات العربية نقاوتها الصحافية, بعدما لوثتها السعاية والوشايات, بأنها يسارية الهوى و ميالة الى الشيوعيين!
وفي خطة العمل التي وضعتها, لحظت أن الكتابة الجذابة تؤمن الإنتشار, وتخدم عملية الترويج والتسويق, وهذا يؤدي بالحتم اللازم الى حصد” الإعلان الدولي” الذي حُرمت منه “روز اليوسف” والمجلات المصرية الأخرى, في ذياك الزمن, بسبب المناخ السياسي والاقتصادي المُلبد والمتقلب.
والحقيقة, أن ما لفت عبدالرحمن الشرقاوي ولويس جريس, ما ذكرته في خطة العمل من أن الصحافة المصرية أهملت الجالية المصرية المشتتة أينما وجدت، في أوروبا أو في الجانب الآخر, في الأمريكتين. فلم تلامس مشاكل المصريين المغتربين, لم تعرضها وتناقشها, وما مرة تواصلت معهم, وإكتفت دائماً بنقل ما في “الداخل” المصري, كما يطلب منها, فقط.
لقد أدركت من تجربتي في غربتي الأولى الى لبنان, أنه كما أن المصريين في “الخارج” يريدون معرفة حقيقة ما يجري في “الداخل”, يرغبون, تالياً, أن يعرف “الداخل” المصري ما يدور ويحصل وما يعاني منه المصريون في “الخارج”.
بلغت النشوة مداها, ترقرقت ضحكة على شفتي عبد الرحمن الشرقاوي, قال وهو يسوي من جلسته:
“عال… عال… الآن أنا مطمئن جداً إننا على السكة الصحيحة”.
جذبني من يدي, دارت نظراته على وجهي, شعر بقلقي, حاول تبديده:
“أعرف أن المهمة في لندن ليست سهلة, خصوصاً في ظروف عمل مختلفة عما تعرف, ولكن سنكون, لويس وأنا, الى جانبك”.
سكت, ثم عاد الى الكلام:
“إطلعنا أول بأول عما يجري معك, وعن أي عقبة تواجهك, و ثق إننا هنا سنجد لك الحلول, لأننا نريد أن تنجح في مهمتك, وتحقق لنا ما نصبو إليه ونتمناه”.
قالها برقة, محاولاً أن يرفَدني بدعم معنوي يبدد قلقي وتخوفي من الآتي.
طوى الملف, وضعه جانباً.
تجسدت لي أعباء ثقته بي, وثقل المسؤولية التي سأتنكبها, وأنا أغلق باب مكتبه خلفي.
***
“203 ريجنت ستريت”.
حجارة ذلك المبنى” المصنف” لها أَلْسُن تكاد تنطق بتاريخ وماضي أيامه, وتبوح بأسرار الذين تعاقبوا على العمل في مكاتبه الموزعة على مساحته المترامية الأطراف.
و يتشاوف ذلك المبنى بحاله, ويتفاخر بأنه يقف متحديا السنوات بهندسته البديعة والمتميزة, قبالة “محلات
“آرثر لاسنبي ليبرتي”Arthur Lasenby Liberty العريقة التي أسسها Liberty Department Store سنة 1875. والمبنى يقدم مساحات إدارية للشركات الصغيرة, ويشتمل على الخدمات كافة, من ردهة إستقبال للزوار, وقاعات للإجتماعات يستعملها مستأجرو المكاتب, و”سكرتاريا” مشتركة, تلبي فيها الموظفات متطلبات المكاتب… كل ذلك في بيئة مهنية, وجو إحترافي. فأنت ترمي الإبرة, فتسمع رنّتها على الأرض, الصمت في ذلك المبنى له جلاله, وهو من سلوك العمل عند الإنجليز خصوصاً, والأوروبيين عموماً, فلا تسمع حركة الموظفين, كلٌّ ينكب على أداء ما يوكل إليه, من دون ثرثرة وجعجعة, ونقاش عالي النبرات, وإن إستخدموا الهاتف لتصريف الأعمال, همسوا, ولا تُسمع في المكاتب غير هينمات.
ولأن “الاخلاق الحسنة لا تكلف شيئاً”, على قولة المثل البريطاني العتيق, فإن إستخدام تعبيرات مثل:
“من فضلك” If you please أو “شكرا لك” Thank you أو “شكراً جزيلا”Thank you very much في الحوارات اليومية يمكن أن يجعل الأمور تسير بشكل أكثر سهولة, وقد لمست ذلك مراراً.
وكثيرًا ما تسمع كلمة “آسف”Sorry أو I Am so sorry في الشارع إن قام واحد, عن غير قصد منه, بمنع شخص آخر من المرور فى الطريق , أو إعترضه في صعود الحافلة أو على دَرَج المبنى, أو أي مواقع أخرى…
لكن الأدب في سلوك وطقوس العمل لا يقتصر فقط على تلك التعبيرات, فهناك العديد من الجوانب الأخرى الأكثر تعقيدا والمتعلقة بلغة الحوار وحل المشكلات في بيئة العمل, أخذت تدريجياً أفهمها وأتأقلم معها، وأهمها “إحترام الوقت” والمحافظة على المواعيد”… وأوافق “إيرين ماير”, الأستاذة المُحاضِرة في “المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال”, عندما كتبت في كتابها القيّم “خريطة الثقافة” أن “بريطانيا تُعد واحدة من أكثر الدول إنضباطا في المواعيد في العالم”. فقد خبرت ذلك وعايشته, وتعودت على ممارسته وإتباعه. وقد أدركت من التجربة أن التأخر عن مواعيد الإجتماعات المحددة لا يُنظر إليه بصورة إيجابية على الإطلاق, وقد يعطي إنطباعات سلبية, بغض النظر عن النيات الطيبة للمتأخرين.
ومن طقوس العمل “وقت الغداء” Lunch Time فيحق للموظف ساعة غداء, غالباً ما تُقضى في الحانات Pubs , وتناول الطعام مع كأس جِعة, وأحاديث تؤكد على التواصل. وغالباً ما كانت هذه اللقاءات تؤدي الى تلاقح الأفكار, فينتج عنها ما يثري العمل ويُغنيه.
كان الإسراف في تناول الكحوليات في أواخر السبعينات وعقد الثمانينات يُعَد من ثقافة العمل. وتدريجياً أصبح تناول تلك المشروبات في النهار أقل شيوعا, و تراجعت معدلات تناول الكحوليات بين الشباب البريطانيين عموما, مقارنة بما كان عليه الوضع, وصار مقتصراً على آخر يوم عمل في الأسبوع (يوم الجمعة). فيلتقي الزملاء والأصدقاء بعد إنتهاء دوام العمل, وهو في الغالب الساعة الخامسة والنصف مساء في الحانات Pubs أو في Wine Bars على كأس نبيذ أو “بيرة”, قبل بدء عطلة الأسبوع Weekend.
ومن أطرف الأمور التى وجب التأقلم معها فى مقر العمل, الطقوس الخاصة بالشاي والبسكويت, Tea Breaks فالبريطانيون يهتمون بتناول الشاي اليومي.
وقد كشفت دراسة أعدّها مصنع بسكويت “طوماس جي فودجيبز” وشملت 2000 موظف وعامل بريطاني، أن واحداً من بين كل أربعة أشخاص يحرص على إبرام صفقة خلال إجتماع واحد, لأن فناجين الشاي كانت تغمز لصحن”البسكويت” الذي كان حاضراً على طاولة الإجتماعات, يثير اللعاب ويُغريه. ولا يُترك “البسكويت” وحده, فيوضع على الطاولة معه قطع من الخبز والشوكولاتة والكعك… وهذه مع فناجين الشاي تنعش العقول, و لها رد فعل إيجابي يساعد على إتمام صفقة, أو مناقشة مشروع.
ومن طقوس التشريفات خلال العمل أن تعرض على الزائر فنجان شاي أو قهوة, لأن وصول الزبائن إلى مكتبك قد يكون أمراً شاقاً بسبب بُعد المسافات, أو إزدحام السير, أو مشاق التنقل بقطار الأنفاق… فلكي تحصل منهم على مبتغاك أو أقصى فائدة ممكنة, فمن المهم جداً أن تُحسن ضيافتهم.
في دردشة على فنجان قهوة ذات مرة مع لويس جريس, و كنت في مصر في إجازة قصيرة, نزلت على الكلام بيننا طقوس مناخ العمل في لندن, وإستغربت أمامه متسائلاً, كيف أن المصري في لندن يتبع في حواراته اليومية سلوك الإنجليز وآدابهم, وعندما يعود الى مصر ينسى ذلك السلوك تماماً…
ضحك لويس جريس وقال:
” ببساطة… لأنه لا يجد في مصر من يبادله ذلك السلوك!”.
***
ليس هناك أشد فتكاً من الصراع النفساني الداخلي, المتمثل بالقلق والخوف من الفشل. تسلطت هذه الفكرة على قلبي، قبل عقلي, فالمهمة لم تكن سهلة, والفجوة بدت لي شاسعة بين الواقع والطموح, فإنني أمثل مجلة غير موجودة وغير معروفة في لندن!
ففي ذياك الزمن, كانت جريدة “الأهرام” المطبوعة المصرية الوحيدة التي كنت تجدها في أكشاك باعة الصحف, وفي عدد قليل من المكتبات. وكانت تصل الى العاصمة البريطانية بعد يومين من صدورها, وتوزعها مؤسسة WHSmith وهي أعتق سلسلة متاجر تبيع الجرائد والكتب والقرطسية في بريطانيا (أسسها Henry Walton Smith مع زوجته آنا سنة 1793), فكيف يمكن ترويج وتسويق وحصد إعلانات لمطبوعة غير متوفرة في المكتبات, ولا أحد يعرف ماضيها وحاضرها, وأنها شيخة المجلات المصرية؟!
فبدأت أفتش عن موزع يعرف االسوق, وله مكانته في توزيع المطبوعات العربية, فدلوني على زياد فهيم, وهو عراقي المنبت, عصامي, كدَّ وإجتهد وكوّن لنفسه حيثية, وبَرَعَ في مهنة التوزيع التي كان أخذها حرفة عن والده في بغداد, فذهب سمعه بين الناس.
وبعدما نلت موافقة عبدالرحمن الشرقاوي, إلتقيت زياد فهيم فلم يتردد, قَبِلَ, وضع شروطه, حدد نسبة حصته من التوزيع, قبلت, وقّع على عقد ووقعّت معه… وصارت مجلة “روز اليوسف” يُنادى عليها في العاصمة البريطانية, وتحتل الصدارة في أكشاك باعة الصحف، وفي المكتبات الكبيرة التي تبيع الصحف التي تحكي بكل لغات العالم.
وكما توقعت أقبل المصريون عليها, وأسبوعاً بعد أسبوع أخذ التوزيع يرتفع, وتكوّن عندي تصوّر واضح لمدى إنتشارها, وكذلك تشخيص وافِ لشرائح قراء المجلة Readers Profile وهو أول ما تطلبه وكالات الإعلان.
… و بدأت روز اليوسف في الإنتشار.. و بقي لها أكسير الحياة !
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة