الرئيسية / صحافة ورأي / الذكاء الاصطناعي يهدد الإنترنت بانهيار بطيء

الذكاء الاصطناعي يهدد الإنترنت بانهيار بطيء

كثيراً ما ساد الاعتقاد أن هجوماً إلكترونياً كارثياً قد يقع في لمح البصر لكن يبدو الآن أنه سيكون بسرعة محدودة للغاية بقدر ما هو عصي على الإيقاف

أندرو غريفين
أندرو غريفين  محرّر التكنولوجيا ومراسل العلوم

نحن نخاطر بأن نجد أنفسنا في عالم يضطر فيه الجميع إلى بذل مزيد من الجهد لضمان أن تفوق فوائد الذكاء الاصطناعي أضراره (ماركوس سبيسكي/أنسبلاش)

ملخص

لا يحتاج انهيار الإنترنت إلى هجوم كارثي يوقف العالم في لحظة واحدة، فقد تقود هجمات إلكترونية مدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تآكل تدريجي في الأنظمة التي نعتمد عليها. ومع تراجع كلفة الاختراق وتعقيداته، يصبح التهديد أكثر اتساعاً وأقل وضوحاً، وربما أخطر مما نتخيل.

لم تقع كارثة كبرى حتى الآن: فلا طائرات تهوي من السماء، ولا حال من الذعر نتيجة انقطاع الكهرباء وتعطل خدمات البنى التحتية الحيوية، ولا قرصان إلكترونياً خارق القدرات يشل العالم بضربة واحدة، مستعيناً بنظام ذكاء اصطناعي قادر على فعل كل شيء، وجهاز كمبيوتر محمول، وسترة بغطاء رأس تخفي ملامحه.

ومع ذلك، شهدنا هذا الأسبوع لمحة عما قد يحدث فعلياً عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي لشل العالم وتعطيل أنظمته، لا عبر ضربة واحدة مدمرة، بل من خلال تدهور تدريجي في أداء الأنظمة وتراجع كفاءتها ببطء، نتيجة تعرضها لاختراقات متكررة تنفذها أنظمة آلية تعمل بلا كلل.

الأربعاء الماضي، نشر أحد المستخدمين في منتدى عام معلومات عن اكتشاف ثغرتين أمنيتين خطرتين في إحدى لغات البرمجة التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من شبكة الإنترنت. وتعرف هذه اللغة باسم “بي أتش بي” (PHP)، وهي تشغل نحو 70 في المئة من المواقع الإلكترونية حول العالم. مما دفع كثيراً من تلك المواقع إلى وقف خدماتها موقتاً تفادياً لأي اختراق محتمل. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، كانت 32 خدمة حكومية في المملكة المتحدة لا تزال غير متاحة بسبب هذه المشكلة العالمية في الأمن السيبراني.

وتعطلت مواقع إلكترونية حكومية، ومنصات مدرسية، وأنظمة في مستشفيات بأكملها، بعدما عمدت الجهات المشغلة لها إلى إيقافها لتجنب تعريض قواعد البيانات والأجهزة التي تعتمد عليها لخطر الاختراق، وربما كان بعضها قد تعرض للاختراق بالفعل. ففي غضون 24 ساعة فحسب، واجه الإنترنت اختباراً غير مسبوق، لم أشهد له مثيلاً طوال حياتي، وربما طوال عمر الشبكة نفسها.

لذلك، علينا الاستعداد للتعايش مع هذا المستقبل، فالهجمات الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي آتية لا محالة، وما شهدناه ليس سوى لمحة عن حجم التهديد الذي تمثله. لكن هذه الهجمات قد لا تقع بالطريقة الدرامية والشاملة التي اعتدنا تخيلها.

صحيح أن كارثة كبرى لم تقع حتى الآن، لكن تجنبها لا يعني أنها لم تكن محتملة، بل إن ما حدث يذكرنا بأن كوارث مماثلة قد تقع في المستقبل.

لقد شهدنا بالفعل نموذجاً مصغراً لما يمكن أن يحدث، ولا نحتاج إلا إلى النظر في الطرق الأخرى التي غير بها الذكاء الاصطناعي الإنترنت.

فعندما انتشر الذكاء الاصطناعي التوليدي، عرضت إمكاناته ومخاطره على حد سواء في صورة صاخبة ومثيرة: من المعلومات المضللة ومقاطع الفيديو المفبركة بتقنيات التزييف العميق، إلى المخاوف من أن نعجز يوماً عن التمييز بين الحقيقة والزيف. لكن النتيجة الفعلية تمثلت في طوفان من المحتوى الرديء المنتج بكميات هائلة، وفي تآكل تدريجي للثقة وتراجع في الذوق العام.

وبالمثل، فإن الثغرة الأمنية في لغة “بي أتش بي” لم تكتشف اليوم. فقد رصدها باحثون أمنيون عبر أساليب تقليدية ومعروفة، لكنهم افترضوا أنها معقدة ومحددة إلى درجة تجعل استغلالها غير عملي، وأن أحداً لن يبذل الوقت والجهد اللازمين لتحويلها إلى هجوم فعلي.

أما الآن، فلم يعد على أحد أن يتحمل ذلك العناء. فالذكاء الاصطناعي يجعل الأعمال المرهقة والروتينية سهلة وسريعة، ويلغي كثيراً من العقبات التي كانت تردع المهاجمين. وخطره في مجال القرصنة لا يكمن بالضرورة في ابتكار أنواع جديدة كلياً من الهجمات، بل في أنه يجبر المدافعين على إعادة النظر في افتراضاتهم القديمة في شأن الحدود التي قد يبلغها المهاجمون الإلكترونيون في سعيهم إلى الاختراق.

غالباً ما يقدم الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لأتمتة المهام المملة أو الشاقة. لكن لهذه المعادلة وجهاً آخر: فقد بني جانب كبير من عالمنا، بما في ذلك أنظمتنا الأمنية، على افتراض أن البشر لن يواصلوا إلى ما لا نهاية أداء المهام المملة أو المرهقة، وأنهم سيحجمون عن مواصلتها إذا تطلبت جهداً كبيراً.

وقد دار نقاش واسع حول ما إذا كان امتلاك هذه القدرات الحاسوبية وهذا المستوى من الذكاء أمراً إيجاباً في حد ذاته. لكن هذه المشكلة تكشف حقيقة أساس، وهي أن القدرة على فهم العالم والتخلص من أعباء العمل الشاق لا تعود بالنفع بالضرورة في جميع الأحوال.

فالذكاء الاصطناعي يتيح تنفيذ هذه الهجمات الإلكترونية، لكنه يساعدنا في الوقت نفسه على منعها والتصدي لها. وهو، إلى حد كبير، يقدم حلاً لمشكلة أسهم بنفسه في إيجادها. ونحن نخاطر بأن نجد أنفسنا في عالم يضطر فيه الجميع إلى بذل مزيد من الجهد لضمان أن تفوق فوائد الذكاء الاصطناعي أضراره.

وما نفتقده، جزئياً في الأقل، هو حسن التقدير. فالقضية ليست مقدار الذكاء المتاح، بل نوعيته وكيفية توظيفه. فالذكاء حين يسخر للشر أو حتى للتفاهة يصبح أسوأ من غيابه أصلاً.

وهي، في نهاية المطاف، مشكلة مملة على نحو لافت. فالكوارث العالمية الكبرى تستحوذ على انتباهنا وتستنهض حماستنا، أما التآكل البطيء للأشياء التي نعتمد عليها في حياتنا اليومية فلا يثير سوى اللامبالاة، إن انتبهنا إليه أصلاً.

فالدمار يجذب الأنظار ويستفز المشاعر، بينما يمر التدهور التدريجي بصمت، تاركاً وراءه شعوراً خافتاً بالإحباط. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فثغرات “بي أتش بي”، وغيرها من المشكلات المشابهة، تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يهدد العالم بأسره بالفعل، بل من خلال عملية استنزاف بطيئة ومضجرة إلى حد أننا قد لا ندرك وقوعها إلا بعد فوات الأوان.

© The Independent

شاهد أيضاً

حين يخاطب نتنياهو المرآة

«يذهبون غداً إلى صناديق الاقتراع. مكمن قاسٍ في منعطف خطر. إنَّه فرصة الخائبين والحاقدين. شحذوا …