الرئيسية / صحافة ورأي / الذكاء الاصطناعي.. ليس سداح مداح!

الذكاء الاصطناعي.. ليس سداح مداح!

مودي حكيم
مودي حكيم

لأستاذى ومعلمى وصديقى الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين طيب الله ثراه، مقال بعنوان «الانفتاح ليس سداح مداح» الذى نُشر على الصفحة الأولى لجريدة الأهرام فى ١٢ يوليو «تمّوز» ١٩٧٤، وانتقد فيه سياسة الانفتاح الاقتصادى الاستهلاكى فى عهد الرئيس السادات، مما آثار ضجة كبيرة، وغضبا حكومياً واسعاً. – سداح مداح تعبير شعبى مصرى يقصد به الأمر المتروك بلا رابط ولا ضابط -، لتتحول العبارة إلى مصطلح سياسى واقتصادى، وأنا أستعير عنوان مقاله الشهير للحذر والوعى عند التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعى، والانسياق امام مغرياته، حتى لا نقع فيما يضر بكيان أمتنا.

يُحدث الذكاء الاصطناعى ثورة فى مختلف القطاعات، ومع ذلك، فإن هذا التقدم المتسارع يفرز أيضاً مجموعة متزايدة من المخاطر. ووفقاً لتقرير «الوضع العالمى للذكاء الاصطناعى المسؤول فى المؤسسات»، تواجه المؤسسات عادةً أربعة مخاطر رئيسية مرتبطة بالذكاء الاصطناعى، وهى: سوء الاستخدام، وسوء التطبيق، والتمثيل المضلل، والمخاطر العرضية. ومع تصاعد التحذيرات الدولية والأممية للحكومات من مغبة «الانفتاح غير المنضبط» مع تقنيات الذكاء الاصطناعى، حيث أطلقت الأمم المتحدة، ووجهات دولية بارزة جرس الإنذار، معتبرة أن التسارع المحموم فى تطوير هذه التكنولوجيا دون ضوابط صارمة يمثل «تهديداً وجودياً للبشرية»، ومهدداً مباشراً للأمن القومى وحقوق الإنسان. مخاوف تتركز فى عدة محاور رئيسية تشمل مخاطر الأمن والسيادة، والاستقرار الاقتصادى والاجتماعى. مخاطر قد تضر بكيان أمتنا إذ لم نتوخى الحظر فى اختيار العاملين، والاندفاع نحو الذكاء الفائق

ذُكر التعبير الشعبى مع الفارق الكبير، فقط من باب التحذير، ليس إلإ، مع خبر الإعلان عن تدريب ٣ ملايين مواطن على مفاهيم «الذكاء الاصطناعى» لرفع الوعى وبناء القدرات فى هذا المجال لذا وجب التذكير بعدم السماح بانفتاح متسرع على كبرى شركات الذكاء الاصطناعى وسباقها المحموم لتطوير تقنياته والغير مسؤول لابتكار ذكاء فائق، رغم اقتناع بعض القائمين فيها على أن بناء هذة الأنظمة، قد تتسب فى كوارث تنهى الوجود، كما أعلن ج كوكسون الباحث السابق فى شركتى أوبن أيه وانثروبيك فى مذكرة استقالته.

يُشكّل سوء استخدام الذكاء الاصطناعى مخاطر جسيمة، تشمل الهجمات الإلكترونية واسعة النطاق، والاحتيال المتفشى، وانتشار المعلومات المضللة. وأبرز مخاطره، استخدام المجرمون الذكاء الاصطناعى لكتابة برامج خبيثة، وأتمتة عمليات الاختراق، وتطوير برمجيات خبيثة يصعب اكتشافها. تُمكّن تقنية التزييف العميق من مقاطع فيديو وصوت مزيفة فائقة الواقعية، المحتالين من انتحال شخصيات موثوقة، وسرقة الأموال، وارتكاب جرائم سرقة الهوية. يستخدم المجرمون الذكاء الاصطناعى التوليدى فى التضليل الإعلامى لإنشاء دعاية رخيصة ومقنعة وأخبار مزيفة للتلاعب بالرأى العام والتدخل فى الانتخابات. انتهاكات الخصوصية والسرية: قد يؤدى إدخال بيانات شخصية أو بيانات خاصة بالشركات حساسة فى أدوات الذكاء الاصطناعى العامة إلى كشف معلومات خاصة وانتهاك قواعد حماية البيانات. قد تُسيء جماعات أو دول غير مسؤولة استخدام الذكاء الاصطناعى لبناء أنظمة أسلحة ذاتية التشغيل أو تعزيز التهديدات البيولوجية والكيميائية.

… والقضاء أيضاً متخوف من مخاطر الانفتاح غير المنضبط، مع قلق شديد إزاء جانبين محددين، يتعلق الأول بالوثائق -سواء كانت قضائية أو غيرها- التى تتضمن معلومات خاطئة أو غير دقيقة، بما فى ذلك الاستشهادات القانونية، وذلك نتيجةً لسوء استخدام الذكاء الاصطناعى. إذ يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعى أن تُنتج ما يُعرف بـ «الهلوسة» (hallucinations)، حالات «هلوسة» الذكاء الاصطناعى فى العمل القانونى والمذكرات المقدمة للمحاكم؛ حيث تلقت جهات قضائية حول العالم بلاغات من مسؤولين قضائيين رفيعى المستوى حول انتهاكات محتملة لمدونة قواعد السلوك المهنى لديهم. حيث تولّد قضايا أو مراجع وهمية أو ادعاءات تبدو واقعية ومقنعة رغم افتقارها لأى أساس من الصحة، كما ساور القلق جهات قضائية عالمية للمخاطر التى تهدد سرية بيانات العملاء عند استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعى، فقد كما سُجلت حالات عديدة أبلغ فيها محامون طواعيةً عن اعتمادهم على أدوات ذكاء اصطناعى أنتجت محتوى غير دقيق أو مضللاً.

إن حوكمة الذكاء الاصطناعى تملكها شركات توثر فى القرار السياسى وسيادة الدول، والاندفاع نحو الذكاء الاصطناعى دون وجود أنظمة مواءمة حقيقية خطر يؤدى لفقدان دائم وغير قابل للترميم للسيطرة البشرية. فموازين القوة، ترصد ٤ شركات تكنولوجيا عملاقة عام ٢٠٢٦ وحدها ٦٥٠ مليار دولار للاستثمار فى الذكاء الاصطناعى، وهو مبلغ يتجاوز موازنات الدفاع لجميع دول الاتحاد الأوروبى مجتمعة. ويمثل هذا الرقم قفزة متسارعة مقارنة بالعام الماضى الذى شهد إنفاق ١٥٥ مليار دولار، متجاوزا ما أنفقته الولايات المتحدة آنذاك على التعليم والتدريب والخدمات الاجتماعية مجتمعة. تعد الصين الدولة الوحيدة التى نجحت فى تفكيك شركات تقنية لديها خلال حملة تطهير استمرت ٣ سنوات.

إن رصد المخاوف التى تتنامى بشأن السلطة التى يملكها الذكاء الاصطناعى، خاصة عند النظر إليها انطلاقا من قاعدة «من يملك الثروة يملك النفوذ» ومع امتلاك هذه الشركات للأصول الرقمية الاستراتيجية كمراكز البيانات الضخمة والرقائق الإلكترونية، بدأت شركات الذكاء الاصطناعى تتحول فعليا إلى قوى جيوسياسية وسياسية نافذة. وباتت هذه الشركات قادرة على التأثير المباشر فى الاقتصاد والمجتمعات وفى صناعة القرار السياسى، لتنافس الحكومات والدول فى أدوار وسيادات لطالما كانت حكرا عليها، مما يضع مستقبل السيادة البشرية فى مواجهة آلات فائقة الذكاء تسير دون أطر قانونية أو أخلاقية حقيقية.

شاهد أيضاً

عندما يفقد كل شيء معناه في “منظمة آل يونسكو”

مسرحية مصرية تستدعي 5 نصوص لرائد الدراما العبثية يسري حسان مسرحخة مصرية تعتمد نصوص الكاتب …