الرئيسية / علوم وتكنولوجيا / حين يعرف وكيل الذكاء الاصطناعي ما تشعر به.. هل يبقى القرار لك؟

حين يعرف وكيل الذكاء الاصطناعي ما تشعر به.. هل يبقى القرار لك؟

لطالما كانت العاطفة أحد العوامل التي تؤثر في قرارات الإنسان، بينما ارتبطت الآلة بصورة النظام الذي لا تحكمه الانفعالات، فالإنسان قد يشتري ما لا يحتاجه لأنه قلق، أو يتخذ قرارا متسرعا لأنه غاضب، أو يرى العالم من زاوية مختلفة عندما يكون تحت الضغط. أما الآلة، فكان يُفترض أن تظل بمنأى عن هذه التقلبات، وألا ينتقل أثر يوم سيئ إلى قرار تتخذه.

لكن الحدود بين الاثنين بدأت تصبح أقل وضوحا، فالآلة لا تحتاج إلى قلب ينبض حتى يتغير سلوكها تحت تأثير السياق العاطفي. يكفي أن تتلقى إشارات عن الضغط أو القلق، أو أن تبني صورة عن الشخص الذي تتصرف نيابة عنه، حتى يتغير ما تفعله. القرار قد يبقى أمامها بالخيارات نفسها، والمهمة قد تبقى هي نفسها، لكن الطريق الذي تسلكه للوصول إلى القرار يمكن أن يتغير.

وتصبح هذه المفارقة أكثر أهمية مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الإجابة إلى مرحلة الفعل، ومن نموذج يقترح عليك ما تشتري، إلى وكيل يشتريه، ومن أداة تنفذ تعليماتكَ، إلى وكيل يحاول أن يتصرف بالطريقة التي يعتقد أنك كنت ستتصرف بها.

في هذه المنطقة تحديدا، لم تعد المسألة متعلقة بما إذا كانت الآلة تشعر بالعاطفة، بقدر ما تتعلق بما إذا كان السياق العاطفي قادرا على تغيير أفعالها.

تجربة تسوق أظهرت محاكاة أن تعريض وكلاء الذكاء الاصطناعي لسرديات تستحضر القلق دفعهم إلى اختيار سلال غذائية أقل صحة، رغم بقاء المهمة وقيودها دون تغيير (بيكسابي)

حين يصبح السياق جزءا من القرار

هذه ليست مجرد استعارة عن آلة تتصرف كالبشر، بل سلوك بدأ يظهر في التجارب على نماذج الذكاء الاصطناعي، ففي دراسة حديثة نشرت في مجلة “إن بي جيه الذكاء الاصطناعي” (npj Artificial Intelligence) التابعة لمجموعة “نيتشر” (nature)، اختبر باحثون كيف يمكن للسياق العاطفي المحيط بالمهمة أن يغير سلوك وكلاء الذكاء الاصطناعي، إذ وضع الباحثون هؤلاء الوكلاء أمام مهمة تسوق في بيئة تجزئة محاكاة، طُلب منهم خلالها اختيار مواد غذائية ضمن ميزانية محددة.

بعد تنفيذ المهمة في سياق محدد، أعيدت التجربة بعد تعريض الوكلاء لسرديات شخصية صُممت لاستحضار حالة من القلق، من دون تغيير المهمة الأساسية أو قيودها. وأجريت الدراسة عبر 3 نماذج للغة بإجمالي 2250 تجربة. وعندما تغير السياق، اتجهت السلال التي كونوها إلى خيارات غذائية أقل صحة مقارنة بالحالة المحايدة، وهو ما ظهر بصورة متسقة عبر النماذج التي اختبرتها الدراسة.

بهذا المعنى، لم يظهر أثر السياق العاطفي في الكلمات التي استخدمها الوكيل فحسب، بل امتد إلى القرار الذي أخذه داخل بيئة التسوق. وتتعامل الدراسة مع هذا بوصفه تغيرا سلوكيا مُرتبطا بالسياق، لا دليلا على أن النموذج اختبر القلق أو شعر به بالمعنى الإنساني.

حين لا تكفي التعليمات

إذا كان السياق العاطفي قادرا على تغيير سلوك الوكيل، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدا عندما يكون السياق متعلقا بالشخص الذي يفترض أن يتصرف النظام نيابة عنه. فالوكلاء لا يعملون بالضرورة وفق التعليمات بمعزل عن السياق المحيط بها، بل يتزايد اعتمادهم على المعلومات الشخصية التي تساعدهم على فهم ما يريده المستخدم واتخاذ القرارات بالنيابة عنه.

وهذا التحول واضح في أنظمة استخدام الحاسوب التي تتيح للوكلاء تنفيذ أفعال مباشرة، مثل فتح صفحات الويب، وتسجيل الدخول إلى البريد الإلكتروني. وبحسب بهادا يون، الباحث في التفاعل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي وطالب الدكتوراه في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، فإن منح الوكيل هذه الدرجة من الاستقلالية يُفترض أن يمتلك قدرا من المعرفة بقيم المستخدم وسياقه الشخصي، وإلا فقد ينتهي به الأمر إلى تمثيله بصورة غير صحيحة.

ولا تأتي هذه المعرفة بالضرورة في صورة معلومات يكتبها المستخدم للوكيل بصورة مباشرة، ويلفت يون في هذا السياق إلى مفهوم “التعلم ضمن السياق” (In-Context learning)، حيث يستطيع النموذج استخدام المعلومات المتاحة أمامه لفهم المطلوب وتحديد الطريقة المناسبة لإنجاز المهمة. لكن السياق، بحسبه، “ليس بالضرورة أن يكون مقصودا أو مباشرا”.

وهذا يفتح الباب أمام نوع آخر من المعرفة، وهي تلك المعلومات التي يستنتجها النظام بدلا من أن يتلقاها صراحة. ويشير يون، في حديثه للجزيرة نت، إلى أبحاث أظهرت قدرة نماذج اللغة الكبيرة على استنتاج معلومات شخصية ضمنية من منشورات المستخدمين، حتى عندما لا يصرح أصحابها بها مباشرة.

وبذلك، فإن الصورة التي يبنيها الوكيل عن الشخص الذي يمثله ربما لا تتكون فقط من التفضيلات التي اختار المستخدم مشاركتها، بل أيضا من أنماط الكتابة والمعلومات المتناثرة والسياق الذي يحيط بها. ولهذا يرى يون أن فهم الوكيل لقيم المستخدم وسياقه الشخصي “يمكن أن يغير بشكل جوهري القرارات التي يتخذها”، حتى عندما تكون تلك المعلومات ضمنية أو مستنتجة من معلومات محدودة أو غامضة.

يون يرى أن امتلاك الوكيل معرفة بقيم المستخدم وسياقه الشخصي أمر أساسي لاتخاذ قرارات تمثّله بصورة صحيحة، لكنه قد يستنتج هذه المعرفة من معلومات لم يشاركها المستخدم صراحة (حساب يون على لينكد إن)

النموذج ليس الوكيل

لكن لفهم كيف يمكن لهذه المعلومات أن تدخل في عملية اتخاذ القرار، يرى يون ضرورة التمييز بين نموذج اللغة والنظام الأوسع الذي يعمل بداخله. فنموذج اللغة يمكن النظر إليه بوصفه نظاما يتنبأ بما يأتي بعد ذلك استنادا إلى السياق، لكن الوكيل الذي يتصرف نيابة عن الإنسان يتكون من أكثر من النموذج نفسه .

ويشرح يون أن ما يسمى “هارنس” (Harness) يمثل الإطار أو البيئة التي يعمل فيها النموذج، بما يشمل مصادر البيانات وآليات تحديثها والذاكرة وغيرها من المكونات. ومن هذه الزاوية يصبح نموذج اللغة مجرد جزء من منظومة أكبر، بينما توجد طبقة أخرى تحتفظ بالسياق والمعلومات التي يمكن أن يعتمد عليها الوكيل عند اتخاذ قراراته.

وهذا التمييز مهم، لأن التأثير في سلوك الوكيل ربما لا يأتي من النموذج اللغوي وحده، وإنما من المعلومات التي تحيط به والذاكرة التي يستطيع الوصول إليها والأدوات التي يسمح له باستخدامها. كما أن جعل النظام يتقمص شخصية مستخدم أو شخص ينتمي إلى سياق معين يمكن أن يؤدي، بحسب يون، إلى تغير واضح في نوعية الاستجابات والقيم التي يعبر عنها.

لكن هذا التأثير لا يبقى بالضرورة في المنطقة المحايدة، إذ يرى يون أن تغيير القرارات استنادا إلى فهم قيم المستخدم وسياقه يمكن أن يُنظر إليه أيضا بوصفه نوعا من انحياز النموذج إذا حدث بطريقة سلبية أو غير متوقعة، ومن هنا تظهر مسألة الخصوصية.

لكي يمثلك عليه أن يعرفك

بالنسبة إلى يون، فإن زيادة كمية المعلومات المتاحة للوكيل، وتحسين نوعيتها ومصدرها، يمكن أن ترفع من قابلية التنبؤ بسلوكه وموثوقيته، فالإنسان لا يحتاج إلى شرح كل خلفية طلبه لشخص يعرفه جيدا، إذ يمكن لسياق مشترك أن يجعل عبارة قصيرة أو غامضة كافية لفهم المقصود.

لكن هذه الميزة لها حدود، فالطريقة التي يتحدث بها الشخص مع نموذج لغوي ليست بالضرورة الطريقة التي يريد التحدث بها مع أطفاله، أو مع مديره، أو مع أشخاص آخرين في حياته. ولهذا يؤكد يون أن “المسألة تظل سياقية”، وأن امتلاك سجل طويل عن المستخدم قد يساعد الوكيل على فهمه بصورة أفضل، لكنه لا يعني بالضرورة أنه أصبح قادرا على تمثيله في كل موقف.

فليس المطلوب أن يعرف النظام ما يقوله المستخدم فقط، بل أن يفهم كيف يختلف سلوكه باختلاف الأشخاص والمواقف.

يون يرى أن الوكيل لا يتكون من نموذج اللغة وحده، بل من منظومة تشمل الذاكرة ومصادر البيانات والأدوات التي يمكن أن تؤثر في قراراته وتمثيله للمستخدم (بيكسل)

تمثيل للإنسان أم اختزاله؟

كلما اقترب الوكيل من التصرف نيابة عن الإنسان، ازدادت حاجته إلى معرفة هذا الإنسان. ويرى يون أنه إذا امتلك النظام سجلا طويلا من المعلومات التي قدمها المستخدم، فقد يصبح قادرا، في بعض المهام، على الاقتراب من الطريقة التي كان المستخدم نفسه سيتعامل بها مع المهمة.

أما إذا اقتصر الأمر على فتح “شات جي بي تي” أو “كلود” وطلب كتابة رسالة بريد إلكتروني نيابة عن المستخدم، فقد تكون النتيجة مختلفة. ويقول يون إن المستخدم قد ينتهي به إلى الظهور “مثل أي شخص آخر تقريبا” يستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة رسائله.

وهنا تظهر المفارقة، فإذا أردنا من الوكيل أن يمثلنا بأمانة، فلا بد أن نعطيه قدرا كبيرا من السياق عنا. لكن كلما ازداد هذا السياق، ازدادت كمية التفاصيل الشخصية التي يحتاج النظام إلى معرفتها والاحتفاظ بها.

ويختصر يون هذه المعضلة في سؤالين متلازمين: كيف يمكن توفير السياق الذي يحتاجه الوكيل بطريقة تحافظ على الخصوصية؟ وكيف يمكن فعل ذلك من دون “تسطيح الفروق الدقيقة” في شخصية الإنسان؟ فالطريقة التي يتصرف بها الشخص في موقف معين ربما لا تكون الطريقة نفسها التي يتصرف بها في موقف آخر، وهذه الفروق الدقيقة يصعب جمعها أو اختزالها في مجموعة ثابتة من البيانات.

ولهذا، لا يرى يون أن التحدي يقتصر على منح الوكلاء مزيدا من الاستقلالية، بل يمتد إلى فهم حدود معرفتهم بالإنسان الذي يمثلونه، وكيف يمكن لهذه المعرفة أن تكون كافية لجعل قراراتهم أكثر دقة، من دون أن تتحول إلى صور مبسطة أو ناقصة عن صاحبه.

حين تتدخل العاطفة في الحكم

ولا يبدو أن تأثير السياق العاطفي يقتصر على قرارات الشراء. ففي دراسة بعنوان “هل تؤثر المشاعر في الحكم الأخلاقي لنماذج اللغة الكبيرة؟” (Do Emotions Influence Moral Judgment in Large Language Models)، نشرت ضمن “فايندينغ أوف إيه سي إل 2026” (Findings of ACL 2026)، اختبر الباحثون إذا كان إدخال مشاعر في مواقف أخلاقية يمكن أن يغير الأحكام التي تصدرها النماذج اللغوية الكبيرة.

ليس المطلوب أن يعرف النظام ما يقوله المستخدم فقط، بل أن يفهم كيف يختلف سلوكه باختلاف الأشخاص والمواقف (بيكسابي)وأظهرت النتائج أن إدخال المشاعر أدى إلى تغيرات في تقييم النماذج لمدى مقبولية الأفعال، إذ ارتبطت المشاعر الإيجابية بزيادة القبول الأخلاقي، بينما ارتبطت المشاعر السلبية بانخفاضه. وفي بعض الحالات، كان التأثير كافيا لقلب الحكم الأخلاقي الثنائي للنموذج، ووصل إلى 20% من الحالات .

كما وجدت الدراسة أن بعض المشاعر لم تتصرف بالطريقة التي يمكن توقعها من كونها إيجابية أو سلبية، إذ أدى الندم مثلا في بعض الحالات إلى زيادة تقبل الفعل.

وتزداد أهمية هذه النتيجة، لأن الدراسة لم تجد لدى البشر التحولات المنهجية نفسها التي ظهرت لدى النماذج، وهو ما وصفه الباحثون بأنه فجوة في المحاذاة بين استجابات النماذج واستجابات البشر.

الشعور ليس هو المعيار

لكن تغير سلوك النموذج تحت تأثير سياق عاطفي لا يحسم مسألة امتلاكه للعاطفة. ففي ورقة بحثية حديثة بعنوان “نماذج اللغة الكبيرة لا تملك مشاعر” (Large language models do not have emotions)، نشرتها مجلة “نيتشر هيومن بيهافيور” (Nature Human Behaviour)، يناقش الباحثون مسألة العواطف لدى نماذج اللغة الكبيرة من منظور وظيفي، ويرون أن غياب التجربة الشعورية الواعية لا يكفي وحده معيارا للحكم على وجود العاطفة، لأن العواطف تؤدي وظائف تتعلق بكيفية تفسير العالم والاستجابة له.

ومع ذلك فإن تغير السلوك يظل أمرا يمكن رصده وقياسه، بصرف النظر عن السؤال المتعلق بوجود تجربة شعورية داخل النموذج. ففي تجربة التسوق، أدى تغيير السياق إلى تغير في اختيارات الوكلاء، وفي دراسة الأحكام الأخلاقية أدى إدخال حالات عاطفية إلى تغير في أحكام النماذج.

ولا تثبت هذه النتائج أن النماذج اختبرت القلق أو الندم كما يختبرهما الإنسان، لكنها تظهر أن السياق العاطفي يمكن أن يدخل في الطريقة التي تتخذ بها النماذج قراراتها.

بحث نشرته مجلة “نيتشر هيومن بيهافيور” ناقش العواطف لدى نماذج اللغة من منظور وظيفي، مشيرا إلى أن غياب التجربة الشعورية الواعية لا يكفي وحده للحكم على وجود العاطفة (بيكسابي)

من الفهم إلى السلطة

كلما اتسعت قدرة الوكيل على معرفة الإنسان، لم تعد خصوصية البيانات وحدها هي القضية. فالمعلومات التي يجمعها عن عاداتنا وتفضيلاتنا وحالاتنا النفسية وتناقضاتنا قد تتحول إلى سياق يدخل مباشرة في القرارات التي يتخذها نيابة عنا. وما يبدو اليوم وسيلة لجعل الوكيل أكثر فهما للمستخدم، قد يتحول غدا إلى قدرة على التنبؤ بما سيختاره، وربما التأثير في اختياره.

وربما أكثر ما يثير القلق أن الآلة قد تعرف عنا أشياء لم نقصد يوما أن نقولها، وربما أشياء لم نكن نعرف أنها تكشفنا. ومع تراكم هذه المعرفة، تتحول المشكلة من قدرة الآلة على محاكاة مشاعرنا، إلى قدرتها على قراءة دوافعنا ونقاط ضعفنا، ثم تحويل هذه المعرفة إلى أساس تتخذ عليه قرارات تمس حياتنا. فالخطر ليس أن تصبح الآلة شبيهة بالإنسان، بل أن تصبح بارعة إلى الحد الذي يجعلها تفهم الإنسان أكثر مما ينبغي.

المصدر: الجزيرة

شاهد أيضاً

تريليون دولار على المحك.. هل تتحمل بنية الشرق الأوسط التحتية ثورة الذكاء الاصطناعي؟

يتوقع تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي فرصاً اقتصادية ومستدامة تتجاوز تريليون دولار في المنطقة بحلول 2030، لكنه يحذّر …