بعد موجة إغلاقات ابتلعت مكتبات الجالية في العاصمة البريطانية خلال الأعوام الماضية لأسباب داخلية وخارجية
ملخص
بين 2025 و2026 افتتحت في لندن مكتبتان عربيتان. المشهد كان قبل أعوام قليلة نقيض ذلك تماماً، إذ ابتلعت موجة إغلاقات مكتبات “الأهرام” و”الوراق” و”الكشكول” و”الماجد” و”الهاني” و”الشروق” و”الرافد”، وانتهت بإغلاق “الساقي” في نهاية عام 2022، فما الذي أعاد هذا النشاط الثقافي إلى مدينة الضباب؟
مطلع أغسطس (آب) 2026 فتحت مكتبة “آفاق” أبوابها في شارع “إدجور رود” وسط العاصمة البريطانية لندن، تجمع الكتاب العربي والإنجليزي والقرطاسية إلى جانب مقهى. سبقتها إلى الشارع نفسه في عام 2025 مكتبة “كرمة كوشن” التي تعنى في الدرجة الأولى بالإنتاج الفكري السوداني. المشهد كان نقيض ذلك تماماً في عاصمة مدينة الضباب قبل أعوام قليلة فقط، إذ ابتلعت موجة إغلاقات مكتبات “الأهرام” و”الوراق” و”الكشكول” و”الماجد” و”الهاني” و”الشروق” و”الرافد”، وانتهت بإغلاق “الساقي” في نهاية عام 2022.
فيما يخص “آفاق”، يقول مؤسسها ناصر أحمد الشمري في حديث مع “اندبندنت عربية”، إن فكرة المكتبة بصورتها الحديثة ولدت لديه أثناء دراسته الإنجليزية في جامعة أكسفورد، فهناك المكتبات مساحات يقضي فيها القارئ ساعات بين القراءة والمقهى واللقاء والتجربة الثقافية، نقل المفهوم أولاً إلى وطنه الكويت، وعندما نمت التجربة وامتدت إلى قطر، شعر أن الخطوة الطبيعية التالية هي أن ننتقل من مؤسسة تشارك في المعارض الدولية إلى مؤسسة لها وجود دائم داخل واحدة من أهم عواصم النشر والثقافة في العالم.
ما شجع الشمري أيضاً، وفق قوله، أن لندن تضم مجتمعاً عربياً واسعاً ومتنوعاً يحتاج إلى مكتبة تقدم الكتاب العربي بصورة مهنية ومعاصرة، لا كمجرد سلعة، بل ضمن مساحة ثقافية تجمع القراء والمؤلفين والناشرين. وأراد أن تكون “آفاق” جسراً بين الثقافتين البريطانية والعربية، ومنصة تساعد الكتاب الكويتي والخليجي والعربي على الوصول إلى جمهور أوسع.
على ضفة “كرمة كوش”، فإن مديرها عبدالرحيم أبا يزيد يعمل في توزيع الكتب منذ صغره، وقد كبر هذا الاهتمام بداخله وانتقل معه في كل جغرافيا حتى انتهى به المطاف في عاصمة الضباب، فكان منزله هو مكتبته ثم قرر مع صديق أن يؤسسوا مقراً يسهمون من خلاله في نشر الإنتاج الثقافي العربي والسوداني على وجه الخصوص، كما يقول.
ولفت أبا يزيد في حديث مع “اندبندنت عربية” إلى أن التمويل هو أكبر التحديات التي تواجه المكتبات المستقلة، لذا تجد هذه المنشآت في بريطانيا وأوروبا عموماً، دعماً من الحكومات والمنظمات الفكرية، يراوح ما بين المساعدة المباشرة والمؤازرة التسويقية أو الترويجية عبر فعاليات ومعارض تساعد المكتبات على الانتشار وجذب القراء.
والكلفة المرتفعة كانت من بين أسباب تراجع المكتبات العربية في لندن قبل أعوام عدة، كذلك فإن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ترتب عليه مزيد من الأوراق الجمركية، وارتفاع في كلفة الشحن، وأثر أيضاً تداعي عمل المطابع في بلاد العرب.
تعود بداية المكتبة العربية في لندن إلى 1978، حين افتتح اللبنانيون أندريه كسبار وزوجته سلوى وصديقتهما مي غصوب مكتبة “الساقي” في شارع “ويستبورن غروف” غرب المدينة، بعد فرارهم من الحرب الأهلية في بيروت. قالت سلوى كسبار إن المؤسسين وجدوا في لندن آنذاك “عرباً كثراً لكن ثقافة عربية قليلة”، وإن غصوب كانت تفتش في دليل الهاتف عن الأسماء ذات الوقع العربي لترسل إليها قائمة العناوين المتوافرة، فلم تتجاوز القائمة صفحة واحدة في تلك الأيام.
لم تبق “دار الساقي” وحدها طويلاً، فقد رافقها أو تلاها على امتداد العقدين التاليين عدد من المكتبات أُسست في لندن، منها “دار الحكمة” عام 1991، و”الهدى” التي تخصصت في كتب الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية، و”الأهرام” التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية في “إدجوير رود” الملقب بشارع العرب، و”الوراق” في “هامرسميث” المعروفة بكتب التراث، ومكتبة “الكشكول” التابعة لدار “رياض الريس” اللبنانية، إضافة إلى مكتبات “الماجد” و”الهاني” و”الشروق” و”الرافد”.
لم يكن ذلك الانتشار منفصلاً عن تحول لندن في تلك الحقبة إلى عاصمة للصحافة والنشر العربيين المهاجرين، إذ استقرت فيها صحف ودور نشر هربت من الرقابة أو الحرب في بلدانها، فوجدت المكتبات جمهوراً جاهزاً من القراء والصحافيين والأكاديميين والمنفيين والطلاب، إلى جانب زوار كانوا يقصدون العاصمة البريطانية صيفاً.
كانت الوظيفة الأهم لتلك المكتبات أنها باعت ووزعت ما كان ممنوعاً في العالم العربي. في 1988 بعد نشر رواية “آيات شيطانية” لسلمان رشدي، حطمت واجهة “الساقي” الزجاجية، وروت كسبار لـ”أن بي آر” أنها تلقت تهديدات بإحراق المكتبة فاتصلت بالشرطة، فسألها الضابط إن كانت أرباح الكتاب تستحق المخاطرة بالمكتبة كلها، غير أن هذه الوظيفة تآكلت حين صار الكتاب الممنوع متاحاً للتحميل في دقائق ليقرأه الناس على الهاتف أو الحاسوب.
ثمة عامل بنيوي أضيق أثراً لكنه أشد حسماً، وهو حجم السوق، فوفق تعداد عام 2021 الذي نشرت نتائجه هيئة الإحصاء الوطنية البريطانية، بلغ عدد المنتمين إلى الفئة العرقية العربية في إنجلترا وويلز نحو 0.3 مليون شخص، أي 0.6 في المئة من مجموع السكان. وهذا حجم لا يكفي وحده لتغطية إيجار متجر في وسط لندن أو غربها، وهو ما جعل المكتبات العربية تعتمد إلى حد بعيد على السياح والزوار، ومع تراجع تدفق هؤلاء بعد الجائحة، تضعضع العمود الفقري للمبيعات.
هناك بعد قانوني أضعف الجدوى أيضا، فقد روت كسبار مرة أن نسخاً مقرصنة من إصدارات “الساقي” كانت تباع على مسافة تقل عن ميل من المكتبة في “إدجوير رود”، وأن رسالة إنذار من محامٍ أدت إلى سحبها ثم عادت إلى الرفوف بعد أسبوع، وأن المحامي نصحهم في النهاية بأن كلفة ملاحقة القضية ستفوق ثمن الكتب المقرصنة نفسها.
كافحت “الساقي” من أجل البقاء بعد إغلاق “الأهرام” و”الماجد” و”الهاني” و”الشروق” و”الرافد”، وفي نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2022، أغلقت “الساقي” أبوابها بعد 44 عاماً.
لم يتبق من الرعيل القديم إلا “دار الحكمة” التي يديرها حازم محمود السامرائي، وقد قال في حديث مع “اندبندنت عربية” إن لندن كانت تجمعاً للمعارضين العرب، كذلك تجد فيها الكتب الممنوعة، إضافة إلى أن الجالية كانت تحتاج إلى مطبوعات مثل القواميس. لافتاً إلى أن القراءة كانت منتشرة أكثر، والكتب مصدر معرفة أساس، لكن بعدها جاء الإنترنت والفضائيات وبعدها الهواتف الذكية، ثم وسائل التواصل وظهر الكتاب الإلكتروني، وكلها عوامل حدت من دور المكتبات العربية وقلصت حضورها.
يحكي السامرائي أن سر بقاء مكتبته على قيد الحياة يكمن بمحدودية كلفتها، وتجنبه للمظاهر التي أوقعت مؤسسات عدة في فخ الخسارة، لكنه يشدد على أن الإغلاق طال حتى المكتبات البريطانية الورقية بعدما اتجه الناس إلى الكتب الإلكترونية، وحتى من يقرأ كتاباً ورقياً فقد بات يطلبه عبر متاجر البيع الإلكتروني، ويصله إلى منزله، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة وجود مهتمين بالمكتبات حتى اليوم، فيأتونها لتصفح الكتب واختيار ما يلائم ذائقتهم الفكرية.
لم تتغير غالبية الأسباب التي قادت إلى إغلاق المكتبات العربية قبل أعوام، ولكن الجالية العربية في بريطانيا اليوم لم تعد نفسها التي خاطبتها مكتبات السبعينيات، إذ دفعت الحرب في السودان منذ 2023 موجة نزوح جديدة نحو المدن الأوروبية، وهو ما يفسر قيام مكتبة تخصص رفوفها للإنتاج السوداني. ورفعت حرب غزة الطلب على الكتاب المتصل بالمنطقة بالعربية، كما عادت حركة السياحة للانتعاش بعد انتهاء تأثير “كورونا” و”بريكست”، كذلك زاد السوريون من تعداد الجالية واهتمام أبنائها بالمنتج الثقافي والفكري العربي.
مقولة عزوف العرب عن القراءة، وهي الأكثر تداولاً في تفسير موجة الإغلاقات، لا تبدو مقنعة بالنسبة إلى البعض، ولكن في المقابل، فإن افتتاح مكتبتين عربيتين في غضون عام تقريباً لا يكفي وحده لإثبات تعاف مستدامٍ في المجال ما دامت الأسباب البنيوية لم تتغير، بل يمكن القول إن التحديات واحدة.
في منتصف أغسطس، نشر عضو مجلس بلدية ويستمنستر عن حزب المحافظين إليوت كيك صوراً قال إنه التقطها داخل “آفاق”، تظهر نسخاً عربية من كتاب “كفاحي” لأدولف هتلر معروضة على إحدى الطاولات الرئيسة، وانتقدت منظمة “كوميونيتي سيكيوريتي ترست” المعنية بأمن الجالية اليهودية عرض الكتاب وقالت إنه “لا ينبغي لأي مكتبة عربية في لندن أن تنشره أو تروج له”، فيما وصف “مجلس القيادة اليهودية” الأمر بأنه صادم. ردت المكتبة، وفق صحيفة “ذا جويش كرونيكل”، بأنها كانت تحتفظ بثلاث نسخ فقط وضعت بين كتب التاريخ على مسافة نحو 18 متراً من المدخل ولم تبع أياً منها، منوهة بأن وجود كتاب تاريخي مثير للجدل على الرف لا يعني تبني أفكاره.
بهاء العوام محرر في اندبندنت عربية
مجلة 24 ساعة