الفنانة نادية لطفي تحرر ملحقاً صحافياً والمطرب عبدالحليم حافظ يغني ويكتب مقالاً والكاتب نجيب محفوظ على الجبهة مع الجنود

من أول زيارة قام بها الفنانين للجبهة تحديداً محافظة السويس (مجلة الكواكب)
ملخص
حينما تذكر فترة ما قبل حرب أكتوبر في مصر فإن الخطاب المتداول غالباً ما يرتبط بالجانب العسكري واستعداد الجيش والعمليات والفدائية ومحاولات استنزاف إسرائيل، على رغم أن الوجه الآخر لهذا السياق يتمثل في الدور الذي قام به الفنانون والمثقفون لدعم الجنود ورفع الروح المعنوية وخلق جبهة فنية وثقافية لا تقل في الأهمية عن العسكرية.
يعرف الناس الفنانة الراحلة نادية لطفي بوصفها واحدة من أهم نجمات السينما المصرية في عقود سابقة، وربما تمثل مفاجأة للبعض أنها أشرفت على تحرير ملحق صحافي في مجلة “الكواكب” الفنية عام 1969 بعنوان “الفن في المعركة” عمل على خلق جبهة ثقافية وفنية إلى جانب العسكرية، ففي هذه الحقبة التي أعقبت نكسة يونيو (حزيران) 1967 كانت هناك حال عامة من الدعم للجنود بين كل أطياف الشعب، من بينها الفنانون والمثقفون الذين حرصوا على زيارة الجبهة، وشحذ همم الجنود، ورفضوا أن يظلوا في موقف المتابع أو المتفرج.
صدر من هذه المجلة 13 عدداً أسندت مسؤولية تحريرها للفنانة نادية لطفي عنيت بتوثيق زيارات الفنانين والمثقفين للجبهة ونشر مقالات كتبها كبار الفنانين مثل عبدالحليم حافظ، ورشدي أباظة، وسعاد حسني، وعادل إمام، ونشرت إبداعات لكبار الكتاب، مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس، وكان شعار المجلة “جندي وفتاة مع قلم وبندقية”، كانت نادية لطفي تكتب مقالاً ثابتاً في نهاية كل عدد بعنوان “همسة”، وقامت بنشر بطاقة معايدة بنهاية عام 1969 موجهة للجنود على الجبهة جاء فيها “لم أجد أحق منكم في إرسال هذه البطاقة إليه، وحدكم فقط تستحقونها، كل سنة وكل ابن من أبناء مصر طيب ومنتصر”.
مجلة “الفن في المعركة” مثلت اهتماماً للكاتب والباحث محمد سيد ريان، الذي عني بدراستها وتوثيقها وقدم نتاجها في كتاب “الفن في المعركة: حكاية الفنانين والأدباء على الجبهة” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ليعيد تسليط الضوء على هذه الحالة التي سادت جميع أطياف الشعب المصري خلال هذه الفترة وكيف تعامل الفنانون والمثقفون مع واحدة من الفترات المفصلية في تاريخ مصر الحديث.
هذه المجلة وإن كانت حينها وسيلة لرفع الروح المعنوية للجنود، وصورة من صور الدور المجتمعي للفنانين والمثقفين في أحداث كبرى تشهدها البلاد، إلا أنها حالياً وبعد مرور أكثر من نصف قرن على صدورها أصبحت واحداً من مصادر التأريخ لهذه الحقبة، وصورة من صور الأرشيف الشعبي الذي يمكن من خلاله الاستدلال على طبيعة وسمات المجتمع في خلال فترة معينة، وخلال هذه المرحلة على وجه التحديد فإن الخطاب المتداول عنها غالباً ما يرتبط بالجانب العسكري، واستعداد الجيش والعمليات العسكرية والفدائية ومحاولات استنزاف إسرائيل، على رغم أن الوجه الآخر لهذا السياق والمتمثل في المشهد الاجتماعي الذي كان سائداً بين كل طبقات الشعب لا يقل في الأهمية عن العسكري، باعتبار أنه قادر على رفع الروح المعنوية ودعم الجنود أو تثبيط الهمم مما سيكون له أثر بالغ على الوضع القائم.
بالتواكب مع الإعداد لهذه المجلة الخاصة التي ستنشر داخل مجلة الكواكب نشرت مجلة “آخر ساعة” الذائعة الصيت حينها خبراً صغيراً في منتصف عام 1969 بعنوان “نادية لطفى صحافية” كان نصه “عملت الفنانة نادية لطفى في الأسبوع الماضي صحافية، أخذت تتصل بزملائها الفنانين والفنانات في التليفون وتسألهم عن آخر الأخبار، ثم قامت بتحرير صفحتين كاملتين في إحدى المجلات تحت اسم (الفن في المعركة)، ورفضت نادية مساعدة بعض الصحافيين”، وقالت: “إنها تفضل الاعتماد على نفسها في تحرير الصفحتين”، أثار هذا فضول الناس حينها لهذه المجلة، إذ إنه ليس من الشائع أن يقوم الفنان بدور الصحافي أو الكاتب.
الفنانون على الجبهة
زيارات الفنانين والمثقفين للجبهة بدأت في مايو (أيار) من عام 1969، وكانت من تنظيم وإشراف الدكتورة حكمت أبو زيد، مقررة لجنة الفنون والآداب باللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي آنذاك، التي كتبت المقال الافتتاحي للعدد الأول، وحكمت أبو زيد هي أول سيدة تتقلد منصب وزيرة في مصر، عندما اختارها الرئيس جمال عبدالناصر عام 1962 لتكون أول وزيرة للشؤون الاجتماعية.
استهل الباحث الكتاب ليس بالحديث عن المجلة ودور الفنانين والمثقفين والوضع الذي كان سائداً، سواء على المستوى السياسي والعسكري أو الاجتماعي، إنما بالإشارة إلى السياق العام سواء في مصر أو في العالم كله حينها، ليتمكن القارئ من تخيل كيف كان الوضع؟ وما القضايا أو الأحداث التي كانت محل الاهتمام في هذه الفترة أو كانت “تريند” بلغة الزمن الحالي، باعتبار أن مصر والوضع السائد فيها على رغم حساسيته وخطورته فإنها في النهاية جزء من العالم، وهذه الأحداث هي ما كان أهلها يطالعه ويتحدثون فيه خلال هذه الفترة في حياتهم اليومية.
من أهم هذه الأحداث التي شهدها عام 1969، التي مثلت خبراً اهتم به العالم كله هو إرسال أول إنسان لسطح القمر فكان هذا أمراً غير مسبوق حينها، وفي مصر تحديداً فيما يتعلق بالثقافة شهدت البلاد إطلاق الدورة الأولى من معرض القاهرة للكتاب، وعلى المستوى السياسي استشهد الفريق أول عبدالمنعم رياض على الجبهة في الصفوف الأمامية بين الجنود لتتحول لاحقاً ذكرى استشهاده في التاسع من مارس (آذار) ليوم الشهيد، وعلى الساحة الفنية طرحت أفلام “الأرض”، و”شيء من الخوف”، و”ميرامار”، و”يوميات نائب في الأرياف”، وحققت نجاحاً كبيراً.
كانت الرحلة الأولى للفنانين والأدباء لزيارة الجبهة في مايو (أيار) 1969، حيث توجهوا إلى مدينة السويس، وضم الوفد نادية لطفي، وأحمد مظهر، ومديحة يسري، وفايدة كامل، وجمال السجيني، ومدحت عاصم، زار الفنانون معرضاً فنياً بعنوان “السويس لن تموت” ضم لوحات فنية وصوراً فوتوغرافية تعكس المقاومة الشعبية بعد الاعتداءات التي تعرضت لها المدينة، والتقى الفنانون بعدها فرقة “ولاد الأرض”، وهي فرقة فنية من أبناء المقاومة الشعبية، وغنت معهم المطربة فايدة كامل أغنية “فات الكتير يا بلدنا”.
هذه الزيارة الأولى من نوعها لاقت صدى كبيراً عند الجنود والناس والفنانين على السواء، ودفعتهم للمشاركة في الزيارات اللاحقة، وغالباً كانت هي النواة الأولى التي جاء من وحيها فكرة إصدار مجلة “الفن” في المعركة لتوثيق هذه الزيارات والتعريف بالدور الذي يقوم به الفنانون والمثقفون في ظل الوضع الذي تشهده البلاد، وبالفعل شارك لاحقاً في هذه الزيارات نحو 150 فناناً وكاتباً ومثقفاً.
نجيب محفوظ في حوار مع جندي
من أبرز ما جاء في الكتاب هو رصده الزيارة التي قام بها الكاتب الكبير نجيب محفوظ أديب نوبل لاحقاً للجبهة والحوار الذي دار بينه وبين أحد الجنود، وكان اسمه محمد حميدة، إذ أخبره أنه من قرائه، وكان يتمنى لقاءه، ليرد نجيب محفوظ بأنه معجب بالصمود والقوة والإرادة التي يتحلى بها الجنود، ليخبره الجندي بإعجابه بالجانب الإنساني في رواياته، ويطلب منه أن يكتب رواية من وحي الجبهة، ليرد محفوظ بأن الإنسانية في الظرف الحالي تتجسد في معانٍ أعمق من الروايات، وأن الرواية ستكون عن النصر.
ومن المفارقات أن أول رواية نشرها محفوظ لاحقاً كانت “حب تحت المطر”، وكانت أحداثها تدور في القاهرة خلال فترة حرب الاستنزاف، وأثر ذلك على الشارع المصري والواقع الاجتماعي.
استعرض الكتاب أيضاً مقالاً للأديب يوسف إدريس بعد زيارته الجبهة ولقائه واحداً من الجنود القناصة الذي كان يكتب الشعر، ولم ينفصل الرسامون والفنانون التشكيليون ورسامو الكاريكاتير عن الأحداث السائدة، وظهرت أعمالهم في مجلة “الفن” في المعركة التي شهدت إسهامات استعرضها الكاتب في فصل بعنوان “النضال بالريشة والقلم”، ومن بينهم جورج بهجوري، ومجدي نجيب، ورمسيس، وجاذبية سري، وبيكار، وعزت الأمير.
عبدالحليم حافظ كاتباً
خلال هذه الفترة التي شهدت فيها مصر أحداثاً سياسية متعاقبة، قدم عبدالحليم حافظ مجموعات من الأغنيات التي لا تزال تمثل علامة في تاريخ الأغنية الوطنية المصرية، وربما كان من أكثر أبناء جيله اشتباكاً مع الوضع الذي كان سائداً والأحداث المتلاحقة، سواء قبل النكسة أو بعدها، فقدم أغنيات من أشهرها “حكاية شعب”، و”فدائي”، و”عدى النهار”، و”أهلاً بالمعارك”، و”صورة”، و”بالأحضان”، وغيرها كثير.
ولم يكتفِ عبدالحليم بالغناء إنما توجه للجبهة، وقد حرص إلى جانب دعم الجنود وإثارة الحماسة بكلمات أغنياته إلى المشاركة بمقال نشر في مجلة “الفن” في المعركة بعنوان “كلمة”، جاء فيه “ماذا أقول لكم؟ هل أقول إن صوت المعركة أحلى عندي من أعذب الألحان؟ أو أقـول إنني منذ سنوات معدودات كنت أغني، بل سخرت صوتي المتواضع وفني، من أجل أن أشحن طاقات الجنود وألهب قلوبهم بالحماسة، لكن ما يحققه اليوم جنود بلدي يلهب قلبي أنا بالحماسة”.
في الفصل الأخير من الكتاب الذي جاء بعنوان “بيان تاريخي ونهاية درامية” استعرض الكاتب اهتمام الفنانين بحدث عربي، وليس فقط مصرياً، وهو الاعتداء على المسجد الأقصى الذي وقع في أغسطس (آب) من عام 1969، وإصدار الفنانين والمثقفين المصريين بياناً لإدانة هذا الاعتداء والتنديد به وقع عليه 164 فناناً وكاتباً ومثقفاً، باعتباره شأناً لا ينفصل لا عن مصر، ولا عن السياق الذي تشهده البلاد حينها.
الدور الاجتماعي للفنانين والمثقفين في المجتمع، بخاصة لو كان يشهد أزمة يمثل هنا مربط الفرس وحجر الزاوية، فالمشاهير بخاصة لو لديهم جماهيرية وشعبية كبيرة بين الناس دعمهم لقضايا معينة وتشكيلهم جبهة ثقافية تدعم الأزمات المختلفة وتنشر الوعي بين الناس يكون أكثر أثراً وفاعلية على اعتبار حب الجمهور وارتباطه بهم، بالتالي شعوره بأنهم غير منفصلين عنه وعن الأحداث أو الأزمات التي يشهدها المجتمع، ويأخذنا هذا إلى الوضع الحالي في العالم العربي كله الذي يشهد تقريباً بكامله أزمات مشتعلة ما بين حروب واضطرابات، ومع سهولة التواصل والوصول إلى الناس والعلاقة المباشرة بين الفنانين والجمهور عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المختلفة فأين دور الفنانين والمثقفين؟
مجلة 24 ساعة



