
باحث مختص في الشأن الثقافي
خلال مسيرتها الحافلة، نجحت زينب السجيني في تثبيت مجموعة من العلامات الدالة على طبيعة عالمها، الذي يصعب تفادي جمالياته. فقد اتسمت لوحاتها بهويةجندرية واضحة، وقامت أعمالها على تمجيد الأمومةوتقديمها في تشكيلات فريدة تنطق بالنعومة وتحفل بشتى صور الدفء العائلي، لذلك وصفت الراحلة دائماً بـ”أم التشكيليين” و”أم بنات العالم”.
ونظراً إلى تأثرها بخالها النحات المصري المعروف جمال السجيني، فإن لوحاتها كانت تقوم على قوة الخطوط وانسيابيتها، على رغم ما توحي به من هندسية صارمة، جاءت مستلهمة من أشكال الزخارف الإسلامية، وترجمة فنية لإيمانها بقوة وفاعلية التصميم، فضلاً عن شغفها البادي بالعناصر الزخرفية التي احتاجت دائماً إلى كثير من الدأب.
عبر تجاربها عمدت الفنانة إلى استثمار ذاكرة طفولتها في حي الظاهر، الذي يعد من أبرز الأحياء الشعبية في القاهرة، وهو يمثل نقطة تقاطع فريدة بين مسارات لأحياء خصبة وفاعلة مثل حي العباسية، بما فيه من حضور لقيم الطبقة الوسطى الصاعدة بعد ثورة 1919، وكذلك من حي باب الشعرية ومنطقة الجمالية، بما يملكان من عوالم متنوعة تدمج أنماطاً متعددة من أشكال العمارة الإسلامية، وتبرز ثراء الحياة اليومية بما فيها من تفاصيل وطبيعة كرنفالية خلاقة.

أعادت السجيني إحياء كثير من تلك المشاهد الحيوية، وحظيت لوحاتها بانتشار كبير نظراً إلى بساطتها وسهولة تلقي مفرداتها، التي ظلت دالة على الخصوصية والتفرد إلى جانب ما تضمنته من حساسية جمالية فائقة.
وساعد في تأكيد قوة إبداع الراحلة حرصها المتواصل على دعم موهبتها بالدراسة الأكاديمية المتخصصة، فقد درست في كلية الفنون الجميلة – جامعة حلوان، وحصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة عام 1956، ثم واصلت دراستها العليا إلى أن نالت درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، وعملت في التدريس الأكاديمي، وجمعت بالتالي بين ممارسة الفن وتدريسه، مما ساعدها في تخريج أجيال من الفنانين أصبحوا امتداداً لتجاربها وعنواناً لامتلاكها أسلوبية واضحة.
حصلت الفنانة على جائزة التصوير الأولى من صالون القاهرة 1968 عن لوحة “مأساة القدس”، وجائزة التصوير الأولى في بينالي القاهرة الدولي الرابع عام 1994، ولها مئات المقتنيات لدى الهيئات والأفراد بمصر والخارج، فقد قدمت ما يزيد على 50 معرضاً فردياً وجماعياً.

وكما كانت أفلام نجمات الستينيات في السينما المصرية تحرص على تأكيد دور المرأة وطموحها في اقتحام المجال العام وبناء الوطن الجديد، فإن أعمال التشكيليات الرائدات من أمثال تحية حليم وأنجي أفلاطون وجاذبية سري ثم السجيني، سعت إلى تحقيق الهدف نفسه ولكن عبر الوسائط التشكيلية، وبالذات من خلال فن التصوير وفن الملصق، ثم فنون الرسم الصحافي والزخرفة.
ضد الالتزام الأيديولوجي
التحمت الفنانات الرائدات مع القيم الليبرالية التي بشرت بها ثورة 1919، ثم اندمجن مع الخطاب القومي وناصرن قضاياه في لوحات لم تكن تخفي طابعها التعبوي، وكانت أقرب إلى الملصق السياسي في أوقات كثيرة، لكن السجيني لم تكن منخرطة في أي كيانات أيديولوجية تقيد عالمها، وبالتالي تحررت باكراً من شتى أشكال الالتزام، وكانت أكثر ميلاً إلى التفكير في قوة أو جماليات الحكاية الشعبية، وفي طابعها الخرافي. وظلت “ألف ليلة وليلة” مصدراً لإلهامها وبصورة انعكست في المواضيع التي عالجتها ببراعة، ومنحت المرأة فيها دور البطولة. فقد تناولت في معظمها مواضيع الأمومة والطفولة، وحفلت لوحاتها بحضور واضح للفتيات، وقامت على شيء من السرد البصري الذي يتابع الحكايات الشعبية بما تنطوي عليه من غرائبية وغموض، ينتقلان بها من العالم الواقعي إلى الفانتازي. وصورت لوحاتها التي تجسد الألعاب الشعبية مشاهد اللعب بالعرائس القطنية والأرجوحات والطيور، بما تنطوي عليه من دلالات فكائناتها معلقة في فضاء يستعصي على التأويل.

وبدت لوحاتها أحياناً أداة لتوثيق مشاهد أوشكت على الغياب، وتجلت فيها مشاهد الصيادين على الشواطئ وشباك الأسماك، بما لديها من دلالات في الخيال الشعبي كرمز للخير أو النماء. وكذلك أعادت استلهام مشاهد تقديم القرابين في الميثولوجيا المصرية القديمة، وتوالت في لوحاتها المختلفة حالات تعبيرية عكست سمات رومانسية وطبيعة غنائية فرضت نفسها في الخيارات اللونية البسيطة التي اعتمدتها الفنانة
وعلى رغم ما في أعمالها من حيوية، حافظت السجيني على تناغم إيقاعات ألوانها وعدم الإفراط في استعمال اللون، فخلت لوحاتها من الثرثرة الانفعالية، واستطاعت بأقل قدر من الألوان تشكيل عالمها، الذي غلبت عليه درجات الأصفر والبني المحروق والرماديات مع إبراز مصدر الضوء في اللوحة.
عمدت السجيني كذلك إلى اختزال الأجساد البشرية وتحديد ملامحها وإبداع موتيفات ذات هوية بصرية واضحة، وتحديداً بصورة الملابس التي ترتديها بطلات أعمالها، سواء كن من الناضجات أم الصغيرات. وعمدت إلى تثبيت بطلاتها وإكسابهن صفات واضحة في قصات الشعر أو تصميم الملابس، كأنها أرادت لبطلات لوحاتها كافة الانتماء إلى بطن واحدة، أو عائلة واحدة. فالملابس محايدة ذات خلفية بيضاء، ومع تثبيت أو تكرار الملامح بطبيعتها المصرية الأقرب إلى الوجوه السمراء وخصلات الشعر المتدرجة، مما جعل للوحتها “بصمة” جاذبة لعين المتلقي، الذي كان يميز أعمالها من بين مئات اللوحات. هذا لأنها جاءت دائماً مسكونة بأسئلة وإجوبة حول الهوية المأمولة، من دون أن تخفي انحيازها الجندري.
نعت وزارة الثقافة المصرية الفنانة الراحلة في بيان، مؤكدة أن السجيني رحلت بعد أن حفرت اسمها في ذاكرة الفن العربي، ومثلت قيمة فنية وإنسانية نادرة. وكانت صوتاً مخلصاً للجمال، وحملت في أعمالها نبض الوطن ووجدان الإنسان، وأسهمت عبر عطائها الأكاديمي والإبداعي في تشكيل وعي أجيال متعاقبة من الفنانين، لتظل واحدة من العلامات الفارقة.
Independent News
مجلة 24 ساعة