الرئيسية / صحافة ورأي / الحرب التي خسر فيها الجميع: تقييم موقف

الحرب التي خسر فيها الجميع: تقييم موقف

سعد بن طفلة العجمي  وزير الإعلام السابق في الكويت
سعد بن طفلة العجمي  وزير الإعلام السابق في الكويت

 

قبل ساعات، أعلنت هدنة للحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، مدتها أسبوعان، يجري خلالها التفاوض بين إيران وأميركا باستضافة باكستانية وحضور أطراف أخرى للمفاوضات. حتى الآن، هذه الحربهي من الحروب النادرة التي ليس فيها منتصر معلن ومستسلم يرفع الراية البيضاء، فالكل خاسر بدرجة أو بأخرى، وسيركز كل طرف على جوانب معينة لهذه الحرب كي ينتزع منها ادعاءات للنصر وللمعنويات، ولنأخذ كل طرف من الأطراف الرئيسة على حدة لحساب الربح والخسارة معاً:

إيران

تعرضت إيران لقصف مكثف وعنيف استمر 40 يوماً طاول مصانع أسلحتها وذخائرها ومؤسساتها البحثية وجامعاتها ومراكزها الأمنية والعسكرية وجسورها وطرقها ومطاراتها، كذلك طاول منذ الساعات الأولى قياداتها السياسية والعسكرية، وعلى رأسها المرشد علي خامنئي الذي قتل وعشرات من القيادات العليا بإيران بالساعات الأولى للحرب. وتعرضت لإذلال وإهانات بانتهاك أجوائها ومياهها وجزرها من دون أن يكون لها حول أو قوة، بل إن القوات الأميركية الخاصة انتهكت الأراضي والسيادة الإيرانية في أصفهان، وأنقذت طياراً سقطت طائرته على الغالب بعطل فني، لأنه لو كان بفعل المضادات الإيرانية لتكرر الإسقاط، لكن فردية الحادثة تشير إلى أسباب أخرى لسقوطها.

كذلك عانت إيران عزلة إقليمية ودولية بحربها على جيرانها العرب غرباً وقصفها لثماني دول عربية، وفقدت ثقة جيرانها العرب الذين تعززت قناعتهم بنواياها العدوانية والتوسعية تجاههم.

 لكن إيران لم ترفع الراية البيضاء، وغالب الظن أنه لم يكن هناك من يجرؤ على رفعها، وسترى في عدم استسلامها وبقاء نظامها انتصاراً “عظيماً” ستسير له المسيرات، وتنظم له الاحتفالات، وتسطر فيه الأشعار والمقالات. لكن بقاء النظام غير مضمون أبداً، فالنظام تقوده اليوم قيادات عسكرية من الدرجة الرابعة، لا خبرة عسكرية ولا سياسية لديهم، والشعوب الإيرانية طحنتها العقوبات والحروب والقمع والمغامرات، وبالتالي فهي على شفير حفرة الانفجار الذي تكرر بالسابق وجوبهت بقمع وحشي دام وقاس.

إسرائيل

يقتنع كثيرون أن إسرائيل، وتحديداً رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، كانوا وراء الحرب، وقد تعرضت لقصف صاروخي باليستي إيراني عنيف، وتكبدت خسائر مادية في مبانيها وبعض منشآتها، لكن خسائرها البشرية لا تذكر لأن الاحترازات الوقائية والملاجئ والإنذارات المبكرة حالت من دون ذلك. لكن إسرائيل، وتحديداً نتنياهو، لا يستطيع أن يقول إنه حقق أياً من أهداف هذه الحرب، فلا البرنامج النووي الإيراني تلاشى تماماً، ولا الصواريخ الباليستية الإيرانية توقفت عن السقوط على إسرائيل، وهذا يعني استحقاقاً سياسياً سيواجهه نتنياهو، ناهيك بمواجهاته القانونية وتهم الفساد التي تلاحقه التي ستؤدي به حتماً إلى السجن. كان نتنياهو يأمل في أن يخرج منتصراً انتصاراً باهراً يعزز به صورته كملك داوود العصر الذي دمر غزة و”حماس” وقضى على “حزب الله” وأزاح الأسد، وهزم إيران وأزاح خطرها النووي والباليستي، لكن هذا لم يتحقق بالنسبة إلى حربه مع إيران. وهو ما يعد خسارة مريرة بالنسبة إليه وإلى حسابات الداخل الإسرائيلي. سيستمر نتنياهو بقصف “حزب الله” الإيراني في لبنان، وسيتمسك بالأراضي التي احتلها في جنوب لبنان، لكن طعم مرارة الهزيمة بالنسبة إليه في طهران، وليس في لبنان.

أميركا

تشكلت قناعة بأن إسرائيل دفعت بترمب لإشعال الحرب بعدما أقنعه الثلاثي، نتنياهو وجاريد كوشنير وستيف ويتكوف، بأن اغتيال المرشد والقيادة بضربة مفاجئة سيؤدي إلى تضعضع النظام وسقوطه، وهو ما لم يحصل، بل أسهم في الارتباك الذي تميزت به إدارة وتصريحات ترمب أثناء هذه الحرب. فقد تغيرت الأهداف من إسقاط النظام، إلى الطلب منه الاستسلام التام، إلى احتلال جزيرة خرج أو أكثر، إلى فتح مضيق هرمز، إلى إزالة “حضارة بأكملها” من الوجود، إلى القبول المبدأي بنقاط إيران الـ10 والتفاوض حولها وإحلال السلام والمساهمة بإعادة بناء إيران. سيدخل ترمب في “حيص بيص” المفاوضات، وسيحاول الإيرانيون المماطلة وتضييع الوقت، من أجل التقاط الأنفاس وإعادة بناء بعض ما دمرته الحرب استعداداً للجولة المقبلة، إن بقي النظام الحاكم بإيران كما هو.

اهتزت صورة أميركا القوية التي تستطيع أن تضرب من تشاء ضربات موجعة تدفعه للاستسلام، وعزلت أميركا نفسها عن حلفائها في “الناتو”، وأغضبت حلفاءها بالخليج بعدم الاستماع لنصيحتهم وعدم شن الحرب، بل توترت علاقتها ببريطانيا وفرنسا، ووصف ترمب الأوروبيين بأنهم جبناء، وقال إنه لا يحتاج إلى مساعدتهم، ثم قال لهم تعالوا افتحوا مضيق هرمز إن أردتم النفط من هناك، وهكذا.

هزيمة أميركا في هذه الحرب بنقطتين: الأولى بعدم وضوح هدفها، والثاني بتعدد تصريحات رئيسها.

الخليجيون

على رغم أن دول الخليج العربية والأردن رفضت الحرب قبل اندلاعها، ورفضت المشاركة فيها أو أن تنطلق الهجمات على إيران من أراضيها أو أجوائها، إلا أن الخليج والأردن كانا عرضة لاعتداء إيراني بالصواريخ والمسيرات طوال هذه الحرب بذريعة القواعد الأميركية، بيد أن إيران ضربت المنشآت والبنى التحتية والمطارات الخليجية والمصافي النفطية وتحلية المياه، مما أثر في اقتصادات دول الخليج، وأوقف صادراتها النفطية، وهز صورتها الاستثمارية والسياحية في العالم كملاذ آمن وهادئ للسائح والمستثمر، وهي صورة تحتاج إلى وقت من الزمن وجهد جهيد لاستعادتها وبنائها ثانية.

كان الخليج ينشد أمرين أساسيين حين اندلعت الحرب: الأول هو عدم الانزلاق الشامل لأتونها، وهو ما تحقق فحافظت دول الخليج على بناها الأساسية والتحتية بصورة كبيرة، والثاني هو التصدي والردع الذاتي بقواها الخليجية، وهو ما تحقق إلى حد كبير، فقد تصدى الخليجيون لأكثر من 90 في المئة من الصواريخ والمسيرات على رغم أن ما انهمر على دولهم خمسة أضعاف ما انهمر على إسرائيل. وتراكم لدى الخليجيين خبرة قتالية هائلة أثبتوا من خلالها قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم، كذلك انتشرت حالة خليجية شعبية عارمة من التضامن بين دول الخليج العربي. والسؤال هو: هل يستثمر الخليجيون هذه الخبرة القتالية والتجربة التنسيقية المشتركة بين الجيوش الخليجية لخلق جيش خليجي موحد يهابه الجميع في المنطقة؟ وهل يمكن استثمار الحالة الخليجية بالتضامن لترقية دور مجلس التعاون للتقارب والوحدة الخليجية؟ وهل يعيد الخليجيون حساباتهم العربية والإقليمية والدولية بعد هذه الحرب؟ كاتب هذه المقالة، يتمنى ذلك كخليجي، لكنه يشكك بأننا تعلمنا الدروس.

لبنان والعراق

ثبت أنهما دولتان فاشلتان، فلا لبنان استطاع أن يلجم “حزب الله” الإيراني على أراضيه، ولا حتى أن يطرد السفير الإيراني رضا شيباني، الذي أعلن لبنان أنه شخص غير مرغوب فيه وعليه مغادرة البلاد، لكنه لا يزال في لبنان بطلب من “حزب الله” وراعيه نبيه بري، رئيس مجلس النواب المزمن.

كان “حزب الله” يتلقى الضربات المتتالية من إسرائيل منذ اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 من دون أن يرد عليها، لكنه دخل الحرب الأخيرة بأوامر من إيران، وهو ما تسبب بنزوح مليون لبناني من أهل الجنوب ومقتل 1500 مدني واحتلال ثلث أراضي الجنوب، ناهيك بدمار وخراب هائلين طاولا كل المدن اللبنانية وبالأخص الجنوبية منها.

أما العراق، فهو دولة تحكمها ميليشيات “الحشد الشعبي” التابعة لإيران، فرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والبرلمان ما هي إلا واجهات سياسية لـ”الحشد الشعبي” الذي أدخل العراق بهذه الحرب تضامناً مع إيران، فقصف الكويت والأردن وسوريا والسعودية، واقتحم القنصلية الكويتية في البصرة.

وتلقى الحشد ضربات ماحقة من “طيران مجهول”، ينطلق من القواعد الأميركية داخل العراق ذاته.

خلاصة

 توقفت الحرب بهدنة، والغالب أنها لن تستأنف لأن الطرفين الأساسيين بها، أي إيران وأميركا، ليسا بصدد استئنافها. فالأولى منهكة مدمرة تنشد السلامة وتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والثانية متخبطة مرتبكة تعاني غبشاً بالرؤية بمنطقتنا، وتتابع مؤشرات الأسواق وأسعار الوقود وصناديق انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر المقبل، أكثر مما تتابع طوابير جنودها وأزيز طائراتها وهدير سفنها ودباباتها.

تختلف حسابات الخسارة من حرب إلى أخرى، لكن الأكيد أن الحروب، وخصوصاً حروب العصر الحديث، لا يكون فيها رابح منتصر انتصاراً باهراً، فالكل خاسر بدرجات مختلفة، وأول الخاسرين هو الإنسان المدني الأعزل والطفل البريء، وعلى الجميع أن يراجع حساباته ويحسب كلفة الربح والخسارة

Independent News

شاهد أيضاً

زينب السجيني جعلت من الأمومة أسطورة تشكيلية

خلال مسيرتها الحافلة، نجحت زينب السجيني في تثبيت مجموعة من العلامات الدالة على طبيعة عالمها، …