
باحث وكاتب
كانا لفترة صديقين حميمين يلعب أحدهما في تلك الصداقة دور المريد المعجب والمتفاني، فيما يلعب الثاني، دوراً بدا دائماً خليقاً به: دور أستاذ الفكر الذي لا يضاهى. ومن هنا جمعتهما الموهبة كما جمعهتما الفلسفة التي كانت مدار إبداع أولهما، والموسيقى التي باتت على الدوام محور حياة وإبداع الثاني.
الأول منذ البداية كان واحداً من كبار فلاسفة المشاكسة، فيما الثاني وصل من قوة إبداعه الموسيقي إلى درجة تفوق على الإيطاليين في فن الأوبرا الذي كان أشبه بملكة خاصة لهم.
ونتحدث هنا طبعاً عن نيتشه وعن فاغنر في سياق واحد، هما اللذان جمعتهما الصداقة والعبقرية، قبل أن يتفرقا في عداوة استمرت حتى موتيهما. وفي الأقل حتى جمعهما النازيون، بعد ذينك الموتين في انتماء مفترض إلى الفكر النازي، تكذبه إبداعاتهما نفسها.
ولكن هل يمكن حقاً لأي إبداع أن يكذب أكذوبة تخلقها الأيديولوجيا وتساندها الإشاعات المغرضة؟ ذلكم هو الموضوع الذي اضطر في زمننا الحديث رئيس جمهورية ألماني، هو والتر شيل، من ناحية، وعشرات الباحثين والمفكرين من ناحية أخرى، إلى العمل بكل دأب لدحضه. وهؤلاء جميعاً أجمعوا على أن لا نيتشه كان ذلك النازي الذي افترضه النازيون، ولا فاغنر كانه. وليس فقط لأن كلاً منهما رحل عن عالمنا قبل سنين
وعقود من ولادة ذلك الوباء الهتلري، بل أكثر من ذلك لأن المحتوى الرائع لإبداعات كل منهما يتناقض جذرياً مع ما تقوله النازية وتدعو إليه.
كل ما في الأمر أن ورثة هذا وذاك، إذ كمعظم الشعوب الجرمانية خلال الثلث الأول من القرن الـ20، اجتذبتهم قذارات الفكر النازي، كنوع من الرد على ذل هزيمة الحرب العالمية الأولى وقرارات مؤتمر فرساي لم يجدوا مفراً من إلحاق الإرث العظيم للمبدعين الكبيرين بالإيديولوجيا التي ولدت أواسط سنوات القرن الـ20 في زنزانة السجن الذي أسس فيه هتلر نزيل الزنزانة، تلك الإديولوجية الخرقاء.
ولئن كنا نعرف حكاية شقيقة نيتشه “التي باعت تراثه للنازيين” وقد التحقت وزوجها بهم، وهي حكاية تحدثنا عنها مراراً هنا، فإنه يبقى لدينا بقايا من حكاية فاغنر العائلية الوراثية الكامنة وراء “بيع” ورثته لتراثه للنازيين بدورهم.
دراما عائلية فريدة
وهذا ما يوصلنا من جديد إلى الحكاية المتعلقة بما يسميه بعضهم “نازية فاغنر”، التي نجدنا هنا نعود لها من جديد، ولو على ضوء الخطاب الذي ألقاه الرئيس الألماني شيل، لمناسبة ذكرى المؤلف الموسيقي الكبير، مناقشاً فيه كل ما صورته العائلة الفاغنرية من “مساهمة” مبدعها الكبير في تأسيس الجذور الإبداعية للفكر النازي.
فالحال أننا حين نتأمل الحكاية على ضوء خطاب والتر شيل، يمكننا أن نصور بصورة أفضل وأكثر إقناعاً، ما آلت إليه الصراعات العائلية حول تراث فاغنر الفكري ناهيك بتراثه الفني، فإننا لا نكون أمام مجرد نزاع عائلي، بل أمام دراما تاريخية وثقافية معقدة امتدت لأكثر من قرن، تداخل فيها الفني بالسياسي والأسطوري بالإيديولوجي، والعائلي بالمؤسساتي.
ونعرف أنه منذ وفاة فاغنر عام 1883، أي قبل ولادة النازية بنحو 40 عاماً على أية حال، بدأت مسألة حراسة إرثه تتحول إلى قضية صراع.
وكانت الشخصية المركزية الأولى في هذا السياق أرملة فاغنر كوزيما، التي لعبت دوراً حاسماً في تثبيت صورة فاغنر كعبقري شبه مقدس لا يمس.
ومن هنا نراها تدير مهرجان بايروت بقبضة صارمة محولة إياه إلى ما يشبه المعبد الفني المغلق، إذ يقدم فاغنر وفق قراءة متفردة واحدة نقية تعكس رؤيته كما فهمتها هي. وهذه المرحلة أسست لما يمكن تسميته، بحسب المؤرخين، “الأورثوذكسية الفاغنرية”، لكنها في الوقت نفسه أغلقت الباب أمام أية تأويلات بديلة.
موازنة بائسة
مع الجيل التالي دخلت الصراعات منحى أكثر حدة، خصوصاً مع ابن فاغنر، زيغفريد الذي حاول الموازنة بين المحافظة على تراث والده والانفتاح النسبي. لكن التطورات الحقيقية راحت تظهر مع الجيل الذي تلا ذلك من أحفاد الموسيقي الكبير، ولا سيما خلال فترة صعود هتلر الذي وجد في أفكار فاغنر كما في موسيقاه مادة خصبة لدعم رؤيته الإيديولوجية.
وهنا ظهرت شخصية وينفريد فاغنر، زوجة زيغفريد التي كانت قد أقامت علاقة خاصة مع هتلر لتجعل من بايروت مركزاً ثقافياً شديد القرب من السلطات النازية. وهذا الارتباط كما يمكننا أن نتصور ترك وصمة عار عميقة على التراث الفاغنري، إذ لم يعد بالإمكان الفصل بسهولة بين فن فاغنر العظيم والاستخدام، بل الاستحواذ السياسي الذي يتعرض له.
وهكذا تحول الصراع من مجرد نزاع عائلي إلى أزمة أخلاقية وثقافية، وبات السؤال المطروح: هل وكيف يمكن إنقاذ فاغنر من الفاغنرية المسيسة؟ وبعد الحرب العالمية الثانية، دخلت العائلة مرحلة جديدة من الصراع، قادتها شخصيتان رئيستان: فيلاند فاغنر، وفولفغانغ فاغنر. فلقد عمل هذان الأخوان على إعادة تأهيل مهرجان بايروت ولكن بأسلوبين مختلفين. ففي حين اتجه فيلاند نحو قراءة حداثية وتجريدية لأعمال فاغنر، محاولاً تحريرها من ثقل التقاليد والحمولة الإيديولوجية، بدا فولفغانغ أكثر تحفظاً. ولقد أدى هذا التباين إلى ولادة كثير من التوترات الداخلية، لكنه في الوقت نفسه، تمكن من أن يفتح الأبواب أمام ما يمكن اعتباره تحرير فاغنر فنياً. التأثير المفقود
غير أن ثمة واقعاً يفرض علينا أن ندنو منه هنا، وهو أن سنوات فاغنر الثورية، ولا سيما منها ما يتعلق بصداقته لباكونين وتأثره به، لم تثمر لدى الموسيقار أعمالاً فنية ثورية بالمعنى السياسي للكلمة، حتى وإن كانت قد أعادت صياغة رؤيته للأوبرا ولجدوى الفن. فهو بعد هربه إلى زيوريخ، وتحديداً في رفقة باكونين، كتب نصوصاً نظرية مثل “الأوبرا والدراما” التي رسم فيها مشروعه الفني القائم على شمولية العمل الفني. وهذه الرؤية، على رغم بعدها الجمالي، تحمل تلميحات سياسية واضحة الهدف. فالفن بات عنده وسيلة لاستعادة الوحدة التي فقدها المجتمع في ظل الانقسامات الطبقية والصناعية.
من هذا المنظور، لم يكن فاغنر ثوريا بالمعنى الباكونيني، لكنه كان ثورياً في الفن يرى أن أي تحول اجتماعي يحتاج أول ما يحتاج، إلى إعادة بناء الروح الجماعية عبر أسطورية جديدة. وهي الفكرة التي ستتخذ لديه لاحقاً طابعاً ملتبساً بسبب اقترابها من أفكار القوميات الرومانسية الألمانية التي تعد الجذر الذي ستنبني النازية عليه. وبقي أن نذكر هنا أن بعد فشل ثورة 1848 – 1849 وهرب باكونين وفاغنر الشهير، تباعدت الطرق بين الرجلين، فواصل الأول طريقه الثوري حتى نهايته، بينما انصرف فاغنر إلى مشروعه الموسيقي الذي سيبلغ ذروته في “خاتم النيبولنغن” و”تريستان وايزولده” و”بارسيفال”.
ومع أنه تخلى عن نشاطه السياسي المباشر، إلا أن سنوات الثورة بقيت تحكم رؤيته للعالم سواء في نزوعه إلى الخلاص الجماعي، أو في فكرته عن الفن بوصفه أداة للتغيير. ففي اختصار تبدو لنا في النهاية العلاقة بين فاغنر وباكونين لحظة التقاء تاريخية بين موسيقي يبحث عن معنى ثوري لفنه، وثائر يحاول إشعال أوروبا.
Independent News
مجلة 24 ساعة