
مؤسس Prime Performance Labs
في ظل الواقع الذي نعيشه اليوم، يعاني قادة الأعمال بيئة عمل أكثر تقلباً من أي وقتٍ مضى، سواء بسبب حالات التوتر الجيوسياسي أو التحولات الجذرية المدفوعة بالتكنولوجيا التي تعيد تشكيل قطاعات بأكملها على إيقاع غير مسبوق. وستشكّل القدرة على التعامل مع هذا الواقع بكفاءة الخط الذي سيفصل القادة الاستثنائيين عن غيرهم.
ونقدم في ما يلي 5 مهارات نعمل على تطويرها مع قيادات الأعمال، وتشكّل هذه المهارات ثمرة عمل دؤوب لبعض أفضل القادة الذين درستُ حالاتهم وعملت معهم، لكنها ليست حكراً على فئة معينة واكتسابها متاح لأي شخص مستعد لبذل الجهد.
1. العقلية التكيفية
عندما يواجه أحدهم تهديداً ما (سواء كان حقيقياً أم متصوّراً)، تنشط اللوزة الدماغية قبل أن يدرك الدماغ ما يحدث، وفي أجزاء من الثانية، يدخل الدماغ في حالة تأهب وترتفع مستويات الكورتيزول ويصبح التفكير محدوداً ويتراجع نشاط القشرة الجبهية الأمامية (مركز الوظائف التنفيذية) إلى حد كبير.
هذه الاستجابة ليست دليل ضعف، بل ميزة يتمتّع بها العقل البشري أسهمت في بقائنا عبر آلاف السنين، لكن المشكلة هنا أن هذه الآلية ليست مهيأة بما يتناسب مع متطلبات القيادة الحديثة.
فالدماغ لا يميّز فسيولوجياً بين التهديد والتحدي، غير أن أبحاث الدكتور جيمس غروس في جامعة ستانفورد حول «إعادة التقييم المعرفي» تظهر أن إعادة تأطير الموقف المهدد بوصفه تحدياً يمكن أن يحدث تحولاً ملموساً في الاستجابة العصبية، بحيث ينخفض الكورتيزول، ويستقر معدل ضربات القلب، وتستعيد القشرة الجبهية الأمامية نشاطها.
وفي عالم القيادة، دائماً ما يمرّ الأشخاص بمواقف تشبه التهديد، والمطلوب في هذه الحالة هو تدريب الذات على تسريع الانتقال من الاستجابة التلقائية إلى القرار الواعي.
2. إدارة حاسمة للأولويات
عند تطور الأحداث، يتزايد تدفق المعلومات.
ومعظم ما يواجه القادة في هذه الحالة هو توقعات في هيئة تحليلات تستنزف طاقتهم ولا تقدم قيمة تُذكر، كما أن الإرهاق الناجم عن كثرة اتخاذ القرارات ظاهرة مثبتة، إذ أظهرت أبحاث عالم النفس الاجتماعي روي بومستر أن القدرة الذهنية تتآكل مع كل قرار يُتّخذ، بغض النظر عن أهميته. لذا، لا مجال لهدرها على ردود فعل اندفاعية.
وقد أُتيحت لي فرصة العمل مع كيفن أوكونور، القائد السابق في القوات الخاصة، الذي علّمني التمييز بين المعلومات المفيدة وغير المفيدة. ففي البيئات المتقلبة، يدرك المحترفون أن محاولة استيعاب كل شيء والتعامل معه ليست سوى كفاءة زائفة تتخفّى في صورة إنجاز. وبدلاً من ذلك، يحددون ما يستحق الانتباه فعلاً، ويحرصون على حماية طاقتهم ومواردهم لتوجيهها نحو اتخاذ القرارات المهمة، بينما يُؤجَّل كل ما عدا ذلك أو يُستبعَد.
ولإدارة حالة الغموض والحيرة بفاعلية، لا بُدَّ من ترسيخ الانضباط اللازم للتصفية والتركيز، والعمل ضمن نطاق التأثير المباشر، أما ما سواه، فهو مجرد ضجيج.
3. العواطف إشارات تؤثّر في الفريق
تفرض طبيعة دور القيادة تأثيراً متسلسلاً وممتداً على أفراد الفريق، الذين يضبطون استجابتهم استناداً إلى ما يرونه، فكما ينتشر القلق، كذلك الهدوء.
وهذه ليس مجرد فلسفة في القيادة، فعلوم الأعصاب تقدّم هنا فهماً حاسماً، إذ تعمل الخلايا العصبية المرآتية عند أفراد الفريق على محاكاة الحالة العاطفية للقائد قبل أن ينطق بأي كلمة. فالانفعال غير المنضبط للشخصيات القيادية يحدد جودة ما سيأتي لاحقاً. وعلى النقيض، يشكّل القائد المنظم عاطفياً عامل استقرار ومصدر ثبات لمن حوله.
وقد لخص رورك دنفر هذه الفكرة في عبارة موجزة: «الهدوء مُعدٍ».. عبارة تبدو بسيطة لكن تنفيذها ليس سهلاً؛ ففي ظروف الأزمات الحقيقية ينهار الهدوء المصطنع سريعاً تحت الضغط، بينما يصمد الهدوء المبني على الممارسة وتدريب الحالة العاطفية والسلوكيات اللاواعية.
إن ضبط العواطف ليس مجرد سمة شخصية، بل قوة قيادية فائقة ومهارة قابلة للتطوير.
4. الفعل يولّد الوضوح
يُعدّ التسويف والمماطلة مشكلة شائعة عند القادة الذين عملتُ معهم (وقد عانيتُ منها أكثر من مرة). فعند معرفة أن للقرارات وزناً وتداعيات كبيرة، يصبح اتخاذها في ظل صورة غير مكتملة أمراً بالغ الصعوبة.
وتوضح علوم الأعصاب سبب ذلك. ففي حالات الغموض، يميل الدماغ بطبيعته إلى تجنّب الخسارة—وقد بيّنت أبحاث دانيال كانيمان الممتدة لعقود أننا نشعر بألم الخسارة المحتملة بضعف ما نشعر به من متعة مكسب مماثل.
وعملياً، لا يكتفي الغموض بجعل القرار أكثر صعوبة، بل يدفع أيضاً نحو التردد والحذر المفرط في اللحظة التي يكون فيها التحرك والوضوح أكثر ضرورةً.
وفي هذه الحالة، لا يمكن بالطبع الانتظار للوصول إلى يقين تام قبل اتخاذ القرار (والذي على الأرجح لن يتحقق، وإن تحقق فبعد فوات الأوان)، بل في المبادرة بالفعل. فالفعل ينتج عنه معطيات جديدة يمكن الاستناد إليها لإعادة التقييم ومواصلة التقدم. أما الجمود، فهو الخطر الصامت.
وعلى المستوى العملي، يمكن الاستفادة من التمييز الذي يطرحه جيف بيزوس بين نوعين من القرارات:
النوع الأول: قرارات لا رجعة فيها وذات أثر كبير تستدعي دراسة معمّقة.
النوع الثاني: قرارات قابلة للتعديل يُفضَّل اتخاذها بسرعة وتعديلها عند الحاجة.
غير أن كثيراً من القيادات في أوقات الأزمات تتعامل مع قرارات النوع الثاني كما لو كانت من النوع الأول، فتقع في شلل يتخفّى في صورة تأنّي وحكمة.
لكن في البيئات المتقلبة، تمثّل القدرة على التحرك السريع في القرارات القابلة للتعديل، مع الحفاظ على الطاقة الذهنية للقرارات المصيرية، ميزة تنافسية حقيقية.
5. المرونة العالية
يعتقد الكثيرون أن المرونة تعني عدم الانكسار، ويرونها تتجسّد في القادة الذين يتحمّلون كل ما يتعرّضون له من دون أن ينهاروا. لكن هذا النوع من الصلابة ما يلبث أن يفشل على أرض الواقع، وغالباً في أسوأ توقيت ممكن.
ويقدّم جوش وايتزكين، أحد أبرز لاعبي الشطرنج في وقته وبطل الفنون القتالية، تعريفاً أدق للمرونة، إذ يصفها بالقدرة على التحرك مع اتجاه الضغط لا الوقوف بمواجهته، والانحناء من دون التعرض للكسر.
أما القادة العالقون في حالة مُرهقة يستمر فيها الأداء لكن بجودة منخفضة واستنزاف عالٍ، هم نفسهم ينهارون سريعاً عند وقوع الأزمات.
وكما الحال لدى عناصر القوات الخاصة، يتطلب الأمر إدارة الطاقة بأسلوب يشبه الشريط المطاطي التمدد للوصول إلى أفضل أداء عند الحاجة، ثم التحوّل بسرعة ووعي نحو استعادة الطاقة بأسرع وقت ممكن.
فالعقل المُجهد يُخطئ؛ أما المُدرّب فيستجيب بكفاءة.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف
مجلة 24 ساعة