حوّل الملحن اللبناني ناصيف الموروثَ الشعبي من ذاكرة شفهية مهددة بالنسيان إلى هوية موسيقية وطنية راسخة، عبر مسيرة امتدت 51 عاما أنتج فيها أكثر من 1100 مقطوعة موسيقية تُجسّد علاقة الإنسان اللبناني بأرضه وطبيعته وتاريخه.
وُلد زكي شاكر ناصيف في الثالث من يوليو/تموز عام 1916 في بلدة مشغرة بالبقاع، في أسرة من ستة أولاد كان هو أصغرهم، وسط أجواء المجاعة وويلات الحرب العالمية الأولىتحت الحكم العثماني.
وتوضح حلقة (2026/3/31) من برنامج “على النوتة” التي يمكن متابعتها من هذا الرابط، أن بذرة موهبته الموسيقية نبعت من والدته التي كانت تغني ألحان “الشروقيات” الحزينة، ومن أسطوانات الشيخ سلامة حجازي والشيخ سيد درويش التي أحضرها والده من الشام.
وتشكّلت ملامح شخصيته الموسيقية مبكرا؛ إذ تعلّم العزف على العود والمجوز بنفسه قبل أي تدريب رسمي، ثم التحق عام 1936 بالمعهد الموسيقي في الجامعة الأمريكية في بيروت حيث درس على أيدي مدرسين روس، وأتقن البيانو والتشيلو، مما أهّله لفهم التوزيع الموسيقي بعمق نظري لم يكن شائعا في وسط الملحنين الشعبيين آنذاك.
وعندما التقى عام 1953 بالمدير الفلسطيني صبري الشريف في إذاعة الشرق الأدنى، وجد في مشروع جمع الفلكلور الشامي فرصته لطرح سؤال جوهري: لماذا لا تكون الموسيقى الموروثة المادةَ الأولى للتأليف الموسيقي في لبنان؟
وتجسّدت الإجابة عام 1955 حين تأسست “عصبة الخمسة” التي ضمت زكي ناصيف إلى عاصي ومنصور رحباني وتوفيق الباشا وتوفيق سكر، وأعلنت انطلاق مرحلة جديدة للأغنية اللبنانية.
وفيما يتعلق بإسهامه الفكري في تطوير الدبكة، أوضح ناصيف أن “دلعونا” ليست مجرد تعبير عاطفي بل هي من الجذر السرياني “ديل عونا” أي “هيا إلى العون”، فطوّرها إلى دبكة مسدسة من ست خطوات.
كما استقى من الألحان السريانية والبيزنطية وتجويد القرآن ومخارج الحروف، محافظا على الهوية الموسيقية المتأصلة بينما يجدّدها من الداخل لا من الخارج.
وعمل على توظيف الموسيقى الغربية خدمةً للروح الشرقية، فكان ناصيف يتحاشى استخدام البيانو كلما وجد في اللحن “ربع صوت”، حفاظا على نقاء المقام من أي تشويه، وهذا التوازن الدقيق بين الأصالة والحداثة هو ما منحه لقب “أبو الفلكلور” الذي استحقه عن جدارة.
كما عمل ناصيف مع كبار الأصوات اللبنانية من صباح ووديع الصافي وسميرة توفيق، وأنجز لفيروز أسطوانة من تسع أغانٍ حملت اسمه، وكانت أغنية “راجع يتعمر لبنان” التي كتبها ولحّنها تحت القصف في أيام الحرب الأقربَ إلى قلبه، إذ كانت تجلب دموعه كلما سمعها، لأنها كانت في جوهرها رسالة عناد وإيمان برغم الخراب.
مجلة 24 ساعة