الرئيسية / صحافة ورأي / من P2P إلى P2B.. تحويلات المصريين بالخارج في اختبار ولاء

من P2P إلى P2B.. تحويلات المصريين بالخارج في اختبار ولاء

أيمن صالح
أيمن صالح
مساعد رئيس تحرير CNN الاقتصادية

 

العلاقة بين الدولة ومغتربيها اختبار حقيقي للوفاء والانتماء، إهمالهم أو العناد في التعامل معهم يولّد النفور، كما يقول المثل: «العند يولد الكفر».
المغترب لا ينسى وطنه، لكنه لا يحتمل التجاهل أو القرارات العنيفة حتى وإن كانت صحيحة، وحكومات تهمل أبناءها في الخارج تخاطر بفقدان الولاء قبل أي شيء آخر.
ومؤخرا صدر قرار في القاهرة يخص تنظيم جلب الهواتف المحمولة إلى البلاد سواء للزوار أو المواطنين المغتربين، ما فتح باباً أمام الأقاويل والتهويل والنفخ في نار الفتنة بين المغترب وبلاده من طرف ثالث لا يهمه سوى إفساد العلاقة بين الدولة ومغتربيها.
تحويلات المصريين العاملين بالخارج تعد أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد، ليس فقط لقيمتها المالية، بل لدورها في دعم ملايين الأسر وتعزيز السيولة الدولارية.
ومع تطور أنماط التحويل عالميا، بدأ يظهر اتجاه جديد يتمثل في التحول من نموذج P2P إلى P2B.
تقليدياً، اعتمدت التحويلات على نموذج P2P (Person to Person)، حيث يرسل الفرد أمواله مباشرة إلى شخص آخر، غالباً لأغراض معيشية أو استهلاكية.
هذا النموذج ظل مهيمنا لعقود، خاصة في الدول النامية، لكنه بات أقل كفاءة في عالم يتجه نحو الرقمنة والتنظيم المالي.
في المقابل، يقوم نموذج P2B (Person to Business) على توجيه الأموال من الأفراد إلى كيانات اقتصادية منظمة، مثل شركات، مؤسسات تعليمية أو خدمية، أو منصات مالية، في هذا النموذج، لا تختفي التحويلات الفردية، لكنها تصبح جزءا من دورة اقتصادية أوسع وأكثر قابلية للتتبع والاستثمار.
التحول نحو P2B يعكس تغيراً في سلوك الأفراد أنفسهم، إذ لم تعد التحويلات مقتصرة على إعالة الأسر فقط، بل امتدت إلى تمويل خدمات، وشراء أصول، أو الدخول في أنشطة اقتصادية مباشرة داخل الوطن، وهو اتجاه تشهده العديد من الاقتصادات الناشئة مع توسع الخدمات الرقمية وتطور البنية المالية.
اقتصادياً، يساهم هذا التحول في تعظيم الأثر الحقيقي للتحويلات، حيث تنتقل الأموال من دورها الاستهلاكي قصير الأجل إلى دور إنتاجي أو خدمي أكثر استدامة، كما يسمح بتقليل الاعتماد على الوسطاء غير الرسميين، ويحد من التشوهات الناتجة عن تداول الأموال خارج الأطر المنظمة.
في الوقت نفسه، يظل نجاح هذا التحول مرتبطاً بعوامل السوق نفسها، مثل الثقة، وسهولة التحويل، والمرونة، وتكلفة الخدمات، وليس فقط بالإطار المؤسسي، فكلما كانت القنوات أكثر كفاءة وشفافية، زادت قابلية الأفراد للانتقال من التحويلات الشخصية إلى التحويلات المؤسسية.
في ظني -وإن بعض الظن حق ما دام بعضه إثماً- أن الحديث عن تحول تحويلات المصريين بالخارج من P2P إلى P2B لا يعني تغييراً قسرياً في أنماط السلوك، بل يعكس تطوراً طبيعياً في طريقة تفاعل الأفراد مع الاقتصاد، وانتقال الأموال من المسار الفردي الضيق إلى مسار أوسع قادر على إحداث أثر اقتصادي أعمق.
لذلك على الدولة أن تتأنى قبل إصدار أية قرارات اقتصادية مضمونها طيب لكن تأثيرها النفسي غير ذلك ويولِّد نوعاً من العناد أو الكراهية تشوّه تلك العلاقة أو تفتح باباً أمام أي طرف ثالث لإفساد تلك العلاقة.

شاهد أيضاً

مودي حكيم يكتب: فنان أحب الحياة

  في مثل هذه الأيام من العام الماضي، سنحت الفرصة لزيارة ولقاء أشهر وأغنى فنان …