الرئيسية / صحافة ورأي / الاقتصاد الإبداعي العربي

الاقتصاد الإبداعي العربي

جابر محمد الشعيبي
جابر محمد الشعيبي
كاتب وباحث إماراتي

شهدت المنطقة العربية خلال العقد الأخير تحولات لافتة جعلت من الثقافة والفنون والرياضة مكونات أساسية في استراتيجياتها التنموية، بعدما كانت تُصنَّف سابقاً مجرد أنشطة ترفيهية أو مكملات للهوية الوطنية. هذا التحول لم يكن شكلياً، بل جاء استجابة لحقيقة عالمية أكدها تقرير الأونكتاد لعام 2024، الذي أظهر أن الصناعات الثقافية والإبداعية تسهم بما يقارب 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتوفّر نحو 6.2% من الوظائف، مع تفاوت نسب المساهمة بين الدول لتتراوح بين 0.5% و7.3% من الناتج المحلي وحصة تشغيل تصل إلى 12.5% من إجمالي العمالة في بعض الاقتصادات.

كما قدّر التقرير القيمة السنوية لإيرادات هذا القطاع بأكثر من 2.3 تريليون دولار، ما يجعله قطاعاً محورياً في الاقتصاد العالمي وأداة للتنويع والقدرة التنافسية، خصوصاً في الدول الباحثة عن نماذج نمو جديدة مثل المنطقة العربية. في دول الخليج مثل الإمارات وقطر والسعودية، أظهرت الفعاليات الكبرى أن الاستثمار في الثقافة والترفيه قادر على ضخ مليارات في الاقتصاد. إكسبو 2020 دبي لم يكن مجرد معرض مؤقت، بل مشروعاً ممتداً ستتجاوز عوائده 150 مليار درهم خلال العقود المقبلة عبر البنية التحتية الجديدة، وتنامي السياحة، وجذب الشركات العالمية إلى «مدينة إكسبو». أما بطولة كأس العالم في قطر فقد أضافت مليارات الدولارات إلى الاقتصاد المحلي، وأسهمت في تعزيز صورة الدولة عالمياً كوجهة رياضية وسياحية، وفتحت الباب أمام صناعة سياحة متخصصة في استضافة الفعاليات الكبرى . وفي السعودية، وفّر موسم الرياض وصناعة السينما الناشئة مصادر دخل جديدة خلقت آلاف الوظائف المباشرة في مجالات الفنون والإنتاج والإدارة، إلى جانب الوظائف غير المباشرة في الضيافة والنقل والتجزئة. هذه التجارب مجتمعة تعكس كيف تتحول الثقافة إلى صناعة متكاملة قادرة على خلق قيمة اقتصادية مستدامة، ليس من خلال الإنفاق الاستهلاكي فحسب، بل عبر نقل الخبرات وبناء قدرات محلية في الإدارة والتنظيم والإعلام والتسويق. ومع ذلك فإن ما ينتظر السعودية في الأعوام المقبلة سيكون أكبر، فالمملكة تستعد لاحتضان إكسبو 2030 في الرياض، ثم كأس العالم لكرة القدم 2034، وهو ما سيجعلها واحدة من أكبر مراكز الفعاليات العالمية، ويعزز موقعها محركاً رئيسياً للاقتصاد الإبداعي على المستويين الإقليمي والدولي .

وفي مصر، ورغم تحديات البنية التحتية، لا تزال السينما والموسيقى تشكّل مصدراً مهماً للعوائد المالية.. إنتاج الأفلام والمسلسلات لم يعد يستهدف السوق المحلي فقط، بل يُوزّع عبر المنصات الرقمية العالمية، ما يدرّ عائدات من العملات الأجنبية ويساعد على إبقاء مصر حاضرة على خريطة الإنتاج العربي. وزاد ذلك الاهتمام المتنامي من شركات البث العالمية بالمحتوى العربي، إذ ترى فيه نافذة توسع في سوق يضم أكثر من 400 مليون متحدث بالعربية، وهو ما يفتح المجال لعوائد طويلة الأجل تتجاوز حدود العروض المحلية، كما تستفيد مصر من السياحة الثقافية المرتبطة بتاريخها الفني العريق، حيث يجذب مهرجان القاهرة السينمائي جمهوراً من المستثمرين والمنتجين الدوليين، وهو ما يعزز الحركة السياحية والفندقية ويضخ عملات أجنبية في الاقتصاد المحلي.

الأردن مثال آخر على المكاسب المتعددة. فالسياحة الثقافية والدينية توفّر نسبة مهمة من الناتج المحلي، فيما منح تصوير أفلام عالمية في صحراءه عقوداً بملايين الدولارات لقطاع الخدمات المحلي، وفتح فرص عمل جديدة للمجتمعات القريبة من مواقع التصوير. هذه العوائد الاقتصادية ترافقت مع تعزيز صورة الأردن كمقصد آمن وجاذب للإبداع، وهو مكسب دبلوماسي يعزز مكانته في المنطقة ويمنحه قوة ناعمة تتجاوز حجمه الاقتصادي، ويضعه في موقع مؤثر على خريطة صناعة الأفلام الدولية.

أما المغرب فقد حوّل مهرجاناته إلى مصدر دخل رئيسي من خلال استقطاب مئات آلاف الزوار سنوياً، ما يدعم قطاعي السياحة والضيافة ويضخ عملات أجنبية في الاقتصاد. الصناعات التقليدية بدورها تدرّ عوائد عبر التصدير إلى أوروبا وإفريقيا، ما يجعل الثقافة وسيلة لتنويع الصادرات بعيداً عن الفوسفات والزراعة. المغرب أيضاً يستفيد من موقعه الجغرافي ليكون جسراً بين إفريقيا وأوروبا، وهو ما يمنحه فرصة لتسويق منتجاته الإبداعية لملايين المستهلكين في القارتين، ويعزّز مكانته كوجهة متكاملة تجمع بين التراث والحداثة.

تونس هي الأخرى تحقق أرباحاً ملموسة من مهرجان قرطاج السينمائي، ومن حركة الإنتاج المشترك مع شركات أوروبية تستفيد من كلفة الإنتاج المنخفضة. هذه الشراكات لا تولّد عوائد مالية فقط، بل تبني خبرات محلية تراكمية في مجالات السينما والإعلام الرقمي، وتفتح المجال أمام جيل جديد من المبدعين.

أما لبنان، فرغم أزماته الاقتصادية والسياسية، لا يزال يصدّر الموسيقى والإعلام والموضة، مستفيداً من شبكاته الواسعة في المهجر. العوائد هنا لا تُقاس فقط بالمال المتدفق من الحفلات والإنتاجات الفنية في الخليج وأوروبا وأميركا، بل أيضاً بما يمثله هذا الانتشار من حفاظ على مكانة لبنان مركزاً إبداعياً إقليمياً، وهو رصيد دبلوماسي ومعنوي في ظل الأزمات الداخلية. وما يميز التجربة اللبنانية أن الإبداع لم يعد فقط أداة اقتصادية بل أيضاً وسيلة صمود اجتماعي، حيث وفرت الصناعات الثقافية فرصاً لشباب وجدوا فيها مجالاً للعمل والتعبير بعيداً عن الانقسام السياسي والاقتصادي، ما يعكس عمق العلاقة بين الثقافة والاستقرار المجتمعي.

إجمالاً، يمكن القول إن الأثر الاقتصادي للإبداع العربي يظهر في ثلاثة مستويات متداخلة. الأول مالي مباشر يتمثل في الإيرادات من التذاكر والرعاية والإعلانات والتصدير، إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية وخلق الوظائف. والثاني اجتماعي يتمثل في تمكين الشباب وإتاحة مساحات للإبداع وبناء مجتمعات أكثر تفاعلاً وانفتاحاً، إضافة إلى مساهمته في رفع جودة الحياة وتحفيز السياحة الداخلية وتخفيف الضغوط على سوق العمل التقليدي، أما الثالث فهو دبلوماسي واستراتيجي، حيث تمنح هذه القطاعات الدول العربية أدوات قوة ناعمة تعزز حضورها الدولي، وتسمح لها بتقديم نفسها كوجهات ثقافية وسياحية حديثة، قادرة على المنافسة عالميًا وصياغة صورة إيجابية عن المنطقة في الإعلام والرأي العام العالمي.

ولكي يتحول الاقتصاد الإبداعي العربي إلى مسار مستدام، لا بُدّ من الاستثمار في التعليم والتدريب المتخصص لتأهيل الكفاءات، ووضع تشريعات لحماية الملكية الفكرية تشجع على الابتكار والإنتاج المحلي، وربط المشاريع الإبداعية ببرامج التنمية المجتمعية بحيث تصل فوائدها إلى مختلف المناطق، مع تعزيز التعاون الإقليمي لتبادل الخبرات وتوسيع الأسواق. هذه الخطوات كفيلة بتحويل الفعاليات والمبادرات الحالية إلى صناعة متكاملة تدر عوائد طويلة الأجل وتمنح العالم العربي موقعاً متقدماً على خريطة الاقتصاد العالمي.

CNN News

شاهد أيضاً

زينب السجيني جعلت من الأمومة أسطورة تشكيلية

خلال مسيرتها الحافلة، نجحت زينب السجيني في تثبيت مجموعة من العلامات الدالة على طبيعة عالمها، …