في السنوات الأخيرة، أخذت
الاستثمارات الخليجية والعربية تتجه بقوة نحو القارة الإفريقية، في تحوّل لافت عن المسارات التقليدية التي كانت تتركز في الغرب أو آسيا.
هذا التوجه المتسارع يثير تساؤلات حول طبيعته ودوافعه؛ هل هو تعبير عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى تسعى لبناء شراكات متنوعة ومستدامة؟ أم أنه سباق مصالح في ساحة دولية جديدة يتنافس فيها اللاعبون الدوليون على النفوذ والموارد، وسط تحولات متسارعة في النظام الاقتصادي العالمي؟
جاذبية القارة الإفريقية لا يمكن إنكارها، فهي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة لعام 2023، ويتوقع أن يتجاوز عدد سكانها 2.5 مليار بحلول 2050، ومع هذا النمو الديموغرافي، تتسارع وتيرة التحضر وتوسّع الطبقة الوسطى، ما يجعل إفريقيا من أكبر الأسواق الاستهلاكية الصاعدة عالمياً.
تمتلك إفريقيا وفرة في الموارد الطبيعية من المعادن والأراضي الخصبة والمياه، إلى جانب موقع جغرافي استراتيجي يجعلها قريبة من الممرات التجارية والخليج العربي على حد سواء، في الوقت نفسه، تعاني القارة من فجوة تمويلية كبيرة في قطاعات البنية التحتية والطاقة، تقدر بأكثر من 100 مليار دولار سنوياً، ما يفتح المجال واسعاً أمام رؤوس الأموال الباحثة عن فرص مبكرة ومجزية، لا سيما في بيئة لا تزال بحاجة ماسة إلى تحسينات هيكلية في الخدمات الأساسية.
يُضاف إلى ذلك أن إفريقيا باتت محط أنظار القوى العالمية والإقليمية التي تتنافس على النفوذ الاقتصادي والسياسي فيها؛ الصين، على سبيل المثال، تمكّنت خلال العقدين الماضيين من ترسيخ وجودها من خلال مشاريع البنية التحتية الضخمة وقروض ميسّرة، فيما تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها عبر مشاريع إنمائية ومراكز ثقافية وتجارية. هذا الزخم الدولي شكّل دافعاً إضافياً للدول الخليجية والعربية كي لا تبقى خارج المشهد، بل لتصوغ هي الأخرى موقعاً استراتيجياً لها داخل القارة، سواء عبر بوابة الاقتصاد أو الأمن أو العلاقات الثقافية، كما أن تعدد الفرص الاستثمارية في مجالات مثل التكنولوجيا الزراعية، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، يشكّل حافزاً إضافياً أمام الحكومات الخليجية لتعزيز حضورها في الأسواق الأفريقية الواعدة.
ضمن هذا السياق، تظهر الإمارات كمثال بارز على هذا الحراك، فقد تمكنت من توسيع حضورها الاقتصادي في القارة من خلال شركات مثل «موانئ دبي العالمية»، التي تدير وتشغّل موانئ رئيسية في غرب وشرق إفريقيا، بالإضافة إلى استثمارات في الطاقة النظيفة، والمناطق الحرة، والقطاع الزراعي، كما سعت المملكة العربية السعودية إلى تعزيز أمنها الغذائي من خلال شراء واستئجار مساحات زراعية واسعة في دول مثل السودان وإثيوبيا، عبر مؤسسات مثل «سالك» وصناديقها السيادية، في مسعى لتأمين سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
أما قطر والكويت، فقد فضّلتا حتى الآن نهجاً مدروساً، يتمثل في التوسع التدريجي من خلال استثمارات في التعليم والخدمات والمساعدات الإنسانية، في حين تعزز مصر والمغرب نفوذهما في غرب إفريقيا انطلاقاً من علاقاتهما التاريخية والثقافية، خاصة في الدول الناطقة بالفرنسية.
لكن الحضور العربي في إفريقيا لا يرتبط فقط بالفرص الاقتصادية، بل يتقاطع أيضاً مع اعتبارات استراتيجية أعمق، ففي ظل التغيرات المتسارعة في النظام الدولي، تسعى العواصم الخليجية لبناء علاقات متعددة الأبعاد، تجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن، الاستثمار في الموانئ وإنشاء الطرق التجارية الجديدة والدخول في شراكات طاقة لا يمكن قراءته بمعزل عن التنافس الجيوسياسي المتزايد في القارة، خاصة في مواجهة أدوار متنامية لقوى مثل الصين وتركيا والهند، وأحياناً حتى إيران وإسرائيل، كما أن بعض دول الخليج تنظر إلى إفريقيا كامتداد طبيعي لسياساتها الخارجية، ضمن مقاربة تعزز من «العمق الاستراتيجي» عبر البحار، وتخدم في الوقت ذاته أولويات الأمن الغذائي والطاقة والاستثمار طويل الأجل.
رغم هذه الديناميكية، يظل السؤال قائماً حول مدى استدامة هذه الاستثمارات، وقدرتها على تحقيق أثر تنموي فعلي في البلدان المضيفة.، فبعض المشاريع الخليجية تعرضت لانتقادات ظالمة، من حيث استحواذها على أراضٍ زراعية دون مراعاة مصالح المجتمعات المحلية، فيما أُثيرت فرضيات غير موثقة من أن تتحول بعض الاستثمارات إلى أدوات للهيمنة الاقتصادية بدل أن تكون جسوراً للتنمية المتبادلة، كما أن البيئة السياسية في عدد من الدول الإفريقية تبقى هشّة، بفعل الانقلابات أو النزاعات الداخلية، ما يجعل بعض هذه الاستثمارات عرضة لمخاطر جيوسياسية يصعب التحكم بها، إضافة إلى ذلك، لا تزال البنية القانونية والمؤسسية في عدد من الدول الإفريقية ضعيفة، ما قد يعوق تنفيذ المشاريع الكبرى أو يطيل أمدها بشكل غير مجدٍ، وقد أظهرت تجارب سابقة أن تجاهل السياق المحلي أو فرض نماذج استثمارية دون تشاور مجتمعي كافٍ قد يؤدي إلى فشل المبادرات أو حتى إلى احتجاجات شعبية في بعض الحالات.
لكن وسط هذا المشهد المعقّد، لا تخلو الساحة من تجارب واعدة، بعض المبادرات الإماراتية، كالمشاريع التي تنفذها «مصدر» في مجال الطاقة النظيفة في السنغال وموريتانيا، تمثل نموذجاً متقدّماً للتكامل بين الاستثمار والبعد البيئي والاجتماعي، كما أن دخول صناديق التنمية الخليجية، مثل صندوق أبوظبي للتنمية أو الصندوق السعودي للتنمية، كممولين لمشاريع البنية التحتية والتعليم والصحة، يعكس بداية لدمج البُعد الإنمائي في الأجندة الاستثمارية.
من جهة أخرى، هناك توجه متصاعد نحو بناء شراكات ثلاثية تجمع بين الدولة الخليجية والدولة الإفريقية وشركاء دوليين في التمويل أو التكنولوجيا، هذا النموذج قد يشكّل ركيزة لتحقيق توازن أفضل بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية، خصوصاً في ظل تصاعد التحديات المناخية والاقتصادية في القارة، وتبرز هنا الحاجة إلى أدوات تمويل مرنة، وشراكات مؤسسية تتجاوز الطابع الحكومي التقليدي، لتشمل القطاع الخاص والمجتمع المدني المحلي، بما يضمن استمرارية الأثر واستقرار العائد.
إن مستقبل العلاقة بين العالم العربي وإفريقيا يجب ألا يُبنى فقط على تدفق رأس المال، بل على بناء الثقة وتعزيز الشراكات المتوازنة، فالقارة ليست مجرد وعاء للموارد أو ساحة نفوذ، بل هي شريك استراتيجي طويل الأمد مبني على تنمية الإنسان، فالدول الخليجية والعربية تلعب دوراً مؤثراً ومستداماً في إفريقيا، فقد نجحت في الانتقال من منطق «الاستثمار» إلى منطق «الشراكة»، عبر دعم المؤسسات المحلية، وتوظيف الكفاءات الإفريقية، واحترام خصوصيات المجتمعات المضيفة، والتفاعل الحقيقي مع أولويات التنمية الوطنية في كل بلد.
بهذا المعنى، فإن التحدي لا يكمن في مدى حجم الاستثمارات، بل في نوعيتها، وعمق أثرها، ومدى انسجامها مع تطلعات الشعوب الإفريقية، فإما أن يكون الحضور الاستثماري في إفريقيا نموذجاً جديداً للتعاون الدولي العادل، أو يتحول إلى مجرد فصل جديد من فصول التنافس على القارة.
CNN Business News