
باحث وكاتب
في الحقيقة همنغواي من بعد ذلك الانقلاب حمل الدعوة إلى الفرح بالحياة وإلى مواصلة النضال الجماعي، إنما المنفصل عن أي مستوى أيديولوجي، لا سيما لدى المبدعين الذين لديهم، وكما سيقول دائماً، من الفكر والوعي ما يمكنهم من نشر الاحتفاء بالحياة والدفاع عنها ما يغنيهم عن تنفيذ سياسات حزبية تكتيكية أو ضيقة الأفق بصورة عامة. المهم إن انتحار همنغواي في نهاية المطاف، وفي مرحلة من حياته بدا فيها أن أعلى درجات النجاح باتت تتوج مساراته، إنما كان إشارة مهمة إلى ذلك الانفصام الذي تجلى لديه منذ “أن تملك أو لا تملك” بين ذاتيته المفرطة ونزعته النضالية التي يبدو أنه قد عممها على الآخرين ولكن ليس على ذاته. وربما يمكننا عند هذه النقطة بالذات أن نفهم همنغواي وتقلباته الفكرية التي حكمت أساليبه الأدبية المميزة، إنما من دون أن يبتعد بها عن المستويات الكبرى التي بلغها في أعماله الضخمة. ومع ذلك كله، وعند مظاهر الأمور على أي حال، قد يكون من الصعب القول “أن تملك أو لا تملك” تختلف في موضوعها وكونها رواية مغامرات، وفي شخصياتها المتقلبة أو المناضلة عن شخصية المؤلف نفسه في تقلباته التي عرف دائماً كيف يعبر عنها بعبقريته السلوكية أو السيكولوجية وعن علاقته هو بها سواء لعب دور الراوي أو اكتفى بالبطولة في هذه الرواية أو تلك. فعم تتحدث “أن تملك أو لا تملك”؟
عادية البطل الاستثنائي
الشخصية المحورية في هذه الرواية تحمل اسماً يكاد يكون عادياً في أدب همنغواي، هاري مورغان، ومهنته بدورها تكاد تكون “طبيعية” في عوالمه: هو مهرب عبر البحار يتحرك بين فلوريدا وكوبا ناقلاً شتى أنواع البضائع المهربة بواسطة مركبه المتنقل صيفاً وشتاء محملاً في طريقه بالأثرياء الذين يهوون الصيد في أعالي بحار تلك المناطق الفاتنة من العالم. وذات مرة يحدث لواحد من أولئك الأثرياء أن يستأجر منه المركب ليقضي مأربه منه ثم يتركه في ميناء هافانا من دون أن يسدد له ما اتفقا عليه مقابل ذلك. ولكن هاري يتمكن من إعادة مركبه عبر احتيال على مجموعة من الصينيين الذين يحصل منهم على المبلغ المطلوب مقابل إقناعهم أن في إمكانه أن يدخلهم إلى الأراضي الأميركية في فلوريدا. ولاحقاً فيما هو يحاول ذلك يجد نفسه متورطاً في معركة حامية مع رجال الجمارك الأميركيين وهي معركة يفقد خلالها ذراعه. غير أنه سرعان ما سيقتل إثر ذلك خلال اشتباك دام يندلع بين مجموعتين من الثوار الكوريين الذين كان ينقلهم من فلوريدا إلى هافانا. والحال أنه لئن كان هاري بطلاً من النمط الذي يملأ روايات همنغواي فإنه يبدو أقلهم استقامة هو الذي يقر بعدم نقائه، مردداً قولة مبدع شخصيته بأن ليس على البطل، لكي يكون بطلاً حقيقياً أن يكون نقياً. غير أن ذلك لا يعني أن هاري ليس في نهاية الأمر شخص طيب. فهو يتمتع وبحسب همنغواي نفسه، بتلك الفضائل التي يتمتع بها البطل الحقيقي: الرجولة والشجاعة اللتان تسمان معاني التصدي لعالم الانهيار البورجوازي المليء بالنذالة والتلاعب والكذب. إنه بطل عادي ولكن في عالم تبدو نذالته استثنائية.
في هذا السياق، حتى وإن بدت رواية همنغواي هذه ذات عادية أسلوبية تتماشى مع بناء مرتبك في رسم الشخصيات، يبدو لنا أن ما كان يهم الكاتب ليس ذلك البناء في حد ذاته بل التفوق في رسم شخصية البطل، إلى درجة جعله واحداً من أكثر أبطاله وفي مجمل روايته، تعبيراً عنه ومن هنا تحويله من نمطيته إلى استثنائية ما، في مقابل تحويل المجتمع الذي يعيش ويتحرك فيه بطله كما يفعل هو نفسه، إلى مجتمع نمطي يجب الثورة ضده حتى وإن كان الأمر سينتهي بانتصار ذلك المجتمع، وهو ما يرمز إليه تدرج هاري من بطل مسيطر على وضعه إلى بطل يتم الاحتيال عليه بكل بساطة كما من ثم إلى ضحية يفقد ذراعه ثم حياته وصولاً إلى فشل ثورته الفردية واختفائه هو نفسه رغم صواب موقفه.
Independent News
مجلة 24 ساعة