
من المستجدات في لائحة التبدلات، التي تعيش فيها الكويت، تصاعد مشاركة بنات الأسرة في مسار التنمية، التي بدأت تظهر خيوطها مع خريطة الانطلاق في البناء والإنجاز، وفق المنظور الذي تبناه مجلس الوزراء، ومن الأسماء التي لمعت تعيين الشيخة بيبي يوسف سعود الصباح مشرفة على توزيع بيوت النساء، اللواتي تنطبق عليهن الشروط، وأتذكر جيداً زيارتها إلى نيويورك في السعبينيات، عندما كنت مندوباً للكويت في الامم المتحدة، وتوفرت من تلك الزيارات مشاعر الود والاحترام والتقدير، لإصرارها على الإبحار في الأعمال الخاصة بروح تتميّز بالاقتناع بنوعية العمل الذي تبنته، وحملها إلى عبور المحيط وصولاً إلى نيويورك، معتمدة في هذه المسؤوليات على ما تملكه من مواهب، مع تأكيد انها لن تتوقف عند بروز عقبات قد تسبب لها بعض القلق.
تولد الاختيار من ثقة أصحاب القرار في قدرتها على النهوض بهذه المهمة، اعتماداً على ما حققته من نجاح في مجالات العمل الخاص، إضافة إلى معرفة شخصية لمست ما لديها من اقتدار في تولي مسؤوليات، جاءت من ترجمة التمنيات إلى واقع بارز، تحولت فيه الأحلام إلى بيوت وفّرت الراحة والاطمئنان لمواطنات، كان الخوف من المجهول يتسيد حياتهن.
والحقيقة أن هناك شخصيات من نساء الأسرة أبدعن في الأدب والشعر والترجمة، نقرأ حصيلة هذه المواهب في شعر الدكتور الشيخة سعاد المحمد الصباح، ونعتز بحواراتها مع أحداث الكويت عبر ما تحمله كتاباتها إلى القراء، والتي تتميز بالحس الوطني الطاغي في عمقه، وفي معاني الانتماء التي تحملها هذه الاصدارات، وأشير إلى عطاء الشيخة حصة صباح السالم في انطلاقها برحلة المحبة مع الآثار الإسلامية المختلفة، وتشييد مركز الإلهام للكنوز الإسلامية القديمة وتطوراتها، والأهم متانة الصحبة الجميلة، التي شيدتها الشيخة حصة في احتضانها لهذه الإبداعات، ومؤشراتها إلى التنوع والاختلاف بين أنواع التركة التاريخية، التي خلفتها الحضارة الإسلامية.
فمن يتعرّف على الشيخة حصة، ومن دون ترتيبات، يجد نفسه في بيئة مستنيرة بأدب المعرفة وتقدير الإبداع.
وهنا أسجل ملاحظاتي بأن تثمين الشيخة حصة للثقافة الإسلامية ومعانيها، وتغنّيها بقيم حضارة الإسلام، تتجسد في البيئة التي تعيش فيها، في منزلها، وفي المتحف الثري بالمقتنيات النادرة.
ومن المؤكد أن هناك أعداداً أخرى تعبّر عن تعدد المواهب بين نساء الأسرة، وستبرز المواهب مع الدعوة لتجنيد هذه المواهب في تحمّل مسؤوليات التطور في الكويت.
كانت الملكة اليزابيث الاولى أفضل من تولى المسؤولية، ففي عصرها تطورت بريطانيا في التوسّع خارج أوروبا، في آسيا وأفريقيا، وبدأت متانة الأسطول البريطاني، وانتشرت قواعد التصنيع، وتسيد الأدب والثقافة الأجواء، ولم يستطع من خلفها في السلطة مقارعة الانجاز سوى الملكة فكتوريا، التي في عهدها حققت بريطانيا أعلى مراتب التوسع.
واستفادت أنظمة الحكم في أوروبا من تجربة بريطانيا في تحول مسؤولية الحكم نحو القديرات من بنات الأسرة الحاكمة.
ومع مرور السنوات اتسعت الآفاق، لتولي النساء مسؤوليات الحكم، وكما سجل التاريخ الاسلامي دور السيدة خديجة، زوجة النبي محمد ﷺ في حكمة التصرف، وفي توفير الاطمئنان الضروري لتلك المرحلة في بداية الدعوة.
هناك كفاءات من سيدات الأسرة، تسلحن بالعلم وتعايشن مع الثقافات، ومررن بتجارب وفّرت لهن آليات التأهيل، فلا حظر يمنع الاستفادة من هذه المواهب، خاصة أن عدد النساء في تركيبة الحكومة الحالية أكثر من السابق، ونتمنى المزيد نحو المساواة، طالما بقيت شروط التأهيل تعتمد على المواهب والكفاءة.
فهناك سيدات من الأسرة، من عشن في أوروبا وأمريكا، وعرفن الهند، وتجولن في مختلف الدول العربية، وأتذكر جيداً وبمودة الشيخة رشا الحمود الصباح، التي كانت معنا في نيويورك، ودرست في جامعة قريبة من المدينة الصاخبة.
وحصلت على الدكتوراه، والتحقت بالتدريس، ومارست العمل في الديوان الأميري، وغيرها الكثيرات لم نتعرّف عليهن، وهن قادرات على المشاركة في الحياة العامة.
لا بد من تثمين القرار الحكيم في الاستفادة من قدرة ومواهب بنات الأسرة، فقد تواصلنا مع بعض سيدات الأسرة، ممن دخلن القطاع الخاص، ومارسن الأعمال الحرة، وأتذكر بإعجاب المرحومة الشيخة بدرية سعود الصباح، التي كانت تدير أعمالاً تجارية، تعرفت عليها في نيويورك مع أسرتها، وكانت سيدة حريصة على الانضباط، ودقيقة في تحمّل المسؤوليات، وإذا كان مسار التجارة مدخلاً لسيدات الأسرة، فمن الأولى أن يتسع الفضاء للاستفادة من هذه المواهب في شؤون الدولة، بدلاً من إخفاق طموحاتهن، وحصرها في الأعمال الخاصة.
كنت من ضمن المواطنين، الذين أسعدهم اختيار الشيخة زين الصباح سفيرة للكويت في واشنطن، فهي تتناسب مع المسؤولية ومع المدينة وما فيها من ثقافات أمريكية وأوروبية ولاتينية، ولم تكن أول سفيرة للكويت، فقد سبقتها كل من السفيرة نبيلة الملا، والسفيرة ريم الخالد، وسجل التاريخ نجاح الاثنتين، وسط تقدير جماعي من الكويت ومن خارجها.
وهنا لا بد من اتخاذ خطوات تشجيع المؤهلات على التحرّك والالتحاق بما يتناسب مع مؤهلاتهن، فأتذكر واقع وزارة الخارجية، حيث التحقت بالعمل فيها الشيخة نعيمة أحمد الجابر، كان ذلك في الستينيات، وبالتأكيد فالمؤهلات يتواجدن بأعداد كبيرة، ونأمل أن تخرج مؤشرات تزيل الحاجز التقليدي، لكي تلتحق المؤهلات بالمكان المناسب.
ظلت الأميرات في أوروبا يمارسن أعمالاً تشريفاتية في ترؤس بعض وحدات الجيش أو بعض النوادي، والمشاركة في مسارات الرياضة، منذ أصبحت العروش في تلك القارة تتكون من ملوك وملكات انسجمن مع التبدلات في أسلوب الحكم، فانتهت سلطة الملوك في أوروبا، التي انتقلت إلى إرادة الشعوب، وتجسدها في حكم برلماني ديموقراطي، يعبّر عن إرادة شعبية تدير البلد، مع الحرص على سلامة النظام الملكي، الذي يرمز إلى تطور الآليات وسلامة المؤسسات وتطويقها بالحرص على ديمومتها.
انتهت ملوكية السلطة في أوروبا مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وبقي من الأنظمة الملوكية من انسجم مع التحولات، وتقبل انسحاب السلطة وتحولها إلى أنظمة تملك ولا تحكم، دليلاً على الاستجابة لنداءات الديموقراطية وتقبل تبعاتها.
نحن في الكويت على معرفة بما نحتاج إليه في مسار التطور والتجديد، ونتمنى أن ينضم من يملك المؤهلات من بنات الأسرة للالتحاق بمختلف مؤسسات الدولة، وأضيف إلى مبدأ الاستفادة من مؤهلات بنات الأسرة، أن الاختلاط المفتوح في الإدارات والمكاتب يعمق جذور الوحدة الوطنية، ويوسع الأبواب في التلاقي، وأهم من كل ذلك، يجذر وحدة التآلف، ويرسم بشكل قوي صلابة الصخرة الكويتية داخلياً، وأناقتها خارجياً.
*نقلاً عن “القبس“
مجلة 24 ساعة