في ثلاثينيات القرن الفرنسي الماضي، احتلت نوش إلويار المعروفة بجمالها مكانة خاصة في حياة السورياليين ومخيلتهم. فهي ظهرت في رسوم بيكاسو، وصور مان راي وثيودورا ماركوفيتش المعروفة بدورا مار، ورولان بنروز، ولي ميلر، وألهمت زوجها بول إلويار أجمل قصائده وعُرضت صورها واللوحات التي تناولتها، مثلها مثل صور نساء أخريات تحلقن حول السورياليين، في كبريات صالات العرض والمتاحف الفرنسية. غير أننا لا نعرف الشيء الكثير عن هذه المرأة التي كان لها حضور قوي وسط هذه الحلقة بعد أن اقترن اسمها بأسماء أعضائها وخلد وجهها وجسدها لوحاتهم، علماً أنها لم تترك أي عمل فني يذكر وراءها. فهل كانت نوش امرأة بلا قصة وبلا صوت؟
في هذا الكتاب الجميل والمزين بالصور “نوش إلويار، النساء تحت السوريالية”، تتّتبع يوانا ماسو مسرى حياة هذه المرأة كما تتبدى في شذرات سوريالية خطّت هنا وهناك، فتسلط الضوء على احتفاء السورياليين بأنوثتها، معيدةً كتابة حياتها، متسائلةً عن دورها في التصوير الفوتوغرافي والرسم السوريالي في حركة تعتبر واحدة من أبرز التيارات الفنية في القرن العشرين، ضمت تحت لوائها نخبة من الشبّان المأخوذين بسحر عوالمها ورؤيتها التجريدية للكون. فنوش هي “المرأة الأثيرية” في لوحات بيكاسو و”الجسد المُمَجّد” بعدسة مان راي، و”الجمال الغامض ساعة الغسق” في أشعار بول إلويار، والمرأة ذات الحضور الطاغي في الصور واللوحات والقصائد السوريالية.
ولدت نوش واسمها الحقيقي ماريا بنز عام 1906 في مدينة ميلوز الواقعة في شمال شرقي فرنسا في منطقة الألزاس- اللورين يوم كانت جزءاً من الإمبراطورية الألمانية وتوفيت حاملة الجنسية الفرنسية في باريس عام 1946. قضت طفولتها كلاعبة بهلوانية في خيمة سيرك والدها أوغست بنز، الذي كان يتنقل من قرية إلى أخرى، مقدماً عروضه مع زوجته ماري-جوزيفين وفرقته الصغيرة.
عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، أخرجها والدها، الذي كان يطلق عليها تحبباً ولصعوبة التعامل معها، اسم “نوش” ومعناه “الجوزة”، من المدرسة لتدريبها على الألعاب البهلوانية وتعليمها فنون المسرح. فشاركت في عروض المهرجين والتأرجح على الحبال وعروض ألعاب الخفّة. وفي العاشرة من عمرها، أعدّ لها خصيصاً عرضاً قائماً على استخدام السلاسل جعل منها النجمة الأولى لمسرح العائلة ومصدر دخلها. عام 1920، أصبح أوغست بنز فرنسياً بموجب مرسوم 14 ديسمبر (كانون الأول) 1919. فشجّع ابنته البالغة من العمر أربعة عشر عاماً على قبول عرض من مسرح في العاصمة الألمانية. تُركت نوش بمفردها في برلين، حيث أدت أدواراً مسرحية صغيرة من دون أن تتلقى أجراً لقاء عملها، مما اضُطرها لقبول عروض التقاط صور إباحية لها وممارسة الدعارة من أجل البقاء على قيد الحياة.
فور بلوغها سن الرشد انتقلت الصبية إلى باريس وتحديداً إلى مسرح الرعب الإيروسي المعروف باسم “غراند-غينيول” الواقع في الدائرة التاسعة، حيث وجدت دوراً ثابتاً كمؤدية لعروض التنويم المغناطيسي، تحدثت من خلالها كوسيطة مع الأرواح. لم يكن الممثلون آنذاك يتلقون أجراً من المسرح، بل كان الأجر يُعطى مباشرةً من الجمهور ومن اللقاءات التي تلي العروض. فمن أجل تأمين بدل إيجار غرفتها المتواضعة الواقعة بالقرب من محطة “سان لازار” للقطارات، كانت نوش تسرق أحياناً زياً أو أكسسواراً من المسرح وتمارس الدعارة وتقوم بقراءة الكف وورق التاروت. لكن “حياتها الحقيقية” لم تبدأ فعلياً ألا بعد لقائها بالشاعر الكبير بول إلويار عام 1930، علماً أنها، قبل ذلك، كانت على علاقة بماكس بيل، المهندس السويسري الذي ارتبط اسمه بمدرسة الباوهاوس الفنية.
لقاء الشارع
كانت نوش تتجول ذات يوم في الشوارع الباريسية الواقعة بالقرب من “غاليري لافاييت”، امرأة جميلة ترتدي فستاناً طويلاً وقبعة سوداء، كأنها خرجت للتّو من أحد أفلام لويس بونويل، عندما اقترب منها كل من الشاعرين رينيه شار وبول إلويار بذريعة البحث عن “نادجا” جديدة؛ الشابة الفاتنة التي تدعى ليونا ديلكور والتي التقاها أندريه بروتون صدفة، فألهمته روايته الشهيرة. شكلت هذه الرواية ذريعة للعديد من تأملات بروتون النظرية والشعرية وتوقه إلى تأسيس نوع جديد من الأدب. كان شار وإلويار يعاشران معاً المومسات ويستكشفان ميولهما للمثلية الجنسية. لكن الشابة حاولت الإفلات منهما مدعية اضطرارها إلى الانتقال إلى محطة المترو. غير أنها سرعان ما رافقتهما إلى المقهى الصغير والتهمت “الكرواسون” الذي قدماه لها.
مجلة 24 ساعة
