هذا فيلم أحد أسياد الإخراج في السينما الفرنسية الحالية، وسبق أن قدم أفلاماً بديعة مثل “نبي” و”على شفتي” و”عن الصدأ والعظم”، وله في الأقل ميزة واحدة، اختياره في هذا الفيلم موضوع شائك جعله يتحرك على أرض ليست أرضه (المكسيك) وباللغة (الإسبانية) ليست لغته. يستحق أوديار التحية على حسه المغامر وهو في الـ72، بل على عدم اكتفائه بالتربع على عرش السينما الفرنسية، علماً أنه طالما نوع في الأصناف السينمائية التي تطرق إليها. ومن أجل تجسيد رؤيته على أدق وجه، لم يوفر لا في الإمكانات المادية ولا في الموارد البشرية، فاستعان بنجوم من الصف الأول من مثل زووي سالدانا (“أفاتار” لجيمس كاميرون) والممثلة والمغنية سيلينا غوميز. إذاً، نحن أمام مشروع سينمائي طموح، بنمر موسيقية راقصة وتصوير متقن، وهذا لا يلغي أن جزءاً من الفيلم غارق في الحميمية التي تغيب عادة عن هذا النوع من الأفلام، لعل أوديار تميز في هذا.
يبلغ طول الفيلم ساعتين وثلث الساعة. الإجراءات والاستعدادات لجراحة التحويل تبدأ باكراً وتنتهي باكراً. لن يتطلب تحول مانيتاس دل مونتيه إلى إميليا بيريز كثيراً من الوقت. بقية الفيلم ما هي سوى أحداث كثيرة مترابطة، من المستحيل حتى الإتيان بفكرة بسيطة عنها، ولكن يمكن اختصارها من خلال القول إنها ستكون قصة توبة وتحقيق ذات واستعادة للحرية، خارج الجسد الذي كان حبس فيه البطل. الفيلم يتعامل مع قضايا جدية هي العبور الجنسي والمخدرات بأسلوب غير تقليدي، رافضاً أن يتحول إلى ملف عن واحدة من هذه القضايا.
عوضاً عن المعالجة التقليدية، سيرقص الجمهور ويغني على قبور المأساة، من دون أي اعتبار لحقيقة أن الفيلم يتحدث عن الجريمة المنظمة التي تتسبب كل عام في مقتل آلاف الناس، وتجعل أمهات يبكين أولادهن ويبحثن عن جثثهم، جراء تصفية حسابات بين المجرمين. يقبل الجمهور نمط الفيلم أو يرفضه، أميل إلى الشريحة الثانية، الذين شدوا على يد أوديار أعجبتهم أن مداواة التراجيديا بالموسيقى تخفف من حدة الفيلم، بالتالي تجعله مثيراً على المستوى الفني، ومن رأى عكس ذلك، هو الذي لم ينجح في الدخول في الفيلم، خصوصاً أن من الصعب أن نتعلق بالشخصيات، وهذا واحد من أكبر العوائق بين المشاهد ومطلق أي فيلم. يحملنا الفيلم من مكان إلى آخر لدرجة فقدان البوصلة وفك الارتباط باستمرار مع أي بقعة، وهذا بوتيرة لا تهدأ وأحداث تتعاقب وشخصيات تتحدث كثيراً وتتفاعل في ما بينها، بروحية لاتينية. تبقى براعة أوديار في رصد مناخات وإشاعة أجواء تهيمن عليها خيارات جمالية بألوان دافئة. أوديار سيد صورة وإيقاع بلا شك، مايسترو يلعب الكاميرا على أصابعه، ودائماً ثمة ما يبهر في زاوية من الكادر. فما بالك إذا كان مدعوماً بموسيقى وأغان تتبلور بموازاة الأحداث في نوع من حوار بين الشخصيات وما يحل بها، مع تنويه خاص بأغنية جورج براسنس “العابرات” التي تحضر في الفيلم بنسخة إسبانية.
لكن، وعلى رغم هذا كله وللأسف الشديد، نبقى على مسافة من هذا الاستعراض الذي يحرص على إلغاء أي حكم قيمة، ليغوص في أعماق البشر مستخرجاً ما ليس لديهم القدرة على إخراجه بمفردهم، إلا بعد تعرضهم لصدمة أو تجربة قاسية، تجلهم ينتقلون من ضفة إلى ضفة معاكسة. ينسحب هذا على إميليا بيريز التي تحاول أن تعوض عن كل ما تسببت به من مآس.
مجدداً، هذا فيلم يعجب كل الذين يؤمنون بدور المرأة، ولو كان رجلاً في حياة سابقة، في تطوير المجتمع والاضطلاع بدور أساس في تغييره، خصوصاً في بلد تحصد فيه أفعال الرجال الأرواح باستمرار. فمن سيقف في وجه فكرة مماثلة؟ خصوصاً إذا نقلت إلى الشاشة بحساسية عالية ومع تفاد لكل صور المطبات التي يحفل بها هذا النوع من الأفلام، ولكن للأسف بلا روح.
Independent News
مجلة 24 ساعة