الرئيسية / صحافة ورأي / “خطة سيناء”: من “مونوريو” إلى “ميسجاف”.  3-1 

“خطة سيناء”: من “مونوريو” إلى “ميسجاف”.  3-1 

عاطف السعداوي - خبير الشؤون الاستراتيجية والدولية
عاطف السعداوي – خبير الشؤون الاستراتيجية والدولية

كان ولا يزال تهجير الفلسطينيين من أرضهم حلما قائما وهدفا في المخيلة الإسرائيلية ينتظر الذريعة المناسبة واللحظة المواتية وأي لحظة انفجار تلقائية أو مفتعلة للشروع في تطبيقه من خلال مؤسسته العسكرية ومؤسساته السياسية.

ولعل الحرب الحالية على قطاع غزة أثبتت أن ما كان يبدوا هواجس أو مخاوف أو شكوك لدى البعض أصبح الآن أقرب إلى الحقيقة، وما كان يتم بحثه كأفكار ورؤى في الغرف المغلقة والدوائر الضيقة أصبح الآن يطرح علنا للنقاش كسياسات واستراتيجيات تبحث سبل وآليات ومواءمات وتوقيت تنفيذها، وأصبح يتم تداوله بشكل شبه يومي على ألسنة كبار القادة والمسؤولين على مستوى الإقليم والعالم، رفضا أو تأييدا أو تنديدا أو تحذيرا أو تخوفا أو توجسا أو حتى نفيا.

وتسعى سلسلة المقالات هذه إلى تتبع تاريخي لمخططات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة الفلسطينية إلى سيناء المصرية، وظروف وملابسات كل مخطط وأوجه التشابه بينها والقواسم المشتركة بينها، بدءا من أولى محطاتها في عام 1956 أثناء العدوان الثلاثي على مصر وقبل انسحاب إسرائيل من الأراضي المصرية، حين درست الحكومة البريطانية خططا ومشاريع عدة شملت دمج جزء من سيناء، وقطاع غزة، وجزيرتي تيران وصنافير، وجزء من الأردن لإنشاء منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل.

وكان من بين المشروعات المطروحة مشروع باسم “خطة سيناء”، اقترحتها على الحكومة البريطانية إليزابيث مونوريو، رئيسة قسم الشرق الأوسط في مؤسسة الإيكونومسيت في ديسمبر عام 1956، وانتهاء بما كشف عنه معهد “ميسجاف” الإسرائيلي لبحوث الأمن القومي وللاستراتيجية الصهيونية قبل أسابيع قليلة من تفاصيل دقيقة للخطة الإسرائيلية المرتقبة لتهجير كافة سكان قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء.

مع دخول الحرب في غزة شهرها الثالث واجبار نحو 85% من سكان القطاع لترك منازلهم والنزوح نحو أقصى جنوبه على الحدود المصرية مع استمرار الآلة العسكرية الإسرائيلية بكل دأب ومنهجية في إفراغ الشمال مما تبقى من سكانه باستهدافهم عسكريا وحصارهم وتجويعهم، أصبح الحديث عن تجدد فكرة الوطن البديل لفلسطيني غزة في سيناء المصرية المتاخمة أشبه بالحقيقة التي لم يرفضها أو يدينها فقط الجانب المصري المعني بها والذي كان أول من حذر منها باعتبارها ليست فقط تهديدا صريحا ومباشرا للأمن القومي المصري، بل أيضا تصفية للقضية الفلسطينية، بل حذر منها وأدانها عدد كبير من المنظمات الدولية، وعلى رأسها المنظمة الأهم، الأمم المتحدة، التي كانت شاهدا تاريخيا على كافة محطات الصراع العربي الإسرائيلي منذ النكبة الأولى عام 1948 التي شهدت تحول أكثر من نصف سكان فلسطين، النكبة الثانية تبدو أكثر خطورة فإذا كانت الأولى شرد وطرد فيها أكثر من 760 ألف فلسطيني يتوزعون على أكثر من بقعة جغرافية في عدد كبير من الدول، فإن النكبة الثانية التي تطل برأسها تستهدف توطين أكثر من ضعف هذا العدد في بقعة جغرافية واحدة في دولة واحدة مع ما سيخلقه هذا الوضع من مخاطر وتحديات ديموغرافية وجيوسياسية وتهديدات صريحة للأمن القومي المصري وإعلان صريح بتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية، وتشجيع على تكرار الأمر، إذا نجح، مع فلسطيني الضفة الغربية وتهجيرهم إلى الأردن.

ولعل هذا ما دفع مسؤولين أمميين إلى إطلاق تحذير من احتمال تهجير سكان القطاع إلى مصر، في ظل نزوح غالبيتهم وتوغل القوات الإسرائيلية داخل القطاع المحاصر، حيث حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أثناء تواجده في قطر قبل أيام، من “تزايد الضغط من أجل النزوح الجماعي إلى مصر”. فيما كرر المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فيليب لازاريني ذلك، متهما إسرائيل بتمهيد الطريق لطرد سكان قطاع غزة جماعيا إلى مصر عبر الحدود، مشيرا في مقال رأي نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز قبل أيام إلى أن “التطورات التي نشهدها تشير إلى محاولات لنقل الفلسطينيين إلى مصر”، كما قال مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي الأربعاء الماضي في جنيف إن “من الأهمية بمكان التشديد على عدم الترويج لعملية إجلاء السكان هذه وعدم التشجيع عليها أو فرضها”.

قد تكون مخاوف وتحذيرات أهم المنظمات الدولية على الإطلاق والوكالات التابعة لها مفهومة في سياق الموقف الإنساني الأخلاقي والحازم الذي اتخذه أمينها العام منذ بداية العملية العسكرية الإسرائيلية في القطاع، وقد يفهم أيضا في التحول الملموس في موقف الأمانة العامة للمنظمة تجاه القضية الفلسطينية منذ توليه منصبه، والذي ترجم في إحياء المنظمة لذكرى “النكبة” لأول مرة في تاريخها في مقرها في نيويورك في مايو الماضي، لكن ما لا يبدو مفهوما أو مستساغا هو موقف حركة حماس نفسها من هذا المخطط، فالخطورة التي أدركتها مصر والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية والأمم المتحدة ووكالتها والكثير من القادة والمسؤولين غير المعنيين بشكل مباشر بالصراع، لم تدركها أو تعيها الجهة المسؤولة بحكم الأمر الواقع عن القطاع والمسؤولة بشكل أو بآخر عما حدث، والمعنية بما سيحدث، لذا كان صادما لكن قد يكون مفهوما وكاشفا، تصريح المتحدث باسم حركة حماس أسامة حمدان، والتي قلل فيها من مخاطر مخطط إسرائيل الساعي لتهجير سكان قطاع غزة، وقوله نصا: “لا أحد يتخيل أن صحراء سيناء ستبتلع الفلسطينيين، على العكس تماما ستكون منطقة الحدود هي قاعدة مقاومة أكثر رسوخا باتجاه الاحتلال”، لا يختلف هذا التصريح في مضمونه وفحواه ونتائجه وإن اختلفت الكلمات عن تصريحات لوزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريش، أيد فيها “خطة هجرة طوعية للاجئي غزة”.

خطورة تصريح أسامة حمدان ليس فقط في أنه يعكس تماهيا في المواقف بين الطرفين، إسرائيل وحماس في توطين سكان غزة في سيناء، فالأول يرغب ويسعى والثاني لا يمانع ويهيأ نفسه للتعايش مع الوضع الجديد، لكن الأكثر خطورة هنا هو أن الطرف الثاني بدأ يفكر جديا في كيفية استخدام الأراضي المصرية كمنطلق لمحاربة إسرائيل، وهذا ما أدركه وتحدث عنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ بداية الأزمة حينما قال في أكتوبر الماضي ، خلال استقباله المستشار الألماني أولاف شولتس، “إن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء يعني نقل القتال إليها وستكون قاعدة لضرب إسرائيل، مضيفا أن حصار قطاع غزة هدفه في النهاية نقل الفلسطينيين إلى مصر”.

وهنا فإن ما رفضته حتى الولايات المتحدة الأميركية علنا على لسان كبار مسؤوليها ومن بينهم رئيسها ونائبته ووزير دفاعها، قبلته حماس ضمنا، ولهذا التصريح بالتأكيد ما بعده حتى وإن تم التراجع عنه أو تم تقديم تفسير مغاير له، ويفضح بما لا يدع مجالا للشك مخططا كان مبيتا له بتهجير أهل غزة وتسليمها لمحتلها بحجة تم افتعالها كما يقول ذلك صراحة بعض سكانها الذين استنكروا إعلان حماس أن “المقاومة ستسمر من وطن غير الوطن”، وأن “النصر سيعلن من أرض لا نملكها” على حد قولهم، معتبرين ذلك خيانة للقضية وتصفية لها، ومؤكدين أن من تضرروا من ذوي الشهداء أو المصابين والمهجرين سيرفضون هذا الأمر لو كان القرار بيدهم.

لم تكن مخططات تهجير الفلسطينيين من غزة الفلسطينية إلى سيناء المصرية وليدة أحداث السابع من أكتوبر الماضي وما تلاها، بل هي قديمة قدم الصراع العربي الإسرائيلي ومواكبة لبداياته ومحطاته الرئيسية ولحظات انفجاره الفاصلة.

وما أحداث غزة إلا لحظة انفجار أخرى ارتأتها إسرائيل مواتية لتنفيذ هذا المخطط الذي طال انتظاره، والأدلة على ذلك كثيرة والمحطات الفاصلة تكررت مرارا في لحظات الصراع المفصلية، وما تم الكشف عنه يظل نقطة في بحر كبير غامض سيأتي يوم يفيض بما فيه، ولم يكن ما كشف عنه المعهد “ميسجاف” الإسرائيلي لبحوث الأمن القومي وللاستراتيجية الصهيونية من تفاصيل دقيقة للخطة الإسرائيلية المرتقبة لتهجير كافة سكان قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء في مصر هو أول الخطط أو أول ما يتم الكشف عنه، بل إن الأمر يعود لبدايات الصراع العربي الإسرائيلي ويبدو أنه لم يتوقف يوما ما، وكان ينتظر فقط الفرصة المناسبة والظرف المواتي الذي تحقق مرة أخرى في أحداث السابع من  من أكتوبر الماضي. 

مما تم الكشف عنه مؤخرا ليثبت قدم هذا المخطط وانتظار الفرصة المواتية لتنفيذه كان ما كشفت عنه وثائق وزارة الخارجية البريطانية المفرج عنها مؤخرا واطلعت عليها هيئة الإذاعة البريطانية من أن الحكومة البريطانية، وبعد فشل الحرب الثلاثية، البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، على مصر ردا على تأميم الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر قناة السويس في 26 يوليو عام 1956، درست خطط ومشاريع عدة شملت دمج جزء من سيناء، وقطاع غزة، وجزيرتي تيران وصنافير، وجزء من الأردن لإنشاء منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل، في إطار تسوية الصراع بين إسرائيل والعرب، وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط إلى الغرب. 

وكان من بين المشروعات المطروحة مشروعا باسم “خطة سيناء”، اقترحتها على الحكومة البريطانية إليزابيث مونوريو، رئيسة قسم الشرق الأوسط في مؤسسة الإيكونيميست في 13 ديسمبر عام 1956، أي قبل ثلاثة أشهر من انسحاب إسرائيل من سيناء التي تلكأت في الانسحاب من سيناء، لكنها اضطرت لمغادرتها بضغط دولي في شهر مارس عام 1957، رغم انتهاء الحرب في نوفمبر من العام السابق. 

تمحورت الخطة حول فكرة رئيسية وهي استغلال سيطرة إسرائيل على سيناء لإقناع مصر بالتنازل عن جزء منها لإقامة منطقة دولية باسم “قطاع سيناء”، يشمل هذا القطاع المقترح قطاع غزة بالكامل ونحو 33 كيلومترا من سيناء تمتد من البحر المتوسط إلى خليج العقبة، بالإضافة إلى جزيرتي تيران وصنافير، اللتين خضعتا للاحتلال الإسرائيلي في نوفمبر عام 1956 بعد العدوان الثلاثي، وبشرت الخطة بتوطين مئات آلاف من الفلسطينيين في “قطاع سيناء” المقترح، بما يحقق هدف ” إزالة الخطر اليومي المتمثل في انفجار الوضع في فلسطين”. 

أما عن كيفية إدارة هذا القطاع وطرق تأمينه، فاقترحت مونوريو، التي كانت في حينها تتمتع بنفوذ وصلات قوية في الشرق الأوسط، وبسمعة كبيرة بعد تأليفها كتبا عدة عن المنطقة، أن تكون الإدارة دولية، وتمارسها إحدى وكالات الأمم المتحدة المتخصصة، وتقدم تقريرا سنويا إلى الجمعية العامة، واقترحت للتأمين تشكيل قوة مدنية تتمتع بمساندة المنظمة الدولية وتحوذ ضمانات واسعة لممارسة السلطة في المنطقة. ولا تملك هذه القوة إلا سلاحا شرطيا خفيفا لفرض الأمن والنظام وتسيير الحياة اليومية، ووفق الخطة، سوف تمنع قوة الشرطة مرور أي أسلحة عبر المنطقة العازلة إو إليها، على أن تمارس القوة الأممية المهام المكلفة بها لمدة 10 سنوات على الأقل، تخضع بعدها لمراجعة الأمم المتحدة .

وفي اقتراحها، أكدت مونوريو أن القطاع المقترح يجب أن يُقتطع فقط من سيناء المصرية، وأضافت أن في ذلك ميزة، موضحة أنه “من المستحيل اقتطاع جزء من إسرائيل”. ودفاعا عن توقيت طرح الخطة قبل جلاء إسرائيل عن سيناء، قالت المؤلفة البريطانية إن “التنفيذ سيكون أكثر صعوبة بمجرد عودة الأرض (شبه جزيرة سيناء) إلى أيادي المصريين”. 

وأشارت إلى أن “اقتطاع جزء من الأراضي المصرية التي استولت عليها، وعبرت عن اعتقادها بأن “الفرصة ربما لا تتوفر مرة أخرى بدون حدوث انفجار آخر، ربما يكون أكبر بدرجة لا يمكن التعامل معه بالطريقة الممكنة الآن”.  

المفارقة التاريخية الملفتة في هذه الخطة أنها تكاد تتكرر بنفس أسبابها وظروفها وسياقها وملابساتها الآن، فكأن الليلة تشبه البارحة وكأن الماضي يعيد نفسه، وكأن ثلثي قرن من الزمان لم تنقض، فإقدام جمال عبد الناصر على تأميم قناة السويس عام 1956 كانت ذريعة لإسرائيل للدخول في الحرب تحقيقا لأهدافها الخفية أكثر منها سببا منطقيا أو ضروريا لخوضها، تماما كما استغلت إسرائيل مغامرة حركة حماس في السابع من أكتوبر الماضي لتحقيق أهداف أبعد كثيرا عن الانتقام لما حدث، كما أن الأسباب التي ساقتها مونوريو والتي يمكن أن تجعل مصر توافق على خطتها هي ذات الأسباب والظروف التي يروج لها أصحاب المشروع الحالي بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، وهي حاجة مصر إلى المال وأزمتها الاقتصادية التي ستدفعها -كما يرى هؤلاء في الماضي والحاضر- إلى قبول هذه الصفقة المشبوهة والملوثة بدماء الفلسطينيين، حيث راهنت مونوريو وقتها على حاجة مصر إلى المال في مشروعات التنمية. وهو المنطق ذاته الذي راهن عليه أصحاب المشروع الحالي لتمرير مشروعهم رغم مرور نحو نصف قرن من المشروع الأول، 

لم تكن مخططات تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء وليدة أحداث السابع من أكتوبر الماضي وما تلاها، بل هي، وكما ذكرنا في المقال السابق،  قديمة قدم الصراع العربي الإسرائيلي ومواكبة لبداياته ومحطاته الرئيسية ولحظات انفجاره الفاصلة.

وما أحداث غزة إلا لحظة انفجار أخرى ارتأتها إسرائيل مواتية لتنفيذ هذا المخطط الذي طال انتظاره، والأدلة على ذلك كثيرة والمحطات الفاصلة تكررت مرارا في لحظات الصراع المفصلية، فلم يكن ما كشف عنه معهد “ميسجاف” الإسرائيلي لبحوث الأمن القومي وللاستراتيجية الصهيونية مؤخرا من تفاصيل دقيقة للخطة الإسرائيلية المرتقبة لتهجير كافة سكان قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء في مصر هو أول الخطط أو أول ما يتم الكشف عنه.

بل إن الأمر يعود لبدايات الصراع العربي الإسرائيلي، وهذا ما أثبتته وثائق وزارة الخارجية البريطانية المفرج عنها مؤخرا والتي كشفت عن أن الحكومة البريطانية، وبعد فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، درست خططا ومشاريع عدة شملت دمج جزء من سيناء، وقطاع غزة، وجزيرتي تيران وصنافير، وجزء من الأردن لإنشاء منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل، في إطار تسوية الصراع بين إسرائيل والعرب، وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط إلى الغرب.

وكان من بين المشروعات المطروحة مشروعا باسم “خطة سيناء”، اقترحتها على الحكومة البريطانية إليزابيث مونوريو، رئيسة قسم الشرق الأوسط في مؤسسة الإيكونومسيت في 13 ديسمبر عام 1956 وتمحورت حول فكرة رئيسية وهي استغلال سيطرة إسرائيل على سيناء لإقناع مصر بالتنازل عن جزء منها لإقامة منطقة دولية باسم “قطاع سيناء” كما ورد ذكره في المقال السابق.

المفارقة التاريخية الملفتة في هذه الخطة أنها تكاد تتكرر بنفس أسبابها وظروفها وسياقها وملابساتها الآن، فكأن الليلة تشبه البارحة وكأن الماضي يعيد نفسه، وكأن ثلثي قرن من الزمان لم تنقضي،  فإقدام جمال عبد الناصر على تأميم قناة السويس عام 1956 كانت ذريعة لإسرائيل للدخول في الحرب تحقيقا لأهدافها الخفية أكثر منها سببا منطقيا أو ضروريا لخوضها، تماما كما استغلت إسرائيل مغامرة حركة حماس في السابع من أكتوبر الماضي لتحقيق أهداف أبعد كثيرا عن الانتقام لما حدث.

كما أن الأسباب التي ساقتها مونوريو والتي يمكن أن تجعل مصر توافق على خطتها هي نفس الأسباب والظروف التي يروج لها أصحاب المشروع الحالي بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، وهي حاجة مصر إلى المال وأزمتها الاقتصادية التي ستدفعها كما يرى هؤلاء في الماضي والحاضر إلى قبول هذه الصفقة المشبوه والملوثة بدماء الفلسطينيين، حيث راهنت مونوريو  وقتها على حاجة مصر إلى المال في مشروعات التنمية. وهو نفس المنطق الذي راهن عليه أصحاب المشروع الحالي لتمرير مشروعهم رغم مرور نحو نصف قرن من المشروع الأول.

حيث راهنت مونوريو وقتها على حاجة مصر إلى المال في مشروعات التنمية وقالت إن “رفض مصر للأموال سوف يضع حكومتها في مواجهة الشعب الذي يعتقد بأنه ينبغي إنفاق مواردهم على التنمية والرفاهية وليس على مغامرات تتجاوز الحدود”، لذا اقترحت أن تكون مصادر تمويل هذه الخطة مقدمة من الدائنين الأساسيين لمصر والذين سوف يستفيدون من “قطاع سيناء”، لحين تشغيل المنطقة وتمكنها من الاعتماد على نفسها ماليا. وتشارك في التمويل شركات النفط الأوروبية والآسيوية المستفيدة. وتوقعت الخطة أن تكفي الرسوم، التي تدفعها الشركات، لتمويل احتياجات الإدارة والتأمين.

وهو نفس المنطق الذي راهن عليه أصحاب المشروع الحالي لتمرير مشروعهم رغم مرور نحو نصف قرن من المشروع الأول، ففي دراسة خطيرة نشرت قبل أيام كشف معهد “ميسجاف” الإسرائيلي لبحوث الأمن القومي وللاستراتيجية الصهيونية عن أدق التفاصيل للخطة الإسرائيلية المرتقبة والمأمولة لتهجير كافة سكان قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء في مصر، الدراسة أعدها المحلل الاستراتيجي أمير ويتمان،  وجاءت تحت عنوان” خطة التوطين والتأهيل النهائي في مصر لجميع سكان غزة: الجوانب الاقتصادية”.وشملت عدة نقاط رئيسية تعتمد عليها إسرائيل لتهجير سكان غزة إلى مصر، وأهم هذه النقاط هي استغلال أزمة مصر الاقتصادية بتهجير هؤلاء الفلسطينيين إلى سيناء مقابل “امتيازات مادية ضخمة”.

ووفق الخطة فإن هناك فرصة فريدة ونادرة لإخلاء قطاع غزة بالكامل بالتنسيق مع الحكومة المصرية، حيث أن هناك حاجة إلى خطة فورية وواقعية ومستدامة لإعادة التوطين وإعادة التأهيل الإنساني لجميع السكان العرب في قطاع غزة في سيناء، والتي تتوافق بشكل جيد مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لإسرائيل ومصر والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.

وتعتمد الخطة الإسرائيلية على تقديم حوافز مالية فورية على هذا المستوى للاقتصاد المصري من شأنه أن يوفر فائدة هائلة وفورية للحكومة المصرية، وأن هذه المبالغ المالية، بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي ضئيلة للغاية حيث أن استثمار بضعة مليارات من الدولارات لحل هذه القضية الصعبة هو حل مبتكر ورخيص ومستدام

وأشارت الدراسة إلى أن “الدائنين لمصر، مثل ألمانيا وفرنسا وغيرهم، لا يريدون أن يشهدوا الفشل التام للاقتصاد المصري، بحيث يكون لديهم أيضًا حافز لإبقاء الاقتصاد المصري واقفا على قدميه حتى لو انتهى بالاستثمار الإسرائيلي في إعادة تأهيل جميع سكان غزة في الشقق الموجودة في مصر، فبالنسبة للدول الأوروبية، وبشكل رئيسي دول أوروبا الغربية، نقل جميع سكان غزة إلى مصر وإعادة تأهيلها مع الحد بشكل كبير من خطر الهجرة غير الشرعية إلى أراضيهم ميزة كبيرة.

المفارقة الأخرى أن الخطتين تتشابهان أو ربما تتطابقان في قراءة بعض المواقف وردود الفعل الإقليمية من كليهما، إذ توقعت خطة ميسجاف أن تستفيد المملكة العربية السعودية بشكل كبير من هذه الخطوة لأن إخلاء قطاع غزة يعني القضاء على حليف مهم لإيران ومساهمة كبيرة في الاستقرار بالمنطقة، وبالتالي السماح بتعزيز السلام مع إسرائيل دون التدخل المستمر للرأي العام المحلي بسبب جولات القتال المتكررة التي لا نهاية لها، والتي تشعل نار الكراهية ضد إسرائيل، على حد قول مركز الأبحاث الشهير

بالإضافة إلى أن السعودية، تحتاج إلى عمالة ماهرة في البناء مثل سكان غزة باعتبارها تعمل على بناء مشاريع ضخمة ومدينة نيوم المستقبلية، ويمكن أن يكون هذا تقاطعاً للمصالح على هذا المستوى أيضاً، كما أنه من المفترض أن عدداً لا بأس به من سكان غزة سيغتنمون فرصة العيش في دولة غنية ومتقدمة مثل السعودية بدلاً من الاستمرار في العيش في ظل الفقر تحت حكم حماس”.

أما خطة “مونوريو” فتوقعت أن تكون المملكة أكثر الدول العربية استعدادا لقبول إنشاء “قطاع سيناء”، إذ “ستمكنها من إنشاء خط أنابيب سعودي خالص ينقل النفط السعودي إلى البحر المتوسط، ما يوفر الوقت والمال”. وقالت مونوريو إن الخطة ستوفر “سوقا للغاز الطبيعي السعودي”، وتوقعت أن “يكون هذا أيضا مغريا” للمملكة. ولهذا الحديث بقية..

 

Sky News. 

شاهد أيضاً

حين يخاطب نتنياهو المرآة

«يذهبون غداً إلى صناديق الاقتراع. مكمن قاسٍ في منعطف خطر. إنَّه فرصة الخائبين والحاقدين. شحذوا …