
المجادلة الجوهرية فى الاتجاه الأول هى أن التكنولوجيا الأكثر تقدمًا بدأت تخلق فلسفتها الخاصة، والمختلفة عما عرفناه فى تاريخ الفكر. فقد فتحت هذه التكنولوجيا الأبواب أمام ثورةٍ معرفيةٍ يراها أنصارُ هذه المجادلة غير مسبوقة، عبر إتاحة الحصول على المعلومات بلا قيود، والتواصل بشأنها، وبدأت فى بناء ما يعتقدون أنها يوتوبيا, ولكنها فى تصورهم أكثر واقعية من كل التصورات المثالية فى تاريخ الفلسفة الذى حفل بكثيرٍ من الأفكار عن مدنٍ فاضلة, وذلك فى تناقضٍ تام مع تاريخ البشرية الذى شهد سلسلةً متصلةً تقريبًا من الديستوبيا بأشكالٍ ومحتويات مختلفة منذ أن انقسم الناس إلى حكام مُتجبرين ومحكومين راضخين. وهم يدفعون بأن مشاكل التكنولوجيا الأكثر تقدمًا بما فيها الذكاء الاصطناعى مرحليةُ وليست دائمة, وأنها ستُحلُ تدريجيًا من خلال التنافس الذى سيزدادُ ويُحقَّق ما يعتبرونه خيرًا للبشرية.
أما المجادلة الأساسية فى الاتجاه الثانى فهى أن التكنولوجيا التى يتسارع تقدمها تحتاجُ إلى تنظيمٍ يضع حدًا للقلق من الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة والذكاء الاصطناعى التوليدى. ويرى المعبرون عن هذا الاتجاه أن الأساس فى التنظيم المطلوب والمتوقع هو التوصل إلى كود أخلاقى0 ولأن مسألة الأخلاق كانت من القضايا الأولى التى اهتمت بها الفلسفة مبكرًا جدًا، فهذا يعنى أن التنظيم المُشار إليه يحتاج إليها لترشيد التطور التكنولوجى السريع، وتجنب انفلاته وتحوله إلى وحش قد تُفقدُ السيطرة عليه.
والحال أن كلتا المُجادلتين تثير أسئلةً أكثر مما تقدم إجابات0 وهذا ما نحتاجه فى مرحلة عدم يقين تزدادُ فيها أهمية الأسئلة الجديدة غير التقليدية. وهذه مهمةُ الفلسفة فى المقام الأول.
نقلا عن ” الأهرام”
مجلة 24 ساعة