قبل 50 عاماً، وبالتحديد في الأول من يناير (كانون الثاني) 1973، انضمت المملكة المتحدة إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية. ولفهم ضخامة هذا الحدث، على المرء أن يعود إلى الوراء، ويتأمل ألف عام من تاريخنا.
بطبيعة الحال، لم يكن الاقتصاد على الإطلاق بعيداً تحت سطح المصلحة السياسية الذاتية، بيد أن ذلك التاريخ يدور حول الأراضي والدين والسلطة والحروب التي أثارها. شهد القرن الـ20 إراقة دماء على نطاق غير مسبوق وطاولت المدنيين [إلى حد] لم يكن من الممكن تخيله.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية، لبت شعوب أوروبا المحتلة والمهزومة، التي عانت ويلات الحرب ثلاث مرات في ثلاثة أرباع القرن الـ20، نداء الواجب الذي يقتضي عدم تكرار تلك [الحروب] على الإطلاق مرة أخرى. وينبغي ألا ننسى أبداً أن هذا هو سبب ولادة أوروبا الحديثة.
لقد ترعرعت خلال الحرب العالمية الثانية في بريطانيا التي اعترفت أنها مدينة بكثير لولاء دول الكومنولث، لكن كان عليها أن تتصالح مع إمبراطورية لا يرغب أعضاؤها بقبول الوضع الإمبراطوري. وكان هناك وعي متزايد بالتفاوت من حيث القوة بيننا وبين الولايات المتحدة كما كان هناك تردد غير مريح بشأن التعاطي مع أوروبا التي كانت تتعافى بسرعة.
لقد منحنا بداية عام 1973 إحساساً جديداً بالأمل وبالهدف. وأصبحت أول وزير بريطاني يتحدث في الولايات المتحدة عن علاقتنا الجديدة وتعاملت مع القضايا [ذات العلاقة] من خلال كلمة ألقيتها أمام مجلس الشؤون الدولية في لوس أنجلس. شرحت الاستنتاج الذي خلصت إليه ومفاده بأن موارد القوى الكبرى في العالم كانت قد بلغت مستوى ستجد معه صعوبة بشكل متزايد في الحفاظ على قاعدة صناعية متقدمة. وكان الحل هو إقامة شراكة بين الدول، من شأنها، بشكل إجمالي، أن [تحقق التوازن لأنها] مكافئة للمنافسة التي سيعرضنا اليها العالم بشكل متزايد. ومهما كنا فخورين بما حققناه، فإن قدرات 50 مليون بريطاني لن يكون بوسعها على الإطلاق أن تضاهي التقنيات والإمكانات المتوفرة لدى قوة رئيسة أو قوتين. وقد خلصت إلى أنها تقدم شراكة جديدة وذات مغزى أكبر. وإذ أعيد قراءة ذلك الخطاب اليوم فإنني لن أغير في تلك الكلمات.
وكرئيس للحركة الأوروبية في المملكة المتحدة، استنكر الخداع الذي انطوى عليه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). أعود بالذاكرة إلى 1973 باعتباره العام الذي قبلت فيه بريطانيا في مرحلة ما بعد الحرب أنها قد خسرت امبراطوريتها واختارت مصيراً أوروبياً جديداً.
لقد رأى جيل جديد من السياسيين مستقبلاً أفضل لبلادنا من خلال ضم سيادتنا إلى [سيادة] جيراننا من أجل بناء شيء لا يحل محل هويتنا القومية، بل من شأنه أن يكون شيئاً جماعياً أكثر فعالية من مكوناته منفردة. وعلى امتداد الأعوام الـ20 التالية، كان هذا ما فعلناه.
إن القواعد التي قيدت السفر في أوروبا، ودعمت شركات الطيران ومنعتك من رصد أكثر من 50 جنيهاً استرلينياً (نحو 60.23 دولار) لإنفاقها على إجازتك الخارجية، تم التخلي عنها جميعاً ووفرت شركات الطيران، مثل “إيزي جيت“، العطلات الأوروبية لملايين من الذين لم يسبق لهم السفر إلى الخارج.
وتم تطوير سوق جديدة بالكامل في مجال الخدمات المهنية، مع وجود المملكة المتحدة في صميمه. ويمكن القول إن إنشاء السوق الموحدة في عام 1986 كان أبرز إنجازات مارغريت ثاتشر. وهيأت تلك، على وجه التحديد، فرصة للشركات المالية البريطانية من أجل خدمة سوق أوروبية أكبر بكثير استطاعت التحكم بها بقوة ومهارة.
لكن حدث أيضاً شيء غير واضح بما فيه الكفاية. لقد شعرت بذلك كوني كنت وزيراً في حكومة ثاتشر. كنا نحتل مقعداً حول الطاولة [حيث يجري صنع القرارات الأوروبية] وكان لنا تأثير من جديد [بعد خسارة الإمبراطورية]. لكن في مرحلة ما بعد الـ”بريكست”، نرى كيف تتزايد القضايا الدولية المتعلقة بالبيئة والاحتباس الحراري التي تجري مناقشتها من قبل جيراننا الأوروبيين في غيابنا.
إن من السهل الرجوع إلى الماضي وتذكر الوعود التي لم يتم الوفاء بها. لقد أدت المخاوف الأميركية بخصوص بروتوكول إيرلندا الشمالية إلى إفشال اتفاق التجارة الحرة الأميركي والاتفاق الزراعي مع أستراليا الذي كان سيئاً بالنسبة إلى بريطانيا حتى في نظر الوزير الذي تفاوض عليه.
ولم تظهر عملياً أي تفاصيل بعد ست سنوات من إبلاغنا بإجراء محرقة للروتين من شأنها أن تنشط اقتصادنا. وبدلاً من ذلك، تركنا وشأننا مع الإشاعات والتكهنات التي تمنع الاستثمار وتثير قلق هيئات مثل National Trust [منظمة خيرية تعنى بالحفاظ على التراث في إنجلترا وويلز وأيرلندا الشمالية] وWildlife Trust [جمعية خيرية مستقلة تُعنى بالحياة البرية] وRSPB [منظمة خيرية مسجلة في إنجلترا وويلز واسكتلندا وهي تعمل على تعزيز حماية الطيور والبيئة الأوسع من خلال حملات التوعية العامة].
التنظيم هو ما يميز شريعة الغاب عن المجتمع المتحضر. إن ثمة ثلاث قضايا راهنة ستدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عملية؛ إنفلونزا الطيور، وتقرير [حريق] برج غرينفيل [السكني] وانهيار شركة FTX للعملات المشفرة، التي هي عبارة عن أمثلة لموضوعات رائجة حالياً تفسر لماذا تسعى الحكومات إلى فرض النظم علينا وحمايتنا.
مجلة 24 ساعة
