الرئيسية / صحافة ورأي / حدود الاحتجاج

حدود الاحتجاج

أحمد مصطفى كاتب صحفي

في الوقت الذي تشجع في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن العمال في الشركات والأعمال الأميركية على تنظيم أنفسهم في نقابات بما يضمن لهم شروط عمل أفضل في المفاوضات الجماعية مع إدارات شركاتهم، تسعى الحكومة البريطانية لإصدار تشريع يحد من قدرة العاملين على الاحتجاج للمطالبة بحقوقهم.

طبعا الإدارة الأميركية الديمقراطية تعتمد مبادئ حزبها والحكومة البريطانية المحافظة أيضا تستند إلى توجه الحزب التقليدي. لكن وزيرة الداخلية البريطانية أعدت مشروع قانون يتوسع في الحد من كل أشكال الاحتجاج بما في ذلك المظاهرات وليس فقط اضرابات العمال. بينما لا تملك الإدارة الأميركية سوى “تشجيع” العاملين بدون سن اي قوانين، وتستعدي في الوقت نفسه ادارات الشركات والأعمال الذين يعارضون تشكيل النقابات.

لا غرابة فيما يبدو أنه تغول من السلطات في الدول الديمقراطية عاى حرية الأفراد في التظاهر والاضراب عن العمل وكافة أشكال الاحتجاج. فمبرر السلطة في بريطانيا والشركات في أميركا أن التظاهر والاضراب لا يجوز أن يضر بالمصلحة العامة، وأن يعطل النشاطات الأساسية في الاقتصاد بما يضر بحياة الناس أو يكبدهم خسائر طائلة.

على سبيل المثال، هناك احتجاج حاليا من سائقي الشاحنات على ارتفاع أسعار الوقود في بريطانيا في شكل “السير ببطء شديد” على الطرق السريعة الرئيسية. والنتيجة أن تلك الطرق تتعطل ويصبح من الصعب على المواطنين العاديين قيادة سياراتهم الخاصة عليها. صحيح أن الاحتجاج بالسير البطيء يعطل نقل الشحنات ويؤثر على السركات والأعمال، لكن ذلك هو الهدف من الاحتجاج. أما سد الطرق التي يستعملها غير سائقي النقل والشاحنات فهو المستهدف منعه في القوانين الجديدة المقترحة.

ربما يتساءل المرء كيف يشكو الناس من مطالبة بعضهم بحقوقهم عبر الاضراب والاحتجاج، أليس الجميع يعانون من الأزمة الاقتصادية الطاحنة؟ الواقع، أن هذا التغير الذي بدأ منذ نهاية القرن الماضي يتجذر أكثر في المجتمعات الديمقراطية وغير الديموقراطية على السواء. فحين يعاني الناس من مشاكل ناتجة عن سياسات السلطة (أو الادارة في شركة مثلا) لا يوجهون غضبهم تجاه المسؤول عن تلك السياسة بل يكون رد فعلهم تجاه أقرانهم من الناس العادية الذين ربما يعانون مثلهم.

من السهل أن تلحظ ذلك في الحياة اليومية في كثير من البلدان والمجتمعات. تصور مثلا أن طابورا من المواطنين ينتظر طويلا لتباطؤ تقديم الخدمة، فتكون النتيجة بدلا من مطالبة مقدم الخدمة بحل المشكلة أن يتصارع الووقافون في الطابور وينفجرون غضبا في وجه بعضهم البعض لأتفه سبب.

مع أن المنطقي أن وعي الجماهير زاد في ظل ما تتيحه الانترنت ومواقع التواصل من وفرة معلومات، لكن ما يحدث هو العكس. فالوفرة لا تعني دائما زيادة الفائدة بل قد تؤدي إلى مزيد من التسطيح والتفاهة. هذا بالاضافة إلى أن مواقع التواصل التي يستخدمها “النشطاء” والقائمون على حملات حشد الجماهير هي ذاتها التي يمكن أن تستخدمها السلطات (للدول والأعمال) في الترويض لمضار وأخطار أشكال الاحتجاج.

ولم يمض وقت طويل على ما شهدته منطقتنا في مطلع العقد السابق خلال الاحتجاجات الشعبية في بعض دولها. فقد أدى إغلاق الطرق وتعطل المصالح وغياب الأمن والأمان إلى نقمة واسعة من الجماهير العادية على النشطاء والمتظاهرين المحتجين والمعتصمين. حتى لو كان هؤلاء الأخيرين يرفعون شعارات بمطالب تلك الجماهير العريضة.

هذا ما تستند إليه السلطات في الدول الديمقراطية الآن لوضع حدود للتظاهر وكل أشكال الاحتجاج. رغم أن ذلك يفتح الباب أمام انتهاك الحريات، إذ سيبقى بيد السلطة (أيا كانت) تفسير ما يضر بالمصلحة العامة وما لا يضر. وسيحتاج الناس إلى وقت طويل حتى يدركوا أنهم كانوا السبب في التضييق على أنفسه/ ثم ربما يحتجون لتعديل تلك القوانين باعتبارها مقيدة للحرية.

لكت هل فعلا أصبحت الاضرابات والاعتصامات مبالغا فيها بالشكل الذي يؤلب الجماهير العادية على من يقومون بها وليس على السلطات التي يحتجون ضدها؟ ربما. فكلما فقد شكل من أشكال الاحتجاج تأثيره يلجأ المحتجون للتصعيد وهو ما قد ياتي بنتائج غكسيو، أو على الأقل يفقد أصحاب المصلحة تعاطف الجماهير.

أثناء سقري قبل أيام كان المطار يشهد انعكاسا لمشاكل كثيرة أدت إلى تكدس وتأخير وخلافه. ولأني متعاطف مع العمال الذين يطالبون بحقوق مشروعة من شركات الطيران لم أبد امتعاضا. لكني ثرت غضبا حين أهمل موظف وكاد أن يرسل حقائبي على رحلة خطأ لوجهة ثانية. ثم شرحت له أن مشكلته مع الشركة التي يعمل بها وليس معي أنا المواطن العادي. وأن تأييدي حقه في الاحتجاج على إدارته ليحصل على حقوقه لا يعني تساهلا في حقي أن يؤدي واجبه بدقة طالما ارتضى أن يعمل. فالبديا أنه لو أضرب عن العمل ولم أحصل على الخدمة التي دفعت ثمنها نتيجة عدم توفر العاملين سأعود على الشركة وأسترد حقيقي وربما أطالب بتعويض أيضا.

هذا ما يجب أن نتفق عليه جميعا، احترام القانون الذي ينظم كل شئ بما في ذلك حدود الاحتجاج ومن البداية لا نوافق على قوانين نرى أنها تضر مصالحنا. لكن في النهاية نخضع جميعا للقانون ولا نحول نقمتنا على رؤسائنا إلى صراع وانتقام من بعضنا البعض.

 

Sky News 

شاهد أيضاً

كوليت خوري بين الريادة والمرجعيات الثقافية ومجهر النقد

شهدت مرحلة الخمسينيات في سورية بعد التحرر من الانتداب الفرنسي عام 1946 نمواً واضحاً في الأشكال الفنية …