مَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالبَارِحَةِ مثّلُ يُردَّدُ على الألْسًِنَةِ ، نقف مع خبر نُشر مؤخراً بالصحافة البريطانية حول السماح للسعوديين وأهل الخليج بالدخول للمملكة المتحدة لدخول اراضيها دون تأشيرة دخول ، تحت شعار تعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية .
و هو أَشْبَةَ بما حدث مع هجرة الصحافة والصحفيين الشوام منذ أكثر من 45 عامًا بعد الحرب بين الطوائف اللبنانية ، عندما صدر مرسوم يفرض الرقابة المسبقة على الصحف ، فهاجر أغلب الصحافيين اللبنانين الى باريس ثم إلي لندن . بعد أن كان لبنان الظاهرة الإعلامية ، والمقصد الإعلامي للعرب.
وصحافتها كانت برلمان العرب ، تنشر فيها الانظمة ما لا تريد ان تنشره صحفها ، رحبت بريطانيا وفرنسا بالصحافة المهاجرة من لبنان ، و سعت لندن الى اجتذاب وسائل الاعلام العربية المهاجرة للاستفادة من وجودها فى تنشيط الحياة الاقتصادية من خلال اسهامات رؤوس الاموال الموظفة فى هذا المجال ، وسائل اعلام كان الدستور اللبناني كَرِّسَ لها قبل الحرب الحرية في إبداء الرأي قولا وكتابة ً، رغم أن اعلامه الرسمي بعيد عن الواقع، غير ثابت أو مستقر على هوية أو خيار مفاهيمه مترجمة مستوردة عن التجربة الفرنسية وغيرها ، وانحيازاته المتعددة، بدور ساهم كثيراً، ربما، في نموّ المؤسّسات الصحافية الخاصة التي تقود قراءة مضامينها إلى الكلام عن حروب الإعلام كعنوان لمرحلة أولى، لا ينظر إليه كمرآة تعكس الواقع، بقدر ما هو واقع كان يهيّئ ويحضّر ويكتب للانفجارات والانهيارات التي كان لبنان ميدانها الواسع والحاضن ، مرحلة امتدت منذ اشتعال حرب السنتين 1975 ثم استمرت لعام 1992 ، ومازالت آثارها تنسحب على واقع اللبنانين حتى اليوم ، ومن هنا اتخذت هذه المرحلة من تاريخ الصحافة اللبنانية عنوان التحضير أو المشاركة في التحضير للانهيارات، بالاستفادة من الحرية في الكتابة والمعارضة، من دون ضوابط. وكانت تنتشر الصحافة، في بعض الأحيان في لبنان، لا لتخاطب أحداً فيه من اللبنانيين، بل لتخاطب أسيادها أو مموِّليها المباشرين، أو مناهضيهم في الأنظمة العربية والأحزاب والعقائد والايديولوجيات المتصارعة الكثيرة. فالحروب تخاض بالسلاح، كما تُخاض بالكلمات، منذ فجر التاريخ، فتقوى وتتجاوز في فتكها فعاليّة الأسلحة، فالكلمة مقصلة قادرة على القتل، وتهيئة المعارك و إذكاءهاً عن طريق تشويه الصور، وحقن النفوس، والتحفيز على التدمير.
ساهمت الصحافة في الحرب لأنّها كانت وسائل موجّهة ومسيَّسة ومحازبة ومُعسكَرة، فكان “هناك قصف إعلامي للناس والوطن والقيم والمجتمع واللغة، إلى جانب القصف المدفعي. لقد اُستّعُملَتْ بعض أجهزة الإعلام كالسلاح في الحروب اللبنانية، ولا يمكن تسميتها أساسًا بأجهزة إعلام بل أجهزة مليشياوية ومخابراتية، وهذا لا يوفر أبدًا الوسائل التي استعملت من قبل أشخاص وأحزاب لإثارة النعرات وتفجير الأحقاد وزرع البلبلة…”
كانت هذه الصحف في مطبوعاتها المتنوِّعة من يومية وأسبوعية وشهرية تعاني وتمثِّل عددًا من المواقف والتعقيدات لا مثيل لها تثير علامات الاستفهام حول دورها: هل هي شريك في التطور والرقي الوطني أم أنها باب للمنافع ، ولأن الشوام مسكونون بغريزة المعارضة، نجح الاعلام المهاجر سواء كإن فضائيًا او مكتوبا فى أن يتقدم على الأقل على المحلي مستفيداً من المناخ الحر ، ومن المهنية العالية رغم التكاليف العالية فى الانتاج اكثر من اية دولة عربية ،
فى منتصف السبعينيات انتقلت مجلة ” الدستور ” الى باريس ثم لندن لمؤسسها ورئيس تحريرها الصحافي اللبناني على بلوط ، ثم انتقلت ملكياتها لحزبي البعث السوداني ، والحزب الاتحاد الديمقراطي بدخول السوداني محمد عبد الجواد ، وأيدت كل سياسات النظام العراقى دون تحفظ ، وقفت الى جانبه فى غزو الكويت وهاجمت الدول العربية التى رفضت الغزو . مستعينًا بخلدون الشمعة كرئيس تحرير ، ومدير ادارة بريطاني عرفناه باسم مستر لاد
كما آتي الى باريس من الصحافيين المهاجرين وليد أبو ضهر ليصدر عام 1977 مجلة الوطن العربي اسبوعية تدافع عن نظام صدام ، وتتبني كافة مواقفه وسياساته العربية ، وبعد غزو الكويت تحولت الى صف الدول الرافضة للغزو ، فى نفس العام صدرت ” المستقبل ” عن الشركة العربية الفرنسية للنشر والطباعة ، تحمل اسم نبيل خوري رئيسًا للتحرير ، بتمويل من فيصل أبو خضرا وجوزيف عبده الخوري ، بدأت بالتعاطف مع النظام السوري ، وتدريجيًا اتخذت موقفًا معارضًا للمنشقين على قيادة ياسر عرفات ، ومن باريس ايضا صدرت ” النهار العربي والدولي ” عام 1979 اسبوعية سياسية برأس مال مليون فرنك فرنسي ، ورأس تحريرها مروان حمادة و الياس الديري تحت ادارة جبران تويني ، وغلب عليها الطابع اللبناني و ولاء ماروني .
شركة الحوادث انترناشيونال ” شركة لبنانية – سويسرية ” لمالكها سليم اللوزي اصدرت ” الحوادث ” عام 1978 من لندن بعد تعرضها للعديد من الاعتداءات المسلحة ببيروت ، وهى مستقلة صدر منها حتى وفاته 1217 عددًا.
مجلة ” كل العرب ” اخبارية مصورة صدرت عام 1982 من باريس ، وحملت اسم ياسر هواري ، كمجلة عربية و مستقلة ، ولم ينجح هواري فى أن تبقي مستقلة ، فتركها لتتحول رأسة تحريرها لسمير خوري و إلي الخط المدافع عن النظام العراقي ولسان حاله ، وأيدت بالطبع غزو العراق للكويت ، وعندما نشبت حرب الخليج أغلقتها الحكومة الفرنسية . وفى عام 1983 صدرت عن الشركة العربية البريطانية للنشر والتوثيق والإعلام ، مجلة ” التضامن ” تحمل اسم الصحافي اللبناني فؤاد مطر ، معتمدة على الدعم العراقي ، وفى 1988 أعيد إصدار جريدة الحياة فى لندن بعد توقف دام 12 عاماً ، مؤكدة أن الحياة اللندنية هي نفسها الحياة البيروتية التي اسسها كامل مروة عام 1946 ، ورأس تحريرها فى إصدارها الجديد الأبن جميل كامل مروة حاملة رقم العدد 9477 لتأكيد انها استمرار للأصدار القديم ثم تولي الصحافي الفلسطيني جهاد الخازن رئاسة تحريرها ٠
وتوالت الاصدارات مجلة الوسط ، مجلة لبنانية رأس تحريرها الصحافي اللبناني عبد الكريم ابو النصر ، وأعاد عبد العظيم مناف إصدار صحيفته ” صوت العرب ” بلندن بعد أن اغلقت لمهاجمتها الأسرة الحاكمة فى السعودية . فى نفس الفترة هاجرت الصحافة السعودية باحثة عن أجواء سياسية مناسبة للعمل أو نشر وجهة نظر معينة بعيداً عن الرقابة ممثلة فى الناشرين هشام و محمد على حافظ وشركتهم ” السعودية للأبحاث والتسويق ” . في عام 1989 تم تأسيس جريدة القدس العربي في لندن والتى تولي عبد الباري عطوان رئاسة تحريرها ، بدعم من منظمة التحرير الفلسطينية. وخلال الغزوات الأمريكية للمنطقة، اتُّهم بأنّه حصل على دعم مباشر من الرئيس العراقي صدام حسين، ثم كانت علاقته مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، عنواناً جديداً في حياته المهنية .
***
باستعراض بعض الصحف المهاجرة ، الى لندن وباريس تنجلي الحقيقة عن شبه تمويل من دول عربية معظمها كان العراق وليبيا لهذه الصحف .
لأحب الخوض أو التطرق لهذا الأمر الشائك ولكن ما أثير من لغط حول قضية تمويل الصحف المهاجرة ، ليس من دول فقط بل ايضا من أثرياء عرب ، البعض منها حقيقي والآخر قد يكون مدسوسًا على اصحابها اضطررت أن اشير لها ، وخاصة بعد أن نشر البعض وثائق خطية تدين عددا من الكتاب والصحفيين المقيمين في اوروبا ممن كانوا لا يكتفون بالقبض من الامير تركي والشيخ الفاسي بل ويبعثون برسائل استجداء وتسوّل مخجلة لهذا وذاك من اجل الحصول على المال ومن بين هذه الوثائق رسالة بخط غسان زكريا رئيس تحرير مجلة سوراقيا موجهة الى الامير تركي ورسالة بخط محمد الهوني صاحب جريدة العرب موجهة الى الشيخ الفاسي ورسالة بخط عبد الحفيظ محمد صاحب جريدة اخبار الاسبوع الاردنية موجهة الى الشيخ الفاسي ايضا ، صحفيون يتسولون و يسددون الفواتير مقالات مدح تنشر في صحفهم ومجلاتهم .
***
بعض من الصحف المهاجرة لم تحقق كل المأمول مع تقاليد العلاقة بين السلطة السياسية ووسائل الاعلام ، واغلقت ابوابها للعجز فى التمويل والافلاس ، أو لوفاة اصحابها .
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة