يقرأ الهواء البارد طريقه مع أول الضوء، ويروح يتدثر جسد الأشياء في شارع “ريجنت ستريت” الذي ينبسط أمامه، من مبدئه إلى منتهاه، كاسف البال، فهو لم يكن بعد مَسَحَ عن عينيه النوم، ولم يتحرر من شبهات الليل.
حبَّات المطر تنقر رأسي، تسيل على ما تبقى من شعر فيه، ثم تنتحب على معطفي. مسحت وجهي بمنديل، نسيت الشمسية الواقية من المطر في السيارة، وما ندمت، فأنا لا أحب الشماسي، ليس تكبرًا ومعاندة المطر، إنما لأنني أنسى الشماسي دائمًا، وبت أحتاج الى ميزانية لشراء الشماسي!
رميت نظرة على الساعة التي تلتف على معصمي تعد الوقت، وأنا ألوي رأس المفتاح في قفل باب المكتب، كانت السابعة صباحًا، فأنا أول من يصل المكتب، وآخر من يخرج منه بعد منتصف الليل، في أحايين كثيرة.
وكنت أتعمد الوصول باكرًا، لأستغل هدأة المكتب، فأنصرف الى الأعمال الإدارية ومراجعة البريد، وتحضير الردود على الرسائل للسكرتيرة، والوقوف على جدول أعمال النهار، الذي يتوزع بين مجلتين أسبوعيتين وثالثة شهرية، الى جانب الترجمات التي لم تنقطع لوكالات الإعلان، وللتجار البريطانيين الذين برغبون في ترجمة بعض مواد تعنيهم في القوانين التجارية لبعض الدول العربية.
ومتى تصالحت عقارب الساعة مع الوقت، وأعلنت على الناس أنها “التاسعة صباحًا”… حتى يتحول المكتب الى خلية نحل، ينغل فيه المنضدون والمصححون والمترجمون، وتهدر آلة تصوير الأفلام، ويبدأ رنين جرس الهاتف، الذي لا يكّل ولا يمّل.
ويومًا بعد يوم، أخذنا نشعر بأن المكتب في بناية “مولي هاوس” يضيق بنا، فبدأت جديًا أفتش عن “بيت جديد” أوسع وأرحب، يأوي شركتي التي كبرت على حين غرة.
سَلْ عَمَّ شِئت في لندن، فأنت تُستجاب، وتجد من يأخذ بيدك، ويفكر معك، ويسعفك، ويدلك، وينصحك، ويقدم لك ويؤخر، لتحقيق ما تصبو إليه، وترغب، وتريد.
ولقد خَارَ الله لي أن أطرق باب إحدى وكالات العقارات المعروفة التي تعنى ببيع وإيجار المكاتب Estate Agents .
فبذل القيمون عليها النصح لي، وقفوا على ما أريد وأطمح به، أشاروا تبعتهم، عاينت مكاتب دلوني عليها، أعجبني بعضها، وأعرضت عن بعضها لبعدها عن محطات “قطار الأنفاق”، فالمهم في المكتب أن يكون سهل الوصول إليه، فلا يتذمر أحد، من موقع المكتب، ويروح ينتحل الأعذار.
وبعد لأيٍ وطواف ومعاينات، وأخذ ورد، وسؤال وتساؤل، وحسابات، وجمع وضرب وقسمة، وقع اختياري على مكتب في 49 شارع سان جيمس الراقي القريب من محطة جرين بارك لقطار الأنفاق Saint James St. Green Park 49
يربض في منتهاه قصر سان جيمس في شارع “بال مول” St. James’s Palace “Pall Mall وهو أقدم القصور في لندن، كان بناه في القرن الثاني عشر الملك هنري الثامن. وفي سنة 1827، بنى دوق كلارانس (أصبح الملك وليام الرابع) ملحقًا بقصر “سان جيمس” Clarence House كلارانس هاوس، اقامت فيه الملكة إليزابيث أنجيلا مارغريت بوز ليون، الملكة الأم، بعد وفاة زوجها الملك جورج السادس، وجلوس ابنتها الملكة إليزابيث الثانية على العرش.
سنة 2002 توفيت الملكة الأم عن عمر ناهز 101 سنة، فأصبح “كلارانس هاوس” المقر الرسمي للأمير تشارلز ولي العهد، وزوجته كاميلا.
وعلى الرغم من أن الملكة إليزابيث الثانية تقيم في العادة في “قصر باكنغهام”، وهو المقر الرسمي للعرش، إلا أن “قصر سان جيمس” لم يزل يحتفظ بالحظوة والمقام الرفيع، ففيه تتقبل الملكة، أحيانًا، أوراق اعتماد السفراء الأجانب، كما تقيم حفلات استقبال رسمية في قاعته الرئيسة التي يمكنها استيعاب ما يزيد على 1500 شخص.
فالملكة، على ذلك، تمر في الشارع، حيث المكتب الذي اخترته، ذهابًا وإيابًا، الى “قصر سان جيمس”، كلما اقتضى الأمر. كذلك تفعل الملكة الأم، على الرغم من أن لقصر”كلارانس هاوس” طريقه الخاص شمال “حديقة سان جيمس”، التي هي واحدة من أجمل حدائق مدينة الضباب.
بعد توقيع عقد الإيجار، استشرت مكتب المحاماة الذي يتولى الأمور القضائية، حول ترتيب الوضع القانوني والضرائبي للشركة. فأبدى جون اكيرسلي، وهو المحامي الذي يتولى ويرعى مصالحي في مكتب المحاماة، النصح بتحويل الشركة من مجرد اسم تجاري الى شركة “محدودة المسؤولية Limited Company حسب منطوق الشركات.
وزادني المحاسب مارتن بيستر الذي انتدبه مكتب المحاماة لتولي حسابات الشركة، وترتيب العلاقة مع مصلحة الضرائب، شرحًا عن فوائد الشركات المحدودة المسؤولية، وتبعاتها في القانون التجاري البريطاني، فأخذت بالنصيحة.
وكان أن اخترت للشركة الوليدة اسم “مودي جرافيك إنترناشيونال” Moody Graphic International و يُرمز لها MGI اختصارًا .
كان المكتب في لغة الهندسة المعمارية البريطانية يسمى Basement يهبط عن مستوى الطريق حوالى خمسة أمتار.. وهو الى ذلك، مساحة كبيرة مفتوحة، ذات سقف عالٍ يصل الى 300 متر، وارتفاع ستة أمتار.
والمساحة الوسيعة تلك، سمحت لي بتقسيم المكتب حسب احتياجات العمل ومتطلباته، فقمت ببناء طابق وسطي أو “دور مسروق”، يُصعد إليه بدَرَج حديدي، يضم الإدارة والمحاسبة، والسكرتارية، ومكتبي.
وفي الطرف الآخر للدور يوجد القسم الفني للمصممين، والمخرجين، والرسامين، كشرفة داخلية تطل على المساحة السفلية الرحبة، التي تضم صالة الاستقبال وقسم التنضيد المجهز بستة آلات، يشرف عليه ويديره منتصر الزهار، وكان من المنضدين المهرة، وأصابعه على مفتاح الحروف تكرج، تلملم الأحرف بسرعة مذهلة، وبأقل قدر من الأخطاء الطباعية. ومنتصر جاء حرفة التنضيد من كلية التجارة التي تخرج فيها، وقد أمل والده ان يرعى تجارته في المواد الغذائية. فالزهار، لمن لا يعرف، هو “اسم تجاري”، له صولة وجولة في اسواق العرض والطلب.. إلاَّ أنَّ منتصر مشي وراء هواه، وهواه الصحافة والخدمات الطباعية، فتميز في الحرفة التي أحب، ونجح.
ويضم قسم التنضيد مكاتب للمصححين، وأبرزهم كانت هيا التل، الفتاة الأردنية التي جاءت الى لندن بعد تخرجها في كلية الآداب في جامعة الاردن لتحضير الماجستير.
وقد اخترت من شركة “لينوتايب” جهاز مزود بعقل إلكتروني لطباعة سلخ “برومايد” والأفلام. وخصصت غرفًا معزولة لكاميرا التصوير الميكانيكي من نتاج “شركة ليتل جون”، وجهاز “فرز الألوان” من “لينوتايب”، تولاه الشاب الأرمني اللبناني فارتان (يغيب عني اسم عائلته)، وجهاز تحميض الأفلام من “كوداك”، وطاولات المونتاج المجهزة بالإضاءة اللازمة، التي وقف خلفها الحرفي بامتياز عماد دوغلاس، وهو لبناني من أب بريطاني وأم فلسطينية.
لقد كانت مجموعة جميلة من المتألقين في حرفهم، فيها المصري، واللبناني، والأردني، والإيطالي، والإنجليزي. ولن أذكر الأسماء مخافة أن يفوتني إسم، فيحسب عليّ تنكري له. فهؤلاء، فردًا فردًا، ظلوا فى الوجدان، وعلى لائحة شرف تاريخ هذه المرحلة من حياتي المهنية، واصبحوا أيقونات في صناعة الإبداع الفني والطباعي.
لقد أصبحت “مودي جرافيك إنترناشيونال” أهم وأحدث محترف للخدمات الصحفية، تدخل إليه المادة الصحفية وتخرج منه مجلة كاملة، من تنضيد، وتصحيح، وتصميم فني، ثم تصوير أفلام، ومونتاج، جاهز لألواح الطباعة. كل ذلك بشكل احترافي متكامل، يواكب التطور الكبير والسريع في كيفية التعامل مع الإعلام العربي المهاجر.
وقبالة الخدمات الطباعية المتميزة، استقطبت الشركة عددًا من المصريين واللبنانين المقيمين في لندن، لتدريبهم على بعض الأعمال الطباعية منها تشغيل أجهزة “ريب” Rip وهي وحدة الوصل بين الكمبيوتر وجهاز Image Setter ، لترجمة الشرائط المثقبة الى كلمات، وتطبعها على أوراق “برومايد” الشديدة الحساسية، والتصوير، كيفية التعامل مع الأفلام من سالب Negative الى ايجابي Positive و”روتشتها” وتنظيفها من الشوائب التي قد تعلق عليها خلال عملية التصوير والتدريب على تحميض الأفلام، أو الألواح الطباعية، ودورات في فن التصميم الصحفي، خصوصًا فن إعداد الأغلفة، وانتقاء الصور الفوتوغرافية والصور الملونة، إن كانت “سلايد” Slide أم مطبوعة.
فتخرج بها العديد من الذين برزوا في مهنة التنضيد، والتصوير، وفرز الألوان، وحتى الإخراج الصحفي، وتوزعوا على عدد من المحترفات، والجرائد والمجلات، بعضهم ظل عرّافًا للجميل، وبعضهم تنكر، وذلك هو طبع البشر.
لم يدُر في خلدي، لحظة واحدة، أن تكون جيرة الملكة إليزابيث الثانية متعبة، وَجَلاَّبة مشاكل!
ولعمري، كان حدس محمود السعدني صائبًا، عندما زارني ليبارك ويتفقد المكتب الجديد، فهتف:
.. “ما تفرحش أوي كده إنك جار صاحبة الجلالة”.
وسكت، ثم استدرك ملمًا استغرابي بعينيه:
“مفيش وراهم إلا المتاعب، ووجع القلب”.
ولم أفهم ما عناه، ظننته يمازح، فهو، برّد الله ثراه، كان ذا شخصية مرحة، مطبوعة على التهكم الناعم، والسخر اللطيف، حتى وقع المحظور والمتاعب من جيرة الملكة دامت سنتين ونيف..
وكان السعدني على حق!
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة