
كشفت جائحة كوفيد 19 في المجتمعات النامية والمتقدمة عن ازمات واشكاليات متعددة ، منها ضعف الوعي العام بضرورة تلقي اللقاح والحضور القوي لنظرية المؤامرة في تفسير ظهور فيرس كورونا ، والامصال واجراءات الاغلاق العام والتباعد الاجتماعي ، وناقش بعض الكتاب والباحثون مناقشة هذه الاشكاليات من زاوية وجود فجوات في التعليم والمعرفة والوعي داخل كل مجتمع ، وعكست هذه الفجوات تدهور نظم التعليم وبرامج التوعية التي يفترض ان ينتجها وتنشرها وسائل الاعلام التقليدية والجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي ، علاوة علي إتصالات أو إعلام الحكومة Government Communication او ما يعرف بالعلاقات العامة الحكومية .هذه الاتصالات ( اعلام) تمارسه الوزارات والهيئات الحكومية والمحليات والجامعات من خلال هياكل وموارد كبيرة ، لكن ماتزال ادوارها في المجمل ضعيفة ، ولم يخضع تاثيرتها في الجمهور لدراسات جاده تتابع وتقيم وتقوم ممارساته ، فهو للاسف لايلقي اهتمام الباحثيين والمشتغلين بالاعلام ، اذ ينظر اغلبهم لهذه الاتصالات باعتبارها آومر حكومية او اعلام رسمي ، احادي الاتجاه من الحكومة للمواطنين ، وبالتالي لايهتم به الجمهور لانه ياخذ شكل التحذيرات والتنبهات ، لكن اعتقد ان هذه النظره يجب ان تتغير.. ليس فقط عند الجمهور او باحثي الاعلام وانما ايضا لدي المؤسسات العامه ، بحيث تتماشي مع تحولات النموذج الاتصالي التفاعلي الرقمي ،والذي اصبح متعدد الاطراف واكثر تفاعلية .من هنا جرت مراجعات نظرية وعقدت مؤتمرات حول العالم لمراجعة وتقييم الرؤي والاستراتيجيات الخاصة بالتعامل مع اتصال او اعلام المؤسسات الحكومية ، وظهر مفهوم جديد هو Public Sector Communication الذي يمكن ترجمته الي اتصالات اواعلام القطاع العام ، او اعلام المؤسسات العامه ، ويقصد به الاتصالات التي تقدمها وتتيحها مؤسسات الحكومة والمؤسسات شبه الحكومية وجمعيات وهيئات المجتمع المدني للمواطنين بهدف نقل المعلومات من والي هذه المؤسسات الي المواطنين او العكس ، اي اتاحه الفرصه كاملة وعبر شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات التقليدية للاعلام للمواطنين للتعبير عن ارائهم مناقشة ما يقدم اليهم من معلومات وقرارات .هكذا انتقلت الادبيات الحديثة في الاعلام من الحديث عن اتصال تنظيمي من المؤسسات الحكومية للمواطنين ، او اعلام حكومي الي التركيز علي اعلام المؤسسات العامه في المجتمع ، والذي يضم ما هو حكومي واهلي ، وهو اعلام تشاركي بالضرورة ، يهدف الي خدمة المواطنين وتحقيق التنمية والرفاهية ، واتاحة وتنظيم الحوار بين المؤسسات العامة والمواطنين ، ويشمل اعلام المؤسسات العامة إتصالات واعلام المجتمع المدني والهيئات المستقله وشبه المستقلة ، باختصار انه اعلام كل المؤسسات التي تعتمد كليا او جزئيا علي اموال دافعي الضرائب ، باستثناء الاعلام العمومي الذي تقدمه المؤسسات الاعلامية التي يفترض انها تقدم خدمة عامة وتغطي موضوعات متنوعه .وينظر حاليا الي اعلام المؤسسات العامه باعتباره اتصال موجه من المؤسسات بهدف بناء الصالح العام والثقة بين المواطن والسلطات والحفاظ عليه في اطار ظروف ثقافية واجتماعية وساسية محددة ، فكما نعرف فان الاتصال والاعلام عملية معقدة وتتداخل مع عوامل ومتغيرات كثيرة ، حتي انه يصعب في كثير من الاحيان معرفة حدود التاثير الاعلامي بين متغيرات اخري مثل التعلم والدخل ومستوي الوعي والتربية والعوامل الشخصية ، لكن بشكل عام لابد من تغيير الرؤيء والاستراتيجيات والممارسات الاعلامية في اعلام المؤسسات العامه ، بحيث تتماشي مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي ومع انتشار خدمات الحكومة الرقمية ، إضافة الي الفورية في التفاعلات بين المواطنين والمؤسسات العامة سواء كانت حكومية او تابعة للمجتمع المدني ، وعلي الرغم من اهميه وعمق هذا التحولات فانه من المفيد التاكيد علي ان اعلام المؤسسات العامة يسعي دائما إلى تشجيع الناس أو تمكينهم من تبني سلوك جديد او للتوقف عن فعل شيء ضار ؛ مثل تسديد الضرائب في موعدها او تلقي لقاح ضد مرض معين او ترشيد استهلاك المياه .ولاشك في صعوبة تغيير السلوكي لكن من الممكن في البداية تقديم معلومات تعمل من اجل تغير المدركات وخلق فهم جديد ووعي ارقي ، وكذلك التأثير في المشاعر والدوافع ، ان هذه الاهداف ممكنه التحقيق شرط ان تتغير النظرة لاعلام المؤسسات العامة ، وتتأكد شرعيته واهميته ، واتصور ان هذا التغيير يمكن تحقيقه من خلال :اولا :تغيير خطاب تلك المؤسسات واساليب عملها بحيث تكون اكثر مهنيا وانفتاحا وتنوعا ، واكثر تفاعلا مع الاعلام الجديد ودور المواطن الصحفي والمستخدم القادرعلي انتاج ونشر محتوي اعلامي جذاب ومؤثر ، وهنا لابد من تسريع وتيرة الاداء الاعلامي للمؤسسات العامة ، حتي تتماشي مع حالة الاتصال الفوري والمستمر،التي تميز العصر الرقمي والتفاعلات الجماهيرية الضخمة والمعقد عبر وسائل التواصل الاجتماعي .وثانيا : ثقة القائمون علي اعلام المؤسسات العامة في قدراتهم علي تطوير ممارساتهم الاعلامية بالتعاون والشراكة مع المواطنين ، مما يدعم من قدرات اعلام المؤسسات العامة الاعلام علي لعب ادوار مؤثرة ، ربما تساعد في سد بعض عيوب اعلام الخدمة الوطنية التي يفترض انها تقدم عبر ماسبيرو والقنوات الاخري والصحافة القومية . وهنا لابد من التركيز علي انشطة اتصالية تهدف إلى توفير المعرفة والمهارات للتفاعل الناجح بين المؤسسات العامةوأصحاب المصلحة ، ويشمل ذلك أنشطة أخرى مثل بناء السمعة الطيبة والحصول علي دعم المواطنين، والتخطيط الاستراتيجي للاتصالات، والتواصل أثناء الأزمات .ثالثا : توفير الدعم المالي والفني لاعلام المؤسسات العامه ، وازالة بعض المعوقات البيروقراطية والقانونية التي تعرقل دوره ، فضلا عن التخلي عن المؤشرات المالية في تقييم اداء اعلام المؤسسات العامة ،مثل زيادة الايرادات او خفض النفقات ، واستبداله بمعايير اخري كمية وكيفية تتعلق بتحقيق الصالح العام وبناء الوعي وتجنيب المجتمع ازمات ومشكلات بيئية وصحية وامنية ، والاشكالية هنا انه يصعب تقييم المردود المباشر وغير المباشر لقضايا تتعلق بنشر الوعي الصحي او البيئيء ، خاصة وان اثارها تراكمية وطويلة المدي وتشتبك مع متغيرات اخري كثيرة .رابعا : إن تعظيم الفرص الناتجه عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والشفافية والانفتاح مع ما ينشره المواطنون ، لايعني اهمال المخاطر التي قد تثيرها هذه الوسائل ، اذ يمكن أن تزيد من حدة التوترات في العلاقات بين السلطات والمواطنين ، لا سيما عندما يتوقع المواطنون الشعور بالرضا التام، او شفافية المعلومات ، لان ذلك ربما لا يتحقق بشكل كامل ، لاعتبارات أمنية او لدواعي المصلحة العامة ، كما قد تختلف تقييمات الجمهور حول مفهوم الرضا وشروط الخدمات الحكومية ، من جانب اخر لابد من الانتباه الي ازمة الثقة والمصداقية فيما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، خاصة الاخبار المضلله والتزييف العميق ، ان هذه المخاطر تتطلب ادارة ذكية ومرنه لاعلام المؤسسات العامة ، وقادرة علي المبادرة والعمل خارج الصندوق ، ولاشك ان ايجاد هذه الادارة يتطلب خطط تدريبية حديثة ومبتكرة وممارسات فعلية في ارض الواقع ، تخضع للتقييم والتقويم ومن ثم التطوير المستمر .
المصدر .. الأهرام
مجلة 24 ساعة