الرئيسية / صحافة ورأي / تحت خط الفكر

تحت خط الفكر

سمير عمر
مراسلنا في القاهرة

في زمن غير الزمن كتب الأستاذ عباس محمود العقاد:

“حرية الفكر هي شيء أعم من حرية الآراء العقلية كما نفهمها على أنها جزء من الإنسان معزول عن الشعور والأخلاق والبواعث العملية وأسباب المعيشة”.

حرية الفكر هي حرية التعبير عن “الشخصية الإنسانية” بكل ما تشمل من حس وإدراك وخلق ومزاج ومجهود.

وحرية الفكر بهذا المعنى هي شيء لا يختلف عن حرية الحياة أو حرية الوجود.

فسيان أن تمنع الإنسان أن يحيا، وأن تمنعه أن يفكر ويستوفي جوانب “الشخصية” التي تبلغ تمام مظاهرها في التميز والتفكير.

وسيان أو يكادان يستويان أن تمنع التفكير وأن تمنع التعبير عن التفكير لأن الفكرة التي لا ترى ضوء الشمس هي فكرة ميتة أو هي فكرة حية ولكن حياتها هي سبب الألم والكبت والفساد”.نحن هنا أمام ركنين أساسيين فيما كتب العقاد.

الركن الأول هو حرية التفكير والركن الثاني هو حرية التعبير عن مخرجات هذا التفكير لتخرج الفكرة من رأس صاحبها إلى المجال العام فتخضع للمناقشة والتأييد أو المعارضة.

كان هذا قبل نحو مئة عام، عندما كان العقاد ومعاصروه من الكتاب والمفكرين يقرعون أجراس البحث والتفكير في شتى المجالات ليؤسسوا باتفاق أو دون اتفاق نهضة فكرية وأدبية عاشت مصر والوطن العربي تحت ظلالها الوارفة لعقود، وفي محاولات التجديد الدؤوبة التي قادها طه حسين وفي معارك التحرر الفكري حامية الوطيس بين الرافعي والعقاد وزكي مبارك وسلامة موسى وأحمد أمين ومحمود شاكر وغيرهم الكثير خير دليل على ذلك.

بنك القلق

تحت هذا العنوان أبدع توفيق الحكيم ما سماه ” مسرواية ” في مزج مدهش بين المسرحية والرواية، أو الرواية والمسرحية.

المهم في هذا العمل كان الحكيم ينتقد قمع الحريات في ذلك الوقت وحذر من أن فقدان المواطن لحريته سيقود لفقدان حرية الوطن ذاته … كان هذا عام 1966.

ووقعت الواقعة وأثار نشر الأهرام للرواية المسرحية ثائرة عدد من رجال الدولة وفي مقدمتهم المشير عبد الحكيم عامر وفقا لما نشره الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي نترك له رواية ما حدث: “نشرت الأهرام في تلك الفترة لكبار الكتاب أعمالا نقدية بارزة منها ” بنك القلق ” لتوفيق الحكيم وأتذكر أن الحكيم كتبها لغير النشر وأعطاها لي لكي أقرأها، وقلت له سوف ننشرها، وأبدى انزعاجا شديدا وقلت بالحرف: إذا كنت أنت وجدت الشجاعة لكي تكتب فإن لدي الشجاعة لكي أنشر”.

ويواصل الأستاذ هيكل الحكاية مضيفا: وحينما صدرت الحلقة الأولى احتجت أجهزة كثيرة في تلك الفترة وفوجئت أن الرئيس جمال عبد الناصر يدعوني إلى لقائه ومعي نسخة مما كتبه توفيق الحكيم، لأنه كما قال لي لم يكن قد قرأه، ولكنه تلقى احتجاجات كثيرة عليه، ولقد وصلت إلى مكتبه فعلا فوجدت هناك المشير عامر الذي واجهني من أول لحظة بغضبه الشديد لما نشرته الأهرام وقلت له أمام الرئيس: “إنني أعتقد أن ما نشرناه يقع في دائرة ما نعتقد أنه مسئوليتنا وأنه لا يتعارض مع الأمن القومي”.

وقال الرئيس عبد الناصر: إنه يطلب منا نحن الاثنين أن ننتظر حتى يقرأ الحلقة بنفسه.

المهم وبعد أن خرجا هيكل والمشير عامر ليتركا الرئيس عبد الناصر ليقرأ في هدوء عادا إليه بعد أن استدعاهما وقال إنه يرى استمرار النشر وأضاف والرواية ما تزال للأستاذ محمد حسنين هيكل: إنه لا يستطيع أن يتصور أن توفيق الحكيم الذ نقد العصر الملكي في يوميات نائب في الأرياف لا يستطيع نقد العصر الثوري مهما كان الثمن وحُسم الموضوع، واستمر النشر.

حديث مع الله

ونبقى مع توفيق الحكيم ولكن في معركة أخرى جرت وقائعها في ربيع 1983 حين نشرت الأهرام أولى مقالاته الأربعة تحت عنوان “حديث مع الله” فثارت ثائرة رجال الدين هذه المرة وقاد الشيخ محمد متولي الشعراوي الحملة على الحكيم: “الأستاذ توفيق الحكيم لم يقل لنا كيف كلمه الله … هل واجهه أم أرسل إليه ملكا أم ماذا حدث”.

ورد الحكيم بقوله: “إن أحاديثه لم تزد كونها نوعا من المناجاة مع الله بلغته الخاصة وثقافته الخاصة تعبيرا عن حبه الخالص” معلنا رفضه للفكر الذي يصدر بلا تفكر عن غير عقله الذي خلقه الله ليفكر لا ليقبل بلا مناقشة ما خرج من قلب وعقل الآخرين دون تأمل أو تمحيص.

غير أن هذا لم يشفع له واتسعت دوائر المواجهة الفكرية التي انضم فيها إلى جانب توفيق الحكيم المفكر زكي نجيب محمود والأديب يوسف إدريس وفي الجانب الآخر الشيخ الشعراوي وغالبية رجال الدين وكانت واحدة من أشرس المعارك الفكرية بين المعسكرين.

المعذبون بأفكارهم

نحن هنا أمام مثالين في الأول ثارت ثائرة من يظنون في أنفسهم امتلاك الحقيقة الوطنية المطلقة، وفي الثاني ثارت ثائرة من يعتقدون أنهم حراس العقيدة الخالصة.

وفي المثالين حاول من “يحسبون أنهم يحسنون صنعا” الوقوف أمام “الفكرة” بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف بشأن تقييمها.

ونسي الطرفان أن المجتمعات تنهض وتتقدم حين تنفض عن نفسها غبار الجمود وتفتح أبوابها واسعة أمام الأفكار مهما كانت جريئة أو متعارضة مع ما توافق عليه عموم الناس، والمجتمعات التي تقع تحت خط الفكر هي المجتمعات التي تحرم نفسها من مناقشة أفكار أبنائها وإن ناقشتها تعصبت فحرمت وجرمت بل وكفرت أيضا.

وللأسف ففي مجتمعاتنا العربية طويلة هي قائمة المعذبين بأفكارهم المغدورين بآرائهم المخذولين مجتمعيا جراء محاولاتهم البحث عن إجابات جديدة لأسئلة قديمة وقضايا تواطؤ الجميع على التعامل معها كما هي دون بذل جهد البحث أو تحمل عناء المعرفة.

 

 Sky News 

شاهد أيضاً

مودي حكيم يكتب: فنان أحب الحياة

  في مثل هذه الأيام من العام الماضي، سنحت الفرصة لزيارة ولقاء أشهر وأغنى فنان …