كنتُ أراجعُ، في بعض الأيام, أوراق ملاحظاتي المبعثرة وغير الملمومة عن أيامي الأولى في غربتي الثانية في بريطانيا, وكم رجعت أيام, وأطلّت من الذاكرة الذكريات.
لقد أخطأ من قال أن الأيام تمضي وتبتعد, وتغسل الذاكرة من الذكريات, إنَّما هي نتف من حياة, بصمات متروكة في العقول والقلوب, وجوه تأتي وتروح, ومعها ألف ذكرى وحادثة وأثر و… بصمة باقية على الزمان, والعقل, والوجدان.
مما أسعدني الحظ في غربتي الثانية, أنني عشت أياما متطاولة في صداقة بعض النخبة من زملاء المهنة من الذين طوتهم الغربة, بعضهم يشتغل بالحرف والحبر والورق, وبعضهم وهبوا أصواتهم للمذياع, وتركوا الأثير يحمل نبراتهم الحلوة الى آلاف المستمعين, في غير دولة عربية, وبعضهم يمزجون الألوان يضمخون بها ريشهم, التي تنزل تهتك عري الورق والقماش… منهم كُتب لهم التوفيق في مضطرب الحياة, ولطالما نظرت في حال هؤلاء من قريب, فكنت لا أجد أن الذكاء كان أقوى لهم من الخُلُقِ, فمن يظن أن التفوق في الحياة يقوم على “الذكاء” ولا غير, فقد فَالَ رأيهُ… هكذا, على الأقل, علمتني الحياة نفسها.
كان المكتب في “ريجنت ستريت” محطة لكل آت من “المحروسة” الى لندن, من زملاء المهنة ومن محرري “دار روز اليوسف” , أو الذين يعيشون ويعملون في مدينة البرد والضباب.
والمواعيد لا تنتهي, بين الموعد والموعد موعد آخر, وكلام في متاعب المهنة، والسياسة ومشاكلها وأزماتها, والغربة وهمومها, وإذا ما بقي من النهار بقية, فهي للكتابة, وإلاّ فإن القلم يغمس رأسه في محبرة الليل.
وحدث أن دُعيت لزيارة “القسم العربي” في “هيئة الاذاعة البريطانية” في” بوش هاوس” Bush House بمنطقة “أولدويتش” Aldwych و”ستراند”Strand . وكان لقاء مع عدد من معدي البرامج والمذيعين الذين تدخل أصواتهم بيوت الناس, ومن آذانهم الى قلوبهم, فإصطفيت بعضهم, وأصبحوا من الأصدقاء, وكانوا مجموعة مرموقة, لن أعدد أسماءها خشية أن يفلت مني إسم.
و إذا كان القسم العربي بدأ البث من “بوش هاوس”، فإن محطات خدمة “هيئة الإذاعة البريطانية “العالمية BBC World Service التي تنطق وتبث بكل لغات الأرض بدأت بثها الاذاعي من مبنى مجاور لبناية “مورلي هاوس” في “لانجهام بليس”, حيث مكتب “روز اليوسف” الجديد.
” بوش هاوس”, صممته شركة تجارية أمريكية على النمط الأميركي ليكون مركزًا تجاريا، وتم افتتاحه فى عيد الإستقلال الأمريكي. وكانت BBC شغلت أربعة من أصل أجنحته الخمسة, بعقد إيجار يتجدد كل سنة. اما الجناح الخامس، فقد إستأجرته كل من جريدة “هيرالد تريبيون” الأمريكية, و”شركة باركر” و شركة سوفياتية للتصدير و “وكالة تاس” الروسية للأنباء. فى العشرينيات اُفتتحت كافتيريا فى القبو، وكانت أول مطعم فى لندن يعمل بنظام “الخدمة الذاتية” Self Service. وغالباً ما كنت و أصدقائي الجدد من القسم العربي نتناول الغداء فيه. والطريف أن “أستديو 26″ فى قبو الجناح الجنوبي الشرقى كان حمام سباحة, و”استديو 42” فى الجناح الشمالي الشرقي كان صالة لعرض الأفلام السينمائية. وكان هناك ملعب لكرة الريشة فى الجناح الشمالي الشرقي.
خدمة BBC العالمية عمرها مئة وبضع سنوات, واعتبرها كوفي عنان, الأمين العام السابق للأمم المتحدة, أنها “أهم وأعظم هدية قدمتها بريطانيا الى العالم في القرن العشرين”, وعنان كان على صواب.
وتوطدت العلاقة بيني وبين عدد من المشتغلين خلف المذياع في BBC. وكانت حبة القلب للمذيعة العراقية أولجا جويدة, التي اشتهرت بتقديم البرامج الثقافية. وكان برنامجها “نصف ساعة مع أولجا جويدة” من أكثر البرامج الإذاعية سماعاً (ولا يناطحه على إستحواذ آذان العرب في كل مكان إلا برنامج تعلم اللغة الإنجليزية). كانت أولجا جويدة قارئة نهمة, تفتش عن كل جديد. إذا أسكرتها نغمة أو إستهواها لحن, أذاعته, وإن أعجبها كتاب, حكت عنه وقرأت منه, وإن استهواها مقال عرضته. وكثيراً ما كانت تتصل بي لتبلغني أنها ستذيع فقرات من مقال أعجبها في “روز اليوسف” أو في “صباح الخير”. وكثيراً ما كانت تطلب مني معلومات عن كاتب المقال الذي إستملحته.
ويأخذك صوت عفاف جلال العذب, ويسرح بك. ولا غروة أن المستمعين راحوا يتعشقون لها, ولك ما كانت تبثه لهم وتنقله. وعفاف هي شقيقة الروائي محمد جلال (“الملعونة”, “حارة الطيب”, “قهوة الماوردي, “فرط الرمان”) وزوجة المذيع حسن ابو العلا, الساطع إسمه بين المستمعين العرب.
وقد إستضافتني عفاف في أكثر من حلقة من حلقات برنامجها الصباحي المتميز. وفي إحداها, طلبت مني أن أحدث مستمعيها, وهم كُثُر, عن “روزاليوسف” وكتّابها وفنانيها، ورؤساء التحرير الذين تعاقبوا عليها وعملت معهم, ومنهم: احسان عبد القدوس, أحمد بهاء الدين, عبدالرحمن الشرقاوي, فتحي غانم و كامل زهيري، وعن رسامي الكاريكاتور الذين عرفتهم وعملت معهم: صلاح جاهين, أحمد طوغان, جمال كامل, جورج البهجوري, رجائي ونيس, ايهاب شاكر, أحمد إبراهيم حجازي, حجازي، بهجت عثمان وناجي كامل …
ثم سجلت عفاف جلال في بيتنا حلقة من برنامجها “لقاء مع أسرة مصرية”, تحدثنا فيه, زوجتي وأنا, عن تجربتنا في الغربة الأولى في بيروت, وغربتنا الثانية في مملكة إليزابيث الثانية.
و”القسم العربي” يعيش في مدار كوكب ماجد سرحان, صاحب الصوت الرخيم والعبارة المشهورة التي يستفتح فيها برامجه: ” … وهذا ماجد سرحان يحييكم من لندن”. وهو كان بدأ حياته المهنية مُدرسًا للتاريخ واللغة الإنجليزية، متنقلاً بين “الضفة الغربية” و”القدس” و”الأردن”. و في سنة 1969, ترك ماجد سرحان التدريس، ليجلس أمام الكاميرا ويقدم نشرات الأخبار في التلفيزيون الأردني, ونقل حادثة حريق المسجد الأقصى.
ثم ترك الأردن والعالم العربي, الى بريطانيا. وكان بين 300 شخص تقدموا للعمل في القسم العربي, فتم قبوله مع إثنين من زملائه. فأصبح واحدًا من أشهر الأصوات المميزة, وأنجح المذيعين ومقدمي البرامج السياسية والإخبارية, مثل “عالم الظهيرة”, و”حصاد اليوم” الإخباري, و”مشوار المساء”, و”أسبوعيات الثقافة والأدب”, وسلسلة “تعلم اللغة الانجليزية بالراديو”.
كان ماجد يطير بزهوه عندما كنت أرسل له أسبوعياً “روز اليوسف” و”صباح الخير”, ملفتاً موجهًا نظره الى بعض القضايا الإجتماعية المهمة التي تتناولها “صباح الخير”، أو مقال و رأي سياسي وكاريكاتور مميز فى “روز اليوسف”. فنادراً ما كان تخلو البرامج التي كان يعدها وبقدمها, عن الإقتباس من “روزا” أو صباح الخير”, أو التعليق على كاريكاتور أعجبه بريشة بهجوري الذي كان يفضله. وكان من الطبيعي أن يبدي ماجد إهتماماً بأي مقال فى الشؤون السياسية, أو دراسة عربية, وخصوصاً كل ماينشر في مطبوعات “روزاليوسف” عن فلسطين.
تعاونت أيضا في BBC مع كل من ماهر عثمان, محمد الأزرق, ليلى طنوس, مديحة المدفعجي, هدى الرشيد, سلوى الجراح, محمد شبلاق, أيوب صديق و رشاد رمضان في تسليط الضوء على “روز اليوسف” كلما سنحت الفرصة.
***
لم تكن لندن تعرف جرائد ومجلات العرب. لا تأتيها بإنتظام, وإن وُجدت في أكشاك الباعة والمكتبات, فبعد يومين من صدورها في بلدانها.
“الأهرام” شيخة الجرائد العربية, وحدها بين الجرائد والمجلات المصرية كانت تصل لندن, وتوزعها سلسلة محلات WHSmith وتحصر تواجدها في العاصمة, من دون سائر المدن البريطانية الكبرى.
وجارت الأيام على بعض العرب, ويعيد التاريخ الدُّوار نفسه, وتتكرر هجرة الأقلام, وهذه المرة بعدما أحرقوا بيروت (وليس هاهنا منفسح للحديث عن تلك الهجرة, فلنا عودة إليها متى حان وقت سردها).
سنة 1973، حمل عبد الوهاب الفتال قلمه وحقائب سفره من الرياض الى لندن. وكان لجأ الى السعودية بعدما قامت الوحدة المصرية – السورية, وهو القومي الإجتماعي, بالعقيدة, وقف ضد تلك “الوحدة” وضد المد الناصري.
ونسوق هنا ما قيل ولا نتبناه, من أن الملك فيصل بن عبدالعزيز هو الذي أمّدَ وأعطى ووفَّرَ, ما سمح لعبد الوهاب الفتال أن يُصدر في لندن مجلة “الشرق الجديد”, التي كانت تصدر على شاكلة نشرة, فدخل بها تاريخ الصحافة المهاجرة, كأول مطبوعة عربية عرفتها لندن.
و”الشرق الجديد” مجلة “الشخص الواحد”, فكان عبد الوهاب الفتال يحررها من ألفها الى يائها, ومن بابها الى محرابها. يحبر الكلام, لا يظهر فيها إسم محرر إلا هو… ومكاتبها بيته, ولا عنوان على صفحاتها, ولا رقم هاتف, إنما صندوق بريد!
أزال عبد الوهاب الفتال في مجلته كل الحواجز ومحرمات المساس بالحكام. فراح بقلمه البتّار يلذع, ولا يوفر لهم في مقالاته شيئاً, وإستباح الأنظمة على أسلوب “الصحافة الصفراء” Yellow Journalism، وهو مصطلح أمريكي المنبت والأصل, شاع لوصف الأسلوب الصحافي الذي إتبعه الناشر والصحافي وليام راندولف هيرست, ويقوم على كسر الحواجز, والمزج بين الخاص والعام في حياة السياسيين ورجال المال والأعمال, بغية إثارة الرأي العام ضدهم, ورفع مبيعات المطبوعة, ثم الإنحياز البيّن والهيّن لمن ينفق على المطبوعة أكثر… ولم يكن عبدالوهاب الفتال يصون نفسه وقلمه عن ذلك. إلا أنه كفّ عن بسط قلمه في نظامين: السعودي والسوري. الخبثاء يقولون أن ذلك كان لغاية في نفس يعقوب, و ربّك الأعلى أعلم.
***
إلتقيته في “بيروت المساء”, كان رشاد الهوني في معية الصادق النيهوم, في زيارة أمين الأعور رئيس تحرير المجلة, الممولة أصلاً من الليبيين.
كان ساهما, تشعر وهو جالس أمامك أنه شارد الذهن, قليل الكلام, يحكي بعينيه قبل لسانه. وإن تدخل في الحديث, وأعطى رأياً, أو جادل في أمر, إنتقى كلماته. ولقد ظهر لي من حسن خلقه ما رغّبني فيه وفي لقائه, والحديث عن الشعر والفن والتصميم الصحافي .
وتتنسل الأيام وتدور, وتدور معها الظروف, لأعود وألتقيه في لندن.
مال رشاد الهوني الى الشعر, وهو بعد طالباً في كلية التجارة في الجامعة الليبية, فوزّع شعره على مجلات ذياك الزمان, وكان شعره لطيفاً, رقيقاً, جزلاً.
سنة 1964, عندما أصدر شقيقه محمد جريدة “الحقيقة” أسبوعياً, راح ينشر شعره فيها. أما مقالاته فكانت تُنشر تحت ترويسة “من يوم ليوم”, وقد مسَّ فيها حبات القلوب.
سنة 1966 أصبحت “الحقيقة” تصدر يومياً, فشارك رشاد شقيقه في الأعباء المالية, وتولى إدارة التحرير.
وانتقل محمد ورشاد الهوني الى مكاتب حديثة مجهزة, وكانت للجريدة مطبعتها الخاصة بها, وضم جهاز التحرير عدداً من المراسلين, إضافة الى المحررين المحليين. وإنتشرت “الحقيقة” و صار لها قرّاء يدمنون عليها كل صباح, في طرابلس, وبنغازي, والمرج, و الخمس, و مصراته, و سبها …
حاول رشاد الهوني في “الحقيقة” أن يكتب الحقيقة, من دون تملّق وموالسة. ولم يكن يميل مع الريح حيث تميل, لا يهادن ولا يلين. فأغضب مجلس قيادة الثورة الليبية, الذي ما كان يريد أن يغمس الصحافيون أقلامهم إلا بحبر السلطة, والسلطة وحدها… فسئم رشاد الهوني الحياة في ليبيا وصار بَرِماً بها.
واُتهم رشاد الهوني, مع عدد من أصحاب ورؤساء تحرير الجرائد والمجلات المستقلة بقضية “إفساد الرأي العام”، و ونُظر في القضية في محكمة الشعب في 17 يناير (كانون الثاني) 1972.
وإحتجبت” الحقيقة” ومعها 11 مطبوعة أخرى. وبعد خروجه من السجن, أرسل العقيد القذافي من يُبلغ رشاد الهوني’ أنه غير مرغوب فيه, وعليه أن يرحل عن البلاد.
ويرحل رشاد الهوني… تفتح له بيروت صدرها, وقد سبقه إليها صديقه الصادق النيهوم, فأسس معه “دار الشورى”, وعنها أصدرا سلسلة “مكتبة في كل بيت”, ومع إشتعال النار في بيروت, تركها رشاد الهوني الى لندن.
ولم يدُم عمله في “هيئة الإذاعة البريطانية” طويلاً, تركها سنة 1977 ليتشارك مع أحمد صالحين الهوني ( آخر وزير إعلام في العهد الملكي, والمتهم الأول مع رشاد في إفساد الرأي العام), والحاج علي السلاك, و هو رجل أعمال ليبي على قدر من الوفر المادي, في إطلاق جريدة “العرب”.
وتولي مسئولية تحرير “العرب” الى جانب رشاد الهوني, محمد حامد, الذي عُرف فى الوسط الصحافى باسم محمد محفوظ, وهو قاصِ ومخرج و رسام كاريكاتور. لكنه إنشغل بالكتابة والإدارة الصحافية، ولأنه في قصصه تأثر بالواقعية التي إنتهجها الأديب نجيب محفوظ فأطلقوا عليه إسم محفوظ. وكان محسوباً على المعارضين للرئيس السادات, فسافر الى الإمارات وهناك عمل في جريدة “الوحدة”، وكان بين الفينة والفينة, يتخلى عن الكلام, ويعبر عن مواقفه السياسية بالرسومات الكاريكاتورية الجرئية المعادية للنظام المصري, فما كان من سعدالدين مرتضى, السفير المصري لدى الإمارات, إلا أن طلب من السلطات الإماراتية ترحيله, وكان أن تدخل بعض الوسطاء فسحب السفير شكواه.
ترك محمد محفوظ جريدة “الوحدة ” ليسهم فى تأسيس جريدة خاصة باسم “الوثبة”, لكن الرقابة لاحقته فترك أبوظبي الى الشارقة, ليصمم جريدة “الخليج”. ولم تدم اقامته في الشارقة طويلًا ليتركها الى لندن. وبعد “العرب”, استعان به الكاتب محمود السعدني فيما بعد فى إصدار مجلة 23 يوليو.
جهاز تحرير”العرب” ضم فى البداية الصحافى الفلسطيني بكر عويضة كسكرتير تحرير, ثم أصبح فيما بعد مديرًا للتحرير, و فوزية سلامة, أنيس الجوهري و محمد قبرطاي.
وضع الماكيت والشكل الاساسي للجريدة محمد محفوظ، وعاونه نشأت الذي هاجر الى أميركا والفنان السكندري فكري عياد الذي أسهم في تطوير شكل الصفحات وطريقة تنفيذها بعد دراسات عليا فى فنون الجرافيك، ومعهم ميشال و عادل نعمان. وفى قسم الصف محسن بسيسو, فرج , بهية , سلوي الجبلاوي ثم انضم الى أسرة التحرير احمد فوزي, يسري حسين, عادل درويش و شوقي ابراهيم, السوداني محمود السعدني – وهو غير كاتبنا الكبير- وقسم الإعلانات رأسته ليلي جرجس. ولاحقًا إنضم أستاذنا الفنان حسن فؤاد كمستشار شخصي للمسئول عن التحرير رشاد الهوني، وكان له دورًا آخر سأذكره في حينه.
ولخلاف, ليس هاهنا مكان الكلام عنه, بين رشاد وأحمد صالحين الهوني, فُضّت الشراكة. ترك رشاد “العرب” و أصدر مجلة “الغد”, مقلداً ومتأثراً بمجلة “2000”, إلا أنه لم يستطع مجاراتها, فأغلقها. وترك لندن الى القاهرة, فلم يطل مكثه فيها, فعاد الى بنغازي, حيث ترك القلم والورق الى الأعمال الحرة.
في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 1993, أسلم رشاد الهوني الروح.
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة