الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة 45
علي كف البحر!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة 45
علي كف البحر!

كانت الدرب تنفض عنها الليل, وتندس في مفاصلها أشعة شمس خريفية بليدة. تسيقظ حواس”صور”, يتمدد الحزن في صدرها, من فترة بدأ ناسها يشعرون بمرارة الحرب التي تشعل البلاد, تُدمِر, تُهّجِر و… تُميت.

الدرب الى المرفأ تمتد طويلة, تكتنفها الأشجار من الجانبين, و راحت سيارة “رانجلر” Wrangler ذات الدفع الرباعي تنهب الدرب نهباً وسرعتها الإنسيابية جعلت الشجر على حافتي الدرب تركض في الإتجاه المعاكس… وتتعاقب الطبيعة, البيوت والشجر وأعمدة الكهرباء والهاتف…

ويطل جسر “نهر القاسمية”, على فمه حاجز وعلم لبناني, وجنود بزاتهم نظيفة, كانوا من أفراد الجيش اللبناني الشرعي.

أومأ جندي, على زنده شارة رقيب, طويل القامة وسيماً, عيناه سوداوان كبيرتان, يشع منهما الصفاء. إمتلأ وجهه بالحياء وهو يمرر نظره علينا. وبلطف سألنا, أجبنا, رضي بما قرأ في جوازات السفر, إفترت شفتاه عن بسمة, تراجع الى الوراء قليلاً, حرك يده, تجاوب جندي آخر لها و تركنا نعبر الحاجز, فعادت السيارة تكرج على الدرب.

لأول مرة أمام حاجز تفتيش أشعر بالأمان, وبأنَّ الواقف برشاشه على الحاجز يعاملني بإحترام, وبالحسنى واللطف, وليس بالغلظة والتقطيب والتعالي, وباللفظات المهينة الملوثة بالحقد.

صّهْلَلَ صوت نديم, وهو يرمي من شباك السيارة عقب سيجارة  كان يمتص تبغها:

“وصلنا… هاكم المرفأ, والبحر الموصل الى بلادكم”.

***

رَفَّت نسمة عابقة برائحة البحر. راحت الشمس تخلع فستانها فوق الموج المستلقي على قدمي المرفأ, وقبل موعد المغيب بساعة, النهار النقي غام ضياؤه.

إستسلمت لإرتعاشة جرت في جسدي, خفت من الأفكار المختلطة والمتلاطمة التي تدافعت في ذهني, فأصبحت لحظتها كمن يخمِّنُ ما سيحدث قبل حدوثه.

سحبني صوت “الرفيقة” فوز من الغرق أكثر في تلك الأفكار:

“لقد سألنا”…

سقط نظرها على وجهي, قرأت فيه علامات الإستفهام, تعجلت الكلام:

“السفينة الصغيرة التي ستسافرون على متنها الى” الإسكندرية” ستبحر بكم الساعة الثامنة مساء, أي بعد أربع ساعات من الآن!”

إمتصت شفتها السفلى, خرج صوتها من حنجرتها مشروخاً:
” إن الرحلة, كما عرفت, تستغرق 48 ساعة”.

إنتظرت فوز أن يصبح وجهي، عند سماع كلامها, بلا ملامح, وأن يستحوذ عليَّ الإمتعاض أو الخوف والإستهجان… فلم تقرأ في تفاصيل وجهي أي إنطباع كانت تنتظره, فقد كان الحاج الصيداوي قد أنبأني بكل هذه التفاصيل, وحتى بطيبعة المركب الذي يشبه مراكب الصيادين.

و راحت فوز تساعد زوجتي على شراء وتوضيب الطعام والشراب الذي يكفي ليومي الرحلة البحرية.

***

و رحنا ننتظر. نزّهت عيني في أرجاء المكان. كان المرفأ معجوقاً بالسفن التي تأتيه من كل بقاع و نوع  و جنس, محمَّلةً بالغلال, قمحاً وطحيناً ومعلبات غذائية, و تبحر محملة بشراً  يهّجون, مثلنا, من أتون الحرب, الى كل مطرح في الدنيا يفتح ذراعيه لهم.

وينتفخ المرفأ بالخيلاء وهو يتذكر ماضيه, مع كل بزوغ فجر, و رفّة جناح من طائر من طيور البحر, يأتيه يلملمُ من الماء قوته. وماضي أيام مرفأ “صور” ما كانت إلا تجارة, ونقل صناعات وحرفيات “الصوريين” الذين برعوا في بناء السفن والحدادة, والحياكة والنسيج, والصباغات وإبتكار الألوان والأحبار… يسافرون بها من المرفأ الصغير الى كل مطارح الأرض الواسعة.

فالصوريون جوابو أفق, لم يتعبوا من إكتشاف البلدان والأماكن, ودائماً من مرفأ “صور” يُطِلون على العالم.

في القرن التاسع قبل الميلاد, وعلى سفينة من صُنعهم, أبحرت مجموعة من الصوريين ليؤسسوا مدينة “قرطاجة” (في تونس اليوم), التي راحت تنافس وتتشاوف وتتعالى على روما, وتضاهيها عظمة وتراثاً. وحسب ألواح “تل العمارنة”, وقعت “صور” في القرن الخامس عشر قبل الميلاد تحت النفوذ المصري.

إستحوذت على “الرفيقة” فوز شهوة الكلام, ورغبت أن تُميت إنتظارنا بحكايا الحرب, وما يعيشه مرفأ “صور” يومياً.

غامت نظراتها, كأنها تستحضر المرويات من كعب الذاكرة, فتّأنت في الكلام وهي تروي لنا أن إحدى المهمات التي أوكلت إليها, مع رفيقات لها في الحزب الشيوعي, كانت تهريب صناديق من السلاح والذخيرة إلى بيروت الشرقية, وهذه أغرب المغامرات. والحزب يعتمد في هذه المهمات الحساسة على الإناث في صفوفه, ذلك أن الذكور يثيرون الشبهة على الحواجز, فمن الأقضل أن يكون الرفقاء على جبهات القتال, والرفيقات في المهمات الحساسة! فيكفي الواحدة منهن إرتداء آخر صرعات الموضة المتوفرة في بيروت على الرغم من الحرب, والتكلم باللغة الفرنسية عند أيّ حاجز, حتى تتبدّد الشبهات حولهن!

وراحت فوز تستفيض, وهي تروي تفاصيل مهمات من نوع آخر. فقد وضع الشيوعيون بمؤازرة الحلفاء في “الحركة الوطنية”, خطّة تقضي منْع احتكار التجار السلع الأساسية. فعندما نفذ الخبز من الأسواق بسبب تعطل الأفران, راحت الناس تشتري الطحين للخَبز في البيوت, فارتفع سعر الطحين، وصار يُباع في السوق السوداء. فخاض “الأمن الشعبي” غمار معركة الكشف عن المحتكرين، وعن مخابئ بضائعهم، ومصادرتها لمصلحة الشعب.

لَيَّلَ الليلُ , لفَّ بردائه الأسود المرفأ, بدت أضواء المصابيح مثل عيون غول الأسطورة, تطل من العتمة, تسيل على وجه البحر, ترقص مع الأمواج. نسمة هبّت, رشت على الواقفين المنتظرين, فارتعشت لها الأجساد.

تكومت العيون على السفينة الصغيرة, أزفت ساعة الرحيل. ضغط فريد على يدي, تكلم بعينيه قبل فمه مودعاً. إكتفى نديم بالكلام, وتمنى لنا رحلة في البحر آمنة. تملتني “الرفيقة” فوز, ودعتني, عصت دمعة, كدت أراها تغدرها, وجدت نفسي أكرر لها ما كان دار في رأسي طوال الليل:

“من غير وداع… من غير وداع, سأرجع مهما ساورتني المحن, وثارت بي عاديات الزمن”.

***

مّدَّت “سقالة” خشبية لسانها الطويل من السفينة الى رصيف المرفأ, إهتزت مع دعساتنا عليها. لم تكن السفينة مُعدة لنقل المسافرين, إنما للشحن البحري, مقتصرة على نقل الغلال والمؤن الغذائية… فلا مقاعد, ولا سقف, فإلتحفنا السماء, وإفترشنا أرضية السفينة الخشبية, وإتكأنا على حقائبنا, و حولناها الى مساند نرخي عليها أجسادنا المنهكة.

دبّ التعب في مفاصلي, حاولت أن أسترخي ما إستطعت. دارت عيناي في العيون التي إلتفت حولنا وحوالينا, فوجدت خليطاً غريباً من الحزن والفرح غائراً  في العيون: حزن الرحيل المُمض, وفرح الخلاص, ولو الى حين, من بلد منذور على إسم الموت.

وطال إنتظارنا, ودار الهمس بين المسافرين, والتأخير سببه أن القبطان لم يصل بعد.. وكرجت عقارب الساعة تعد الوقت, وتحصي الدقائق الواحدة بعد الأخرى, ويضنينا الإنتظار.

ساعتان, ونحن نفترش أرض السفينة, ونتكوم على أنفسنا, والمرحاض اليتيم أصبح دورة قاذورات, فبات من المستحيل إستخدامه.

وإهتزت السفينة لرجل رِبعة في القامة, ممتلىء الجسم, واسع الصدر, وجهه قاسي الملامح, يغطي شفته العليا بشارب تطل منه شعيرات بيضاء, بينما ترتخي شفته السفلى الغليظة. مر بنا مختالاً. “القبطان وصل”.. همس جاري لجاره.

هو إذاً, الرجل السوري الذي كان الحاج الصيداوي حكى عنه, وأن صاحب السفينة لا يقبل غيره قبطاناً لها, فهو مُجرب خبير, يعرف مزاج البحر, تعارك معه مرات عديدة, ويعرف أيضاً مسالكه, ويحفظ عن ظهر قلب درب البحر من “صور” الى “الإسكندرية”, من كثرة ما أبحر فيها ذهاباً وإياباً. وما نسي, الحاج الصيداوي قوله, أن صاحبنا القبطان سكير عتيق من سكارى الغرام في “العرق”, وأغلب الظن, أنه يعاقر الزهيد الثمن منه, وليس “نخب أول” كما يسمي اللبنانيون العرق المقطر جيداً والمعتق.

وأخيراً, رُفعت “السقالة”, وبدأنا ننعزل عن الأرض. كانت تلك “السقالة” الخشبية الصلة الوحيدة بين عالم عرفناه, وعالم نجهل ما فيه.

وراحت مدينة “صور” تبتعد وتبتعد, تصغر وتصغر, وتنطفىء أضواؤها, ثم تنغمس في العتمة الموحشة, تغور في ذلك البُعد الأسود الكالح, وتختفي. كأنما يد سحرية أطبقت عليها, فأختفت.

وتَمَلْمَلَ البحر, هدر, أزبد, إرتطمت أمواجه العالية بجسم السفينة بعنف, فإهتزت ومالت و تمرجحت, وإختلط صوت الإرتطام بعجيج المسافرين, وصراخ وبكاء الأطفال.

حشرت إبنتي شيرين رأسها في حضن أمها, كان”دوار البحر” تكمش بها, وقبل أن يستفحل بها الغثيان, أعطتها أمها حبّة دواء ضد “دوار البحر”, فإستكانت وغفت. أما إبني شريف, فقد تمسك بذراعي, ولاذ بالصمت من هول فزعه, حاولت التخفيف عليه فلم أفلح, ظل يرتجف, وإزداد إلتصاقه بي وتمسكه بذراعي.

وهمدنا بعد إرتجاج, وتمايل, وتململ, ومرجحة يمنة وشمالاً. راح نظري يدور في السفينة مستفسراً, متفقداً, وما إستقر على شيء. سماء وماء, وماء وسماء, تتغامز فيها النجوم, وقمر ضلّ دربه, فإحتجب وراء الغيم الأسود.

وإستكان البحر. همد. إرتاح الموج من الإرتطام بالأشياء. ساورتني  غصة وأنا في الأبعاد: لبنان, الذي عشت فيه نيف وسنوات ست, ومن فيه من الصحاب والأحباب ورفقاء الدرب, والحبر واللون, والعشرة الطيبة, وسهر الليالي, وما يحمله من غنى في الجمال والثقافة، والريادة والترف, وما يغلي فيه ويدور في شوارعه ومدنه و قُراه من إستباحة وقتل, وتهجير ودمار.

كيف تركته, وقد عشت فيه ما عشت, فأعطاني الثقافة والحرية, وفرص للإبداع والنجاح والتقدير, والقيمة والشهرة، والحظوة والبحبوحة, فصار مني وأنا منه… إنغمس قلبي, خفت أن لا أستطيع, متى عدت الى بلدي, أن أحيا إلا منه وفيه. وما إستطعت كبح تلك الغصة التي أطبقت على صدري, وراحت تؤلمني, ويؤلمني معها شريط الصور المتدافعة في ذهني عن أيامنا الحلوة في لبنان, وعن حرب السنتين التي عشت, وعاينت بدايات الإحتراب, وقد إشتركت فيه أكثر من دولة, لوثت أصابعها بدماء اللبنانيين, ودمرت بلادهم .

بعد سنة الحرب الأولى, بدأت تروج مقولات كثيرة, تحاول أن تفسر وتحلل ما كان يجري في بلاد الأَرز, منها أن التسوية السياسية لأزمة الشرق الأدنى تتطلب إسكات لبنان. ومنها ما سمعته من محلل كنت أعتد بآرائه, أن الحل الدولي لأزمة المنطقة يتطلب تحجيم المقاومة الفلسطينية, المنفلشة والمنفلتة في لبنان. ومنها أيضاً أن الحرب في لبنان كانت ضرورة لكي ينسى العرب فلسطين, فيصبح شغلهم الشاغل حل الأزمة اللبنانية. , وأكثر المقولات تداولاً, كانت تلك التي إعتبرت أن الوفاق العربي لن يتحقق ما دام اللبنانيون يمارسون”الحرية المفتوحة” من دون ضبط وضوابط. وهنا مربط الفرس.

فبدلا من الإقتداء والإستفادة من التجربة الديموقراطية الوحيدة بين الدول العالم العربي, أمعن العرب, قبل غيرهم, في تدمير هذه التجربة الفريدة, فأجبر لبنان على قبول التخلي عن سيادته, منذ “إتفاقية القاهرة” سنة 1969, التي كانت البداية الحقيقية للحرب والموت والخراب والدمار. وكنت أدرك, مثلي مثل غيري من المتتبعين للشأن اللبناني, أن تلك الحرب لن تنتهي بمحاولة تطويع التجربة اللبنانية المتميزة, لتصبح مشابهة للأنظمة العربية السائدة. وكنت مع غيري من المتتبعين على صواب. فالحرب اللبنانية, ما إنتهت, وهي مستمرة بأشكال متعددة, و ما تزال تقوض دعائم البلد الصغير.

وما قاله الشاعر زين شعيب, وهو من شعراء العامية المبدعين في لبنان, يختصر المأساة اللبنانية:

لبنان يا إخوان إعدام إنحكم

وما عاد ينفع لا طبيب ولا حكم

لبنان طابة والشرق ملعب كبير

وقرود عم تشوط وإبليس الحكم

إن مأساة لبنان, كما كتبت مراراً في “صباح الخير”, أنه كان “محسوداً”, والخطير في الأمر، أن اللبنانيين إعتبروا ذلك مدعاة للتشاوف والتباهي, بدل أن يعتبرونه شأناً خطيراً  ومفزعاً يتطلب منهم, لتفادي التبعات, التفهم والتفاهم, والوفاق والتنازلات.

فدفع لبنان الثمن الباهظ.

كل موجة كانت تقذف بنا وتقربني من مصر, بلدي الأم, كانت تُذكِرني بالذي تركته خلفي, بساحله وبحره, وسهوله وجباله.

***

وإستنطقنا القمر والنجوم والبحر, وكانت الأمواج و الرياح الهوج, وكانت الشمس المحمرة العينين, وكان الغروب, وكان الليل من جديد يشلح شاله الأسود على البحر. والقمر في تلك الليلة تباهى بحاله, وراح يتمرى على صفحة الماء, وعدت أرسل عيني الى البعيد, ولا أستقر على شيء. وثقلت جفوننا, دبدب النعاس زاحفاً الى المآقي, سكنت الحركة في السفينة.

فجأة, إرتجت السفينة وتمايلت, فتمايلنا معها, وساد لغط, وإستفقنا من ذعر وفزع, أمسكت بزوجتي وأولادي مستنداً على حقائب السفر. إشرأب الركاب يعجبون من الجنود الذين دهموا السفينة, سلط الجندي نوره الكاشف على وجهي, تملاني, ثم نقله الى وجه جاري, وراح واحد آخر مدجج بالسلاح, يتجول بين المسافرين, يقرأ ملامح وجوههم, فلم يجدوأ سوى نساء وأطفال وعدد قليل من الرجال.

تركونا بعدما أرعبونا, وتوجهوا الى مقصورة القبطان, وبعد دقائق معدودات, غادروا السفينة, وإتبعدوا بقواربهم السريعة.

تولاني الدهش, طافت في رأسي الظنون: أيكون هؤلاء من خَفَر الحدود البحرية الإسرائيلية, ثم لماذا داهموا السفينة؟

وبدأ اللغط والهمس من هنا ومن هناك… فإنتصب رجل طويل القامة, دارت عيناه في محجريهما دورة سريعة, فيها شرر من غضب, لم يكتم غيظاً كان بدأ يتسرب الى ملامح وجهه, ساد صمت بليد, طلع صوت الرجل قوياً, فيه نبرة من الضيق:

“لقد أبحرنا  خطأً في المياه الإقليمية الإسرائيلية, والذين داهموا السفينة وفتشونا هم من خَفَر السواحل والحدود البحرية”.

وسب ولعن الساعة, والذين كانوا سبباً في عذابنا, ولحق القبطان رذاذاً من السباب.

تكّور  القبطان في مقصورته, مثل أفعى تلعق جراحها, وتموت بسمها. فهو ما إنفك, منذ تركنا مرفأ “صور”, يعاقر العرق الذي مزجه بالماء, وتركه في قنينة, يمتص منها جرعة بعد أخرى, فسَكَر وضل درب البحر, ودخل بالسفينة المياه الإقليمية الإسرائيلية.

وأدارت السفينة وجهها, وعادت الى درب البحر الصحيحة, والحادث أخَّرَ وصولنا الى “الإسكندرية” 24 ساعة.

غشاوة حوطت نظري, تباطأ الليل في مشيته على عقارب الساعة, سَلْطَنَ الصمت في السفينة وتمدد. هلوس نسيم بارد. أحكمت حرام الصوف على كتفي, حاولت أن أغمض عيني, حاولت أن أنام.

***

أسرع الفجر في مداعبة آخر الليل, ثم عَبَّ عَبَّةً طويلة من رائحة البحر. الشمس رقصت في سماء لا تؤثر إلاَّ أن تلبس الغيم الأبيض, رمت الشمس أشعتها على السفينة, التي كانت لم تزل نعسانة, بعد ليلة من الخوف والرعب.

وإستفقت, تفقدت زوجتي وأولادي, لعبت الأفكار في ذهني, ودارت تساؤلات. شَبَكْتُ عشري على رأسي, وراح الصوت في داخلي يتمتم: أيتحتم علينا أن نكون فريسة المجهول… وهذه اللجج التي كانت تتدافع لتنالنا, بشدقين يزبدان غضباً, من الرياح الهوج التي تحطم أعصابنا بعجيجها… ويقتحم خيالي تشاؤم, عصفة مفاجئة من رياح معربدة, هزّة في قلب المياه… ويأكلنا البحر.

قطعت تفكيري رؤوس قباب أطلت علينا, و راحت مدينة “الإسكندرية” تظهر شيئاً… فشيئاً. مرآها خفّف من روعي, ودب فيَّ الإرتياح, عانقت زوجتي وأولادي, “وصلنا… وصلنا” صرخ شريف, وقد طار بزهوه.

قبل دخول المرفأ, صعد رجال حرس الحدود المصرية للتثبت من جوازات السفر, فألقوا القبض على أربعة فلسطينين كانوا في عداد من المسافرين, وقد تشككوا من سلامة الأوراق الثبوتية التي قدموها. فبقينا فى” بوغاز الإسكندرية”, لا يُسمح لنا بدخول الميناء قبل إتمام التحقيق.

إقتربت من السفينة “لنشات” البمبوطية الصغيرة لتقديم وبيع السندوتشات والمرطبات. راح هؤلاء يرفعون أسعارهم, وكذلك المغالاة في تحويل العملة وصرفها. يومذاك, كان الجنيه المصري يعادل 4 ليرات لبنانية, لكن عند البمبوطية يعادل 10 ليرات. وما كان باليد حيلة!

أُفرج عن السفينة بعد التحقيق مع الفلسطينيين الأربعة, الذين أثبت التحقيق انهم يعملون في “تهريب السلاح” من “طرطوس” عبر المياه الإقليمية السورية الى موانئ “طرابلس” و “صور” و “صيدا “.  وبتنا في مرفئها جنب عشرات من البواخر الراسيات, و كلها تفرغ من جوفها ما تحمل من بعيد لتستعيض عنها من منتوج البلاد, تحت أنّات رافعات الأثقال, وحركاتها الرتيبة الدائمة.

وعبرنا بوابات الجوازات والجمارك. وعند تلك البوابات إنتهت الرحلة القاسية التي إستمرت 72 ساعة أو أكثر. إستقبلتنا الإسكندرية ببهجتها وشوارعها الراقية …

فاحت رائحة السمك المشوي  من مطعم الصياد” قدورة” وموائده البسيطة على” رصيف بحري” القريب من البحر، بمطبخه المميز وسمكه الشهي على الطريقة “السنجاري “…و على الرغم من التعب والإرهاق, قصدناه.

” عمار يا إسكندرية يا أصيلة يا مارية” و… عدنا الى أحضان “أم الدنيا”.

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …