الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الأولى (44)
من غير وداع!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الأولى (44)
من غير وداع!

مَضى نصف عمر النهار, ونحن على دروب لم تنفض عنها الموت, تتدافع فيها شهوات القتل, تخدشها دعسات المقاتلين, تجرحها فتدميها.

في الفلاة البعيدة, والدنيا على غروب, وعين الشمس شاحبة في الأفق, لاحت “صيدا”.

الدرب إليها لم تكن سهلة, حواجز تصر على نشر الذعر و الخوف, وجوه قبَّحها السهر والتعب, وعيونٌ يسكن فيها الحقد, وتلمع فيها الكراهية.

يلوح بيده, يوقفك, تقف و تبتسم, يعبس ويقطب, يتململ ويتمايل برشاشه, ويفرض عليك سطوته. عيناه تنغرسان في وجهك, وتزدحم فيهما علامات الإستفهام, وتدِب فيك رعدة الخوف على عائلتك الصغيرة مما قد يفعله الواقف ضد الحياة, وأغلب الظن أنه لا يعرف لماذا يحارب, ويقتل.

ويشير بعينيه قبل يديه. يطلق سراحنا من أسر سطوته, يتركنا نواصل الدرب.

***

على بوابة المدينة, أومأ شاب ملتحٍ, أشعث الشعر, في عينيه ذئب يرتعد, أفرج عنا بحركة عجلى من يده… فدخلنا أقدم دويلات المدن التي أسسها “الكنعانيون” (وهم الذين عرفهم الإغريق بالفينيقيين) على شواطىء البحر الأبيض المتوسط. دخلنا “صيدون”. والإسم, عند بعضهم, منسبُ الى صيدون إبن كنعان, ويحاجج آخرون, بأنه مشتق من كثرة السمك في شواطئها, أو نسبة إلى الأقدمين من أهلها, الذين أكلوا خبزهم من ماء البحر وسمكه, يصطادونه ويتاجرون به.

ويفتي المؤرخ الفرنسي جاك نانتي بأن “صيدا”: ” أول مدينة أسسها الفينيقيون هي مدينة صيدا نحو سنة 2800 ق.م ثم بُنيت بعدها مدينة “جبيل”, و”أرواد”, ثم بعد ردح من الزمن, مدينة “طرابلس”. ويُصّر بأنّ” مؤسس صيدا هو صيدون ابن كنعان البكر.

أما أحمد عارف الزين, فهو يعرف أكثر, كونه إبن البلد, فأخرج من الوثائق ما يثبت أن: “إسم المدينة مأخوذ من بِكر كنعان حفيد نوح، وكان ذلك سنة 2218 ق.م أو قبل ذلك, وكانت في أيام يشوع بن نون أم المدن الفينيقية”.

وتستنطق تاريخ تلك المدينة, فإذا هو حافل بالحوادث. مرّ عليها الغزاة, تركوا فيها آثارهم وحضاراتهم, وأخذوا منها ومن بحرها الكثير.

خضعت مثل غيرها من المدن الفينيقية على الساحل لسيطرة الفراعنة، وشكلت جزءا من أراضي مصر وذلك منذ عهد رمسيس الثاني. ويمر عليها “الأشوريون” ردحاً، وبعدهم دخلها نبوخذ نصر البابلي, ثم قورش ملك فارس, والإسكندر الأكبر, حتى دخول الرومان. وعلى الرغم من معاناتها من  سياسة الغزاة, وسلطتهم, وتسلطهم, إلا أنها ظلت متمتعة  بنوع من الإستقلالية الذاتية, وحافظت على روح المغامرة والملاحة, وبقيت تتنافس مع جارتها “صور” في كونها عاصمة سياسية وإقتصادية وثقافية للدويلات الكنعانية.

سنة 332 قبل الميلاد, لم تقاوم صيدا عسكر الإسكندر. فتحت له بواباتها البرية والبحرية, فحافظ المقدوني على مصير المدينة, لكنه عَزَل ملكها. على عهد الرومان تحولت المدينة إلى “جمهورية”,  وامتدت أراضيها إلى “جبل الشيخ” أو “جبل الحرمون”.

في إنجيله, ذكر مرقس الرسول, و في الفصل السابع منه, أن  السيد المسيح جاء الي “صيدا” و”صور”، و”قانا” التي في العُرس فيها كانت أعجوبته الأولى, لمّا حوّل الماء الى خمر… فالأراضي اللبنانية أراض مقدسة, مع أرض زبعلون ونفتالي و جليل الأمم.

وبعض شرّاح الكتاب المقدس يقولون أن السيد المسيح وصل  الى أعالي  مدينة “مرجعيون”, وحدود «بلاد الشام» عندما يرسمون خارطة درب السيد المسيح الى جليل الأمم.

من البحر الذي  يستلقي بين قدمي “صيدون”, إنطلق أوّل مركب يحمل  ألواح الأبجدية… وعلى أرضها  شُيّدت حضارات شتّى…  والآثار المتبقية, إن في القلعة البحرية, أم البرية, أو قلعة المعز, شواهد على فرادتها و تسيّدها, وفي متحفها نِتَف من تراثها وحضارتها, وكيفما تلّفت فيها, تشتم عبق التاريخ.

وتحفظ الكتب والوثائق إسم والي صيدا سليمان باشا الفرنساوي, حامي حماها, والحافظ على عهدها وتفوقها وإزدهارها.

والرجل فرنسي المولد, رأى النور في مدينة “ليون” عام 1788, وفي المعمودية كان إسمه Joseph Anthelme Séve.

جاء الي مصر مع نابليون بونابرت, وكان برتبة عميد، أحبّ البلاد, بقي فيها, وأشهر إسلامه. عهد إليه محمد علي باشا بتنظيم الجيش المصري بأساليب حديثة, فاستمر رئيساً للجهادية في الفترة الممتدة من عهد محمّد علي باشا إلى إبراهيم باشا,  فعباس باشا, ثم سعيد باشا, وأصبح القائد العام للجيش المصري في عهد الخديوي عباس.

وفي سنة 1834 أنعم عليه محمّد علي باشا بلقب “الباشوية”, وتزوّجت كريمته من محمّد شريف باشا (رئيس وزراء مصر) وأنجب منها فتاة تزوّجت عبد الرحيم صبري باشا (وزير الزراعة)، وأثمر الزواج عن ملكة مصر السابقة نازلي صبري زوجة الملك فؤاد الأول، وأم الملك فاروق آخر ملوك مصر. أُطلِق إسمه على ميدان “سليمان باشا”، وأُعيدت تسميته في العام 1952 بإسم ميدان “طلعت حرب”. و قد توفي سليمان باشا في عام 1860 ودُفِنَ في جزيرة الروضة  في القاهرة.

ونمُر بأسواق المدينة العتيقة, كانت قبل أن دهمتها الحرب تدب فيها حركة تعّودها أهلها, على إعتماد في النفس منذ أبعد العصور.

وتركنا “صيدا”, وكنا نريد فيها البقاء, وكم غلبت على الذاكرة حوادثها وتاريخها. ولكن شئنا أم أبينا, فإن الوقت الخائن, الجائر, سلخنا عن إستراحة, كنت في الحقيقة أريدها طويلة, فقد كان نظري تعِب, وتعب تأملي, وصرت أحسبني في عياء عن متابعة السياقة وعن إستنطاق الدروب.

***

ودخلنا سيدة البحار, و”أم المدن”, حسب بلني الكبير, و”المباركة المرفوع عنها الفتن”, حسب الشافعي…

دخلنا “صور”, التي كانت تبحث عن وجهها البهي, وقد عفّرته الحرب بغبارها.

” صر” SR, هكذا يسميها بعضهم, ومعنى الكلمة ” الحجر الحاد” الذي يرمز الى  تلك المدينة البحرية وبنيانها، والمعني الفينيقي للإسم “الصخرة” .

في قاع بحر “صور” تختفي مدينة غارقة, حبلى بالآثار الثمينة.  في قاع بحرها أيضاً مياه حلوة، و تنبع في بعض مناطقه مياه كبريتية.

و”صور” تنهض للتاريخ والحقائق, مُصانة في جوف الكتب عنها:

في القرن السادس قبل الميلاد, حاول الملك البابلي نبوخذ نصَر إحتلالها, فردّته عنها أسوارها,  فحاصرها 13 سنة, وإنكفأ في النهاية. سنة 323 قبل الميلاد, جرّب الإسكندر الأكبر إخضاع “أم المدن”, فتحصنت خلف أسوارها, فحاصرها  سبعة أشهر, فصمدت له, وقاومته بعناد… فما كان منه إلا أن أمر عسكره بتدمير نصف المدينة البحرية.

وعَصَت الصليبيين الذين حاولوا إقتحامها وإحتلالها. وحدهم الرومان تمكنوا منها, وذلك بعد ثلاثة قرون. فأخضعوا “صور”, التي أبت, بأنَفة و كِبَر, إلا أن تكون لها إدارتُها الذاتية, فصكّت العملات الخاصة بها, من الفضة والبرونز.

في سنة 1224, عاود الصليبيون الكرّة لإخضاع”صور”, فكانت آخر مدينة ساحلية تمكنوا منها. فبقيت خاضعة لسيطرتهم حتى سنة 1291, لمّا إستولى المماليك عليها.

في بدايات القرن السادس عشر، أصبحت “صور” في قبضة السلطنة العثمانية، كغيرها من مدن المنطقة, يحكمها السلطان بقرارات “همايونية” و”فرمانات”, حتى ولادة دولة لبنان الكبير غداة الحرب العالمية الاولى سنة 1920.

ومن “صور” كانت “العولمة” الأولى, عندما نقلت “الأحرف الابجدية” الى العالم, و أمنّت التواصل الحضاري بين أمم الأرض. فلم يكن لتلك المدينة أي ولع إلاّ بالعلوم والصناعة والتجارة, وإكتشاف المناطق البعيدة.

وليست أسطورة “قدموس” إبن “صور” البار, وتطوافه في البلدان بحثاً عن أخته “أوروبا”, سوى الشاهد على المغامرة وإكتشاف العالم, الذي طُبع عليه “الصوريون”.

تخلع الشمس فستانها فوق هامة قلعة صور وبقايا الآثار الأخرى, حجارتها ناطقة تحكي قصة الحقبات الإغريقية, والبيزنطية والعربية والعثمانية. أغلقوا أبوابها مع بداية الإحتراب, حفاظاً عليها من أذى الأيادي السوداء التي تتاجر بالآثار.

مقاه ومطاعم, ومتاحف وأماكن اثرية, ضاعت منها “نوستالجيا” العجقة الليلية. “صور” كانت مثل جارتها “صيدا” تئن من الحرب.

***

عن بعد, مجموعة من الشباب المسلحين الواقفين من دون حاجز ثابت أو “طيار”, فتحضرت الى جولة جديدة من الأسئلة, وإندسست  وراء رتل من  السيارات التي تنتظر المثول أمام الحاجز.

أزف دوري, إقتربت على مهل, و حانت مني إلتفاتة على فتاة طويلة القامة و رشيقة, ترتدي بزة عسكرية, وعلى كتفها لفّت شارة “الحرس الشعبي” التابع للحزب الشيوعي اللبناني, وجهها صبوح و أليف، إستحضرتها في ذهني, عرفتها: فوز مهدي, زوجة عدنان حطيط, الذي كان سكرتير تحرير مجلة” بيروت المساء”, وتعاوننا في تلك المجلة تحول سريعاً الى صداقة,  و رفع كلفة. إبتهجت لمرآها, ومن دون تردد  وجدت نفسي أقول بلهفة:

“الرفيقة فوز…”

فتحت عينين كبيرتين, مدّت يدها, صهلل صوتها:

“أستاذ مودي…”

تمددت على شفتيها إبتسامة, تشي بصدق العاطفة, وصلتني نبراتها ملهوفة:

” شو عم تعمل هون, و لوين رايح؟”

وطلبت مني أن أركن السيارة, فأخبرتها أننا في “صور” للعودة الى مصر… و غرقت بعدها في حديث مع زوجتي , وفي مداعبة الأولاد, والتخفيف عنهما.

وكانت “الرفيقة” فوز, بنت النبطية، إنضمت الى “الحزب الشيوعي اللبناني” على زمن أمينه العام جورج حاوي (اُغتيل بتفجير عبوة ناسفة بسيارته في منطقة “وطى المصيطبة” في 21 من يونيو (حزيران) سنة 2005, وهو كان يعارض بعض سياسات سوريا في لبنان, و معادِ للرئيس إميل لحود), وإنخرطت في تنظيم “الحرس الشعبي”, الذي الى جانب خوض عناصره معارك عدّة في الجنوب والجبل, إلا أن مهمته الأساسية هي الخدمات الإجتماعية و الطبية للقرى الجنوبية المحرومة.

وكان الليل تساقط من الإعياء, والدنيا سكون إلاّ من صدى إنفجارات بعيدة, فساعدتنا “الرفيقة” فوز على إيجاد نَزل نقضي فيه ليلتنا.

رميت نظرة من شباك الغرفة, النجوم كانت تتلامح ساهرة في الليل, و القمر يأوي الى أحضان الشجر الذي يلف المكان,  ذهبت “صور” الى النوم. وبقيت سهراناً, تتقاذفني الأفكار… شريط من الصور, فيها نتف من السنوات الست التي قضيتها في لبنان, بحلوها وغناها, مرّ في ذهني, وتداعت الذكريات في رأسي, تستحضر وجوه الصحاب و رفقاء الدرب, وسهرات بيروت ومجالس السمر والحكي.

ضجّ الصوت في داخلي, وجدت نفسي أغمغم:

” من غير وداع, … أنا عائد, عائد مهما طال الزمان”.

***

لم يكن ندى الليل جفّ, والشمس المتكاسلة لم تلملم بعد الفيء من خلف البيوت, عندما حضرت فوز مهدي من “النبطية” مع شابين, قالت بنبرة إعتزاز أنهما الرفيقين نديم و فريد, لمساعدتنا للوصول الى المرفأ وتسهيل الإجراءات.

نقلوا حقائبنا الى سيارة جيب “رانجلر” Wrangler من صنع “كرايسلر” الأمريكية، التي راحت تقرأ طريقها الى مرفأ صور، لتبدأ  من بحره، رحلة العودة الى مصر الحبيبة.

غمغمت في سري متسائلاً: من أين لحزب البروليتاريا و الطبقة الكادحة, المسحوقة, الأموال  لشراء مثل هذه السيارة ؟.

“إنه لبنان …  لبنان ياغبي”, و… ضحكت.

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …