الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الأولي (24)
ماذا فعلت "الأم الحنون" للبنان المجروح؟
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الأولي (24)
ماذا فعلت "الأم الحنون" للبنان المجروح؟

كلما حاولت غرس سن القلم على الورق, و أكتبُ عما عشته خلال حرب السنتين في لبنان (1975-1976), يردُني عنه, تتلبُّك أفكاري, تضيع و تتشتت.

خطرات تومض مثل البرق, و تعود تلتطم بالغوامض من الوقائع التي عشتُ مرارتها, و كتب غيري قبلي عنها, و ظلّت لا تنجلي عن الحقيقة. فما أعجز قلم الكاتب, في كل كلام يكون له عن المعميات.

ثمّة مراحل و فصول في المأساة اللبنانية, لم تزل مجهولة وقائعها, فلا الذي عرفته و وقفت عليه خلال عملي في ثلاث مطبوعات, لها ما لها من شأو, كان دقيقاً و صحيحاً, و لا الذين يعرفون حقائق تلك المراحل و الفصول المأساوية, و أدوار اللاعبين و المتلاعبين فيها, كشفوا عنها, و أفصحوا عن أسماء الضالعين فيها في الخفية.

لقد كانت الحرب اللبنانية مليئة بالغرائب, موّشاة بالحقائق المرّة . “لقد حارب العالم كله, أو أكثر دوله, في لبنان، و بدلاً من أن يتنبه اللبنانيون الى ذلك, فإنهم, بفعل تنويم مغناطيسي, إستمرأوا اللعبة التي أوصلتهم الى أنَّ شعباً طيباً إنقسم على نفسه, و وطناً جميلاً دمَّرهُ بنوهُ حتى الأوصال”. كما كتب فؤاد مطر سنة 1993.

و قد لعبت “الإتصالات السرية” بين المتحاربين أنفسهم, و بين ” أطراف عدوّة”, إما مباشرة, أو بوساطةٍ تولاَّها مُحايدون, دورا بارزا في إتمام التسويات و الصفقات, و تغيير مجرى الحرب و التاريخ. الإتصالات السرية تلك, أسماَها سليم اللوزي “الديبلوماسية السرية”, في معرض تلميحه للجوء اليمين المسيحي الى الإستجارة بإسرائيل.

المبادرات لإيقاف المأساة اللبنانية تعددت: واحدة للفاتيكان, يوم كان البابا بولس السادس على السدّة البطرسية,  و واحدة برعاية و إشراف “العزيز هنري” كيسنجر, على عهد الرئيس الأمريكي جيرالد فورد, و ثالثة لدمشق, قام بها عبد الحليم خدّام و حكمت الشهابي, و وضع ملامحها و أهدافها حافظ الأسد, و إنتهت الى وضع لبنان تحت وصاية دمشق ثلاثين سنة طويلة و مريرة. و الرابعة تولتها “الأم الحنون” فرنسا.

***

المصباح أمامه يهتز مثل رقّاص الساعة, فيتحرك ظل رأسه على الحائط الذي خلفه, بحركة رتيبة, رائحاً غادياً.

تسليت في النظر الى الظل المتحرك, سهمت, حاولت مراراً  أن أمحي من ذهني توجسي و خوفي على زوجتي و أولادي, و نحن نمضي ليلة أخرى في الملجأ, نتقي خلف حيطانه السميكة من القذائف العشوائية, و الرصاص الطائش.

إستدار, رفع المصباح, بانت قسمات وجهه, كأنها تنبعث من كاريكاتور “دومييه”. لسعني بنظرة فيها آثار من لمعة الود.

“أبو عفيف… ينادون عليَّ بأبي عفيف”.

تعاركت أصابعه, و هو يحك جلدة رأسه. حَمَل كرسيه, جلس الى جانبي, شعرت أنه يريد أن يجدل الكلام بيننا.

ليس في “حديث الملاجىء” من كلام غير عما نمر به, من إنقطاع التيار الكهربائي, و شحّ الماء, و الطوابير أمام الأفران, و الحواجز الطيّارة, و التقنيص على مفرق الطرق, و الخطف على الهوية, و الجثث المُمثل بها   و المرمية, ينضحُ أسفلت الشوارع من دمائها.

و يسألني أبو عفيف:

” شو… يا أستاذ, شو رأيك, ستطول الحرب, و هذا سؤال لا يُرجى فيه غيرك”…

فهو لابد عرف من الجيران أنني صحافي, أعمل في “الأسبوع العربي”, و “بيروت المساء”, و “الديار”… و من المفترض, و الحال هذه, أن أملك معلومات, و أن أعرف الحاضر, و أستشرف المستقبل… تماماً مثل المُنَجِّم الذي يهتفُ للغيبِ, و يوشوش السماء, و يستطلع, و يستشرف, و يتنبأ…

لم أتفاجأ بالسؤال, غيره, قبله, و قد يأتي بعده أيضاً, من يعتبرني مثل ميشال نوستراداموس, الصيدلاني        و المنجم الفرنسي, الذي نشر “النبوءات” سنة 1555 و يُحكى و يُتندر بها حتى اليوم.

و إنتظر الرجل الجواب. و حِرت هنيهات, بماذا أردُّ على هذا الرجل الفضولي, الذي يريدني أن أضرب له “الوَدَع”, و أي الأجوبة ترضيه, و يقِر بها عيناً, و لا تجعل مني أنا “صحافي فاشل”, غير متابع, و غير مُدرك.

و قبل أن أفرج عن الكلام, سمعنا صوت شاب:

“لقد هدأ القصف, يظهر أن الإخوان تعبوا… و راحوا ليرتاحوا… يمكن لمن يريد الخروج من الملجأ”.

و نادتني زوجتي, إستردت الكلام من فمي, و تخلصت من الإحراج, و من أبو عفيف, إستأذنت منه, إستدرت, صوته المُعفّر بالخيبة ملأ رأسي:

“الله معك… الله معك يا أستاذ”.

أحببت لحظتها الشعور الذي قد ينتاب أبو عفيف, من أنه كان عندي رأياً طويته عنه.

***

الخميس الثامن عشر من سبتمبر (أيلول) 1975.

إتكأتُ قرب نافذة الغرفة, جفاني النوم… مُسَّهد, أرِق, تتلبد  الأفكار و الهواجس المتلاطمة في ذهني, تلامحت خيالات مخيفة, ألحّت علي, هَدَرَ الصوت في داخلي:  في مكان ما في هذه العاصمة التي تعيش الزمن المناكد, يموت في هذه اللحظات إنسان بريء.

لم تهدأ الإنفجارات, رجع صدى أصوات الرشاشات, يتمدد في الليل البهيم, الموحش, المتوحش, المخضّب بالدم.

كان الصبح يوشك أن يطلع, و قد بدأ يمسح بيده عتمة الليل, عندما دوى إنفجار كبير, توالت بعده الإنفجارات, واحداً بعد الآخر… إهتزت لها بيروت الملتاعة, شعرت بارتجافات المباني الشاهقة, إصطكت النوافذ المغلقة في البيت, إرتعش زجاجها, صوت الإنفجارات الرهيب كان يلطم جدران الأبنية, فتهتز لها. تجّمعنا خلف الحائط, بدأت زوجتي تتمتم صلاة كانت ترددها دائماً  في مثل تلك اللحظات…

توهج من بعيد ضوء نار مشتعلة, قَدَّرَهُ جارنا, الذي خرج الى “البلكون”, أنه في “ساحة الشهداء”.  بحركة تلقائية, ضغطت على أزرار جهاز  راديو “ترانزيستور” لم يكن يفارقني, أدرت إبرته, طلع صوت المذيع, رخيمة نبراته: “هنا لندن”, و أعلن علينا أن القذائف الصاروخية تنزل على رأس الأسواق التجارية بغزارة, و أن واحدة منها سقطت على مبنى “ٍسينما أوبرا”, فإشتعلت فيه النيران, التي ما لبثت أن تمددت, و إنتشرت في تلك الأسواق

العريقة, التي كانت قلب بيروت النابض بالحيوية, و المحسودة من عواصم العرب الأخرى لأناقتها,  و جاذبيتها, و تنوعها, و غِناها.

دخلت النيران المحلات التجارية مثل فاجرة مجنونة, حرقتها, رَمَّدَتْها,  و أنهت عمراً, و زمناً,  و تاريخاً, و تراثاً بكامله.

كان سكان الجبال يرون بيروت تحترق, و العالم كله كان يتفرج على “روما” الجديدة.

و تعالت أصوات تطالب بإنزال الجيش, و الحيلولة دون إكمال حرق ما تبقى من العاصمة, و الحد من تفاقم موجة التخريب و النهب في الوسط التجاري, و زيادة الخسائر في إقتصاديات البلاد.

إلا أن”الحركة الوطنية” (التي كانت تضم الأحزاب و القوى التقدمية  المتحالفة مع الفلسطينيين) تصلبت في موقفها الرافض للإستعانة بالجيش.

و تطايرت الإتهامات حول من يكون “نيرون” الذي حرق بيروت:

في بيروت الغربية, إتهموا “الكتائب اللبنانية” و من معها, و حلفها, بأنها هي البادئة في حرق الأسواق, بهدف المزيد من التصعيد, وَ لَيَّ ذراع الرافضين لإنزال الجيش و أولهم رئيس الحكومة رشيد كرامي.

و في بيروت الشرقية, الفلسطينيون و معهم القوى التقدمية, هم الذين يريدون بيروت “أرضاً محروقة” لإخضاع البلاد, و السيطرة عليها و إسقاط النظام.

و لم تهدأ الإتصالات. كنت مثل معظم اللبنانيين المصدومين بما جرى و يجري لعاصمتهم, أتابعها تدور بين رشيد كرامي, و معظم الزعماء الروحيين و السياسيين, و زعماء الأحزاب.

و في قصر بعبدا, تابعنا تفاصيل إستقبال الرئيس سليمان فرنجية لكل من عبد الحليم خدّام و حكمت الشهابي,  و قد بعث ما قيل أنه دار خلال اللقاء الطويل, الأمل في إحتمال الخروج من الأزمة.

و كنا, زملائي و أنا, نتنفس الصعداء في مكاتبنا (التي كنا نصلها كل يوم بأعجوبة, رغم أنف المقاتلين المنتشرين في المفارق و الأزقة, و غصباً عن بنادق “القناصة” التي كانت لا ترتوي من دم الأبرياء) عندما ترِدنا أخبار التفاهم على وقف النار. و لكني كنت الوحيد بين الزملاء الذي  ينتابني الشك, فلا أصدق ما أسمع,     و كنت دائماً على صواب, فكان وقف النار يُخرقُ من هنا و هناك, على خطوط التماس, و على الجبهات التي إتسعت من العاصمة الى الجبل.

و يعود القصف المدفعي المكثف على الأحياء السكنية, و الجثث ملقاه في الشوارع, و بيروت المستباحة تُنهَبُ  و تُدمَّرُ.

يوماً بعد يوم, أخذت  أشعر أن إحساس المسيحي بالوحدة يتفاقم, فهو محاصر و معزول. و القيادات المسيحية, السياسية و الفكرية, أخذت, كما كان يتردد, و نقف أحياناً في المجلات على خفاياه و تفاصيله,  تُعيد النظر في كل ما كان  و صار, منذ قيام “دولة لبنان الكبير”, بعد الحرب العالمية الثانية, و ضمّت بيروت, طرابلس, عكار, الهرمل, راشيا, حاصبيا, و كل الجنوب .

و كانت “جامعة الروح القدس” للرهبانية اللبنانية المارونية, ملتقى لرجال الفكر و السياسة, و في إجتماعاتهم    و خلواتهم المتواصلة, كانت تترجع أصداء الحرب المعلنة على النظام. و بدأت تخرج من تلك الإجتماعات و الخلوات, طروحات عِدّة, منها من ينظم التعددية, و منها من يرفضها, و منها أيضاً الفيدرالية, و الكونفيدرالية…

و لقد وضح لي, و لغيري من المتتبعين, أن فكرة “الوطن الثنائي” القائم على المشاركة في الحكم و السلطة, لم تعد مجدية, و لا قائمة, و أن دولة الأربعينات سقطت, و النظام السياسي إحترق مع بيروت, و أصبح رماداً.

و أينعت في الرؤوس, فكرة “الجيتو المسيحي”, فتعجّل البطريرك الماروني مار أنطونيوس بطرس خريش في رفضها,  و قد أعلن ذلك في غير تصريح و خطاب, و سمعت هذا الرفض منه, لما ذهبت مع وفد من “الأسبوع العربي” للقائه في صرح “بكركي” ( و إذا كانت الذاكرة بعد تذكُر, فإن الوفد ضم أسعد المقدم, جورج إبراهيم الخوري و خليل خوري) و لم تكُن “بكركي” وحدها في مواجهة الساعين لإيجاد ذلك “الجيتو”, فقد إنضم إليها  الفاتيكان, فأرسل البابا بولس السادس الكاردينال برتولي في محاولة لتأكيد العيش المشترك, فيرجع لبنان, كما قال عن لسان البابا, “البقعة المباركة من الشرق الأوسط, و يؤدي الرسالة التي أوكلتها إليه العناية الربانية, فيبقى بلد التسامح و الحرية و السلام”.ٍ

و لا أحد كان يريد أن يسمع للكاردينال ما جاء يقوله. فيوم وصوله إنفجرت فجأة موجة الخطف, الى حد أن عدد الذين خطفوا بين الصباح و المساء, بلغ 250 شخصاً, أُفرِجَ عن معظمهم, بإستثناء 50  شخصاً, نشطت كل الأطراف المتحاربة للافراج عنهم!

طاف الكاردينال مع السفير البابوي لدى بيروت, المونسينيور ألفريدو برونييرا, على زعماء الطوائف, و على الزعماء السياسيين, و لم يترك أحداً يعتب عليه.

و خلال تواجد الموفد البابوي, كشفت جريدة  “لو موند”Le Monde و تبعتها “لو فيجارو”Le Figaro  نقلاً عن مصادر في ” كي دورسي” Quai d’Orsay   وزارة الخارجية الفرنسية, أن الرئيس فاليري جيسكار ديستان, مهتم بإطلاق “مبادرة فرنسية” قادرة على تسهيل عملية البحث عن “حل سلمي” للأزمة في لبنان.

في إجتماع التحرير في مجلة “الديار”,  بينما كان النقاش يأخذ مداه حول صورة الغلاف و الموضوع الرئيسي للعدد, و هل يتربع فاليري جيسكار ديستان Valérie Giscard d’Estaing على الغلاف, و تُنشر المعلومات التي وصلت  المجلة  من مراسلها في باريس حول ما ينويه ديستان, الى الكلام…  وصلنا نص تصريح الرئيس رشيد كرامي:

“إن المبادرة الفرنسية تنتظر إنتهاء مهمة الموفد البابوي, الكاردينال برتولي, بحيث إن أعطت ثمارها, يُستغنى عن التحرك الفرنسي, و إذا لم تُثمرُ المبادرة البابوية, يُعطى الضوء الأخضر للمبادرة الفرنسية لتبدأ عملها”.

و كما جاء الكاردينال غادر, مكسور الخاطر.

و يوم الأربعاء 19 نوفمبر / تشرين الثاني 1975، حطّت طائرة فرنسية خاصة في مطار بيروت الدولي, خرج منها موريس كوف دو مورفيل Maurice Couve de Murville  الذي كان أحد أبرز مهندسي السياسة العربية في عهد الجنرال شارل ديجول.

فشل البابا, و جاء الرئيس يحاول!

 ***

ساد الإعتقاد في الأروقة السياسية, كما في الأوساط الشعبية, أن “الأم الحنون”, و هو لقب نالته فرنسا, بعد مساعدتها على قيام “دولة لبنان الكبير” قبل قرن, لن تترك لبنان ينزف حتى الموت, فهي قادرة, بما لها من رصيد لبناني و عربي, على بلسمة و تضميد جراحه, و التخفيف من آلامه.

و الحقيقة أن “الأم الحنون” لم تغب عن الأزمة اللبنانية. فبعد حريق بيروت النيروني العبثي, و تدهور الوضع سياسياً و أمنياً, أعلنت باريس أنها مستعدة للإسهام في أي تحرك يضم “الحكومات الصديقة للبنان”, يهدف الى مساعدة لبنان  و دعمه, لوضع حَدٍّ للحرب  المدمِرة.

 

و تبع هذا الكلام المحمود من الأطراف اللبنانية, تكثيف المسؤولون الفرنسيون و الأمريكيون مباحثاتهم الثنائية في شأن لبنان. إلا أن هذه المباحثات لم يتمخّض عنها أي تحرك ديبلوماسي ملموس, لكنها, كما قال لي سياسي لبناني , أدت الي إعتراف أمريكي صريح  بوجوب القيام بمبادرة في لبنان.

لم يوضح الأمريكيون ما هو تصوّرهم لهذه المبادرة. إلاّ أن “العزيز هنري” كيسنجر, أبلغ نظيره الفرنسي, جان سوفانيارج Jean  Sauvagnargues أن بلاده “قلقة للغاية” حيال الوضع المتفجر في لبنان, و تحاول أن تجد أنجع الوسائل للتعامل معه.

لم ينجم عن إجتماع الوزيرين في نيويورك أي اتفاق عملي, إلا أن جان سوفانيارج طالب هنري كيسنجر بممارسة الضغط على إسرائيل لتفادي أي تدخل في جنوب لبنان، الأمر الذي قد  يؤدي إلى ردة فعل سورية,   و في  المقابل طلب هنري كيسنجر من نظيره الفرنسي التدخل  لدى الدول العربية المعنية، خصوصاً سوريا     و العراق، من أجل “الحفاظ على التهدئة والحؤول من دون أي سلوك قد يتسبب باندلاع حرب إقليمية”. و التنسيق الأمريكي  الفرنسي, وفتذاك, لم يتجاوز هذا الحدّ.

***

كان جورج جورس Georges Gorse يرافق موريس كوف دو مورفيل في مهمته )بدأت في 19/11/1975 و إنتهت في 2/12/1975 ) و جورج جورس يعرفه المصريون جيداً, يوم كان  سنة 1939 أستاذاً محاضراً في “جامعة فؤاد الأول” (جامعة القاهرة فيما بعد) و بعد إندلاع الحرب العالمية الثانية, ترك مصر و إنضم الى “فرنسا الحرة” و الجنرال شارل ديجول, و كانت الصحافة الفرنسية تطلق على جورس لقب “اليساري الديجولي”!

منذ البداية,  حرصت باريس على التأكيد بأن هذه المهمة دو مورفيل – جورس,  ليست “وساطة فرنسية”, إنما بعثة “الصداقة و الإستطلاع”. و لقد فهمنا, نحن معشر الصحافيين, أن باريس أرادت التوضيح للمسؤولين اللبنانيين أن مهمة المبعوثين الفرنسيين هي  إيجاد مناخ ملائم لتسهيل الحوار، و الإتفاق بين جميع أطراف النزاع.

ما كنت عرفته في بيروت, في حينه, عن مهمة دو مورفيل- جورس, و كنا نحكيه و نحلّله في إجتماعات التحرير, و في اللقاءات مع السياسيين و السفراء المعتمدين لدى بيروت… وضح لي أكثر بعد إطلاعي على عدد من الوثائق التي أفرجت عنها “كي دورسيه”, فتلك الوثائق تظهر أن  دو مورفيل حاول بكل ما أوتي من حنكة و تجربة, إقناع جميع الزعماء اللبنانيين و القادة الفلسطينيين, و تحديداً ياسر عرفات, ثم الرئيس السوري حافظ الأسد, بالمقترحات السياسية الفرنسية : حول الأزمة اللبنانية–اللبنانية من جهة, و اللبنانية – الفلسطينية, من جهة أخرى.

و تتضمن  تلك المقترحات, حسب ما كنا نعرفه, خطوات عملية تهدف الى انفراج الوضع اللبناني, و إستعادة الإستقرار و الأمن, و الأهم تحصين “وحدة لبنان” و سيادته و استقلاله.
لقد طرح دو مورفيل, كما تشير إحدى الوثائق, مسألة “وجود الدولة اللبنانية”, و هو لم يحد عن “السياسة الديجولية” التي كانت تعتبر, كما جاء في الوثيقة حرفياً:

“إن ديمومة لبنان تشكل مسألة أساسية, و لا غنى عنها من أجل التوازن الإقليمي, كما أنها مسألة مركزية في السياسة الفرنسية”…

و قد تصدى دو مورفيل، بمؤازرة بكركي و الفاتيكان, للتيار المؤيد لتقسيم لبنان, فأكد  “أن التقسيم أو التجزئة تمثل خياراً غير واقعي، بل اعتبره حلاً  عبثياً”…

و لم يترك السياسي الفرنسي المُجّرِب كلامه على عواهنه, فقد كشفت إحدى الوثائق, أنه قال  خلال لقائه الطويل  مع الرئيس كميل شمعون, أحد البارزين  في “الجبهة اللبنانية”:

” إن ثروة لبنان تتكون بالدرجة الأولى بفضل المكانة المالية لبيروت, و بفضل نشاطات مرفأ بيروت. هذا الأمــــــر يعني أن على المسيحيين أن يفهموا أن تقسيم لبنان سيؤدي إلى فقدان بيروت مكانتها المالية, لأن رؤوس الأموال لا يمكن أن تأتي أبداً إلى بلد مقسّم, و بالتالي غير آمن”.

و أظهرت وثيقة أخرى بين يدي, مدى  إلحاح دو مورفيل و جورس, على ضرورة البدء بتنفيذ ” إصلاحات دستورية و إجتماعية”, باعتبارها “شرطاً رئيساً لكل حل دائم”, كما قال دو مورفيل و كرّر أمام الرئيس فرنجية,   و زعماء اليمين و اليسار.

و عند المبعوث الفرنسي, أن تلك الإصلاحات تبدأ  بتعديل الدستور اللبناني, بطريقة تسمح بإقامة ما سماه “التوازن العادل بين الطوائف اللبنانية”، و بعد ذلك,  “إقرار إصلاحات إقتصادية و إجتماعية من أجل تحقيق مساواة و عدالة إجتماعية , و تنمية و تطوير كل المناطق اللبنانية من دون إستثناء.”

و إذا كان دو مورفيل وجد حلاً للأزمة اللبنانية -اللبنانية, فكيف كان يرى الحل للتواجد الفلسطيني في لبنان الذي تسبب بالأزمة اللبنانية – الفلسطينية؟

 

مودي حكيم

 

 

 

 

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …