كان لبنان الأنموذج الفريد في العالم العربي, مزيج من الثقافتين العربية و الغربية، المدارس فيه على تعددها, أمريكية و فرنسية, تُدرّس اللغة العربية و تاريخ العرب, و المدارس الوطنية تُدّرس الإنجليزية و الفرنسية و اللاتينية. و بيروت لا ترد بابها لكل من طَرَقه, أوروبيون, أمريكيون, أفارقة و أسيويين, فتسمع في شوارعها و في مقاهي أرصفتها, كل لغات الأرض. مسيحيون، مسلمون، يهود, يتساكنون و يتعايشون في نظام طائفي يمثل ثمانية عشر طائفة, فكان من الطبيعي أن يتزاوج العديد منهم و أن يتشاركوا في السراء و الضراء، فإذا الحياة حياة مثالية، غنية بالطاقة و الحيوية.
أتذكر آخر ليلة رأس السنة و الجميع يودع عاماً و يستقبل عاماً جديداً 1975 بقبعات ورقية على رؤوسهم، حفلات أنيقة و فخمة خلف الأبواب المغلقة فى المنازل و القصور و النوادي الليلية، جمهورها ضاحك فرح. و لكني شعرت بخوف على هذا البلد الجميل الذي كان يراهن على جماله الطبيعي بغابات أشجار الأَرز و الصنوبر و ثماره. فهو قطعة من الجنة كما غنّاه وديع الصافي ” لبنان يا قطعة سما عالارض” ، و تغنى به جبران خليل جبران ” لو لم يكن لبنان وطني لاخترته وطناً لي ” …و البلد المُلهِم الذي يوحي بالرخاء الإنساني حولوه فجأة الى حزمة مفخخة. بلد كان يحلم بمستقبل يقوم على محاولة نزع مخالب الطائفية. كان المشروع الإسرائيلي الهادف لتحطيم “الأنموذج اللبناني ” الذي تحدث عنه الرئيس سليمان فرنجية أمام الأمم المتحدة عام 1974 لحلّ القضية الفلسطينية، من خلال دولة فلسطينية ديموقراطية تضمّ اليهود و المسلمين و المسيحيين, على شاكلة “الأنموذج اللبناني” القائم على التعددية, هو العامل الأهم في الحرب اللبنانية.
فجأة, هجره زواره و بعض أهله, كأنّي بهم و هم يحزمون حقائبهم، يرددون مع فيروز ” أنا صار لازم ودعكن”.
لبنان الذي كانت مصر تدير منظومتها الإعلامية الإقليمية من هناك، كما أدارت الديبلوماسية المصرية الصراع الدولي حول حلف بغداد، فيها إرث عشرات المعارك السياسية. كما كان لبنان أحد أهم المراكز المصرفية في العالم, فانفرطت منظومته فى وقت كانت تصاغ فيه هويات و أيديولوجيات أفادت دولاً عديدة.
تغيّر لبنان فجأة و غابت كل المتع, و حل الضيق و القلق محل السعادة و البهجة. مرّت أربعة أشهر منذ إحتفالية رأس السنة الجديدة ، ودعت بيروت فرحتها.
إستيقظت بيروت في منتصف ليل الثالث عشر من أبريل (نيسان) 1975 على أصوات المدافع, أغلقنا مداخل البيوت، ننظر من النوافذ، ظلام تقطعه شرارات طلقات القنابل، تتساقط القذائف من دون هوادة أو تمييز علي المساكن, رصاص يأتي من حيث لا ندري في كل مكان على أي شئ يتحرك, و من دون تحذير. إحتميت انا و أسرتي خلف الجدران, هرع كثيرون الى الملاجىء، صرخات الاطفال و النساء تعلو, صراخ غير طبيعي و بكاء و نحيب… و مع إشراقة صباح اليوم التالي، توقف كل شئ, و إزدحمت الطرقات لشراء كل ما تحتاجه البيوت من مواد غذائية, خوفاً مما قد يحدث في الليالي المقبلة.
نزلت الي الطريق مع من نزلوا لشراء إحتياجات أسرتي من محل سمانة ” بقالة” القريب من البيت, و كان مواجهاً لمسجد قريطم، و لاحظت في داخله ثلاثة مسلحين، علمت أنهم تابعين لحركة “أمل” التي كان أسسها الإمام الشيعي موسى الصدر, و هي إختصار “المقاومة اللبنانية” و وضع لها شعاراً بأنها حركة المحرومين من الطائفة الشيعية. وقتها لم تكن “أمل” مجهزة عسكرياً, و تتضمن عدداً قليلاً من المتطوعين.
يبدأ القذف ليلاً و يتوقف في الصباح ، قبل أن تسوء الأوضاع مع إستخدام الصواريخ و أحدث أنواع الأسلحة المتطورة, و ظهور القناصة و إندلاع الحرائق, و إنشاء الحواجز الثابتة و الأخرى “الطيارة” التي كانت تظهر في الشوارع, تخطف و”تقتل على الهوية”. و تزايدت التنظيمات و الميليشيات المتناحرة, و في وقت بلغ عددها خمسين تنظيماً.
و قد تبدى لي بأن ما كان يجري ليس خلافاً مسلحاً, أو إن شئت حربا أهلية, تنتهي باتفاق اللبنانيين فيما بينهم, فلقد كانت أزمة لبنان في ذلك العام مزيجاً من عوامل مركّبة داخلية و خارجية , تحرّكت معاً, لتشعل أتون الحرب و الصراع المسلّح، كما في حرب الطائفتين المارونية و الدرزية عام 1860 التي نشبت بتشجيع و تسليح أجنبي فرنسي و بريطاني. و فى عام 1958، شهد لبنان حوادث دامية كانت مزيجاً من عناصر أزمة داخلية, الى جانب تحريك خارجي, حيث بدأت بتأييد الرئيس كميل شمعون لحلف بغداد, ثم “لمبدأ أيزنهاور”. و تفجرت تلك الحوادث بعد إحتدام الصراع الأمريكي مع مصر في زمن جمال عبد الناصر. إستمر القذف المدفعي كل ليلة, و صواريخ “غراد” تلعلع بين الأبنية, فأيقنت أن لبنان سقط في الهاوية التي حُفرت له، و بقي يصارع للبقاء طوال خمسة عشر عاماً في أقذر أنواع الحروب، بدأت بحرب اتهامات متبادلة بين الجانب المسيحي و الفريق الإسلامي و الفلسطيني، فتدخلت العديد من الدول و العناصر المساندة. تدخلت واشنطن على يد هنري كسينجر، و بالطبع حليفتها اسرائيل، و تدخلت فلسطين ممثلة بمنظمة “فتح”, و الفصائل الأخرى التي وجدت لها ملجأ في لبنان بعد “أيلول الأسود” في الأردن, كما تدخلت ليبيا ، و مصر، ..
لعبت جميع الجهات والأجهزة الإستخباراتية دوراً حقيراً في نزع السلام و المحبة من لبنان .
من عاش مثلي في لبنان في السبعينات من القرن العشرين كان لا بد له أن سمع إسم “مدرسة شملان” البريطانية, مرادفاً ل “وكر “الجواسيس”, فمنها تَخرّج الى العالم العربي رجال مخابرات أدّوا أدواراً سياسية و إستخباراتية في المنطقة. و”شملان” قرية وديعة و جميلة من قرى جبل لبنان أغلب سكانها من الموارنة , تبعد عن بيروت نحو 25 كيلومترا و تقع على تلّة مرتفعة تطل على العاصمة بيروت من جهة، منطقة الرملة البيضاء و مطار بيروت الدولي الذي أُطلق عليه مطار رفيق الحريري الدولي في منتصف التسعينيات من القرن العشرين, و تحوطها قرى متعددة يسكنها الدروز.
و لقد ظلت هذه “التهمة” أو بمعني أوضح “الشبهة” و “االصفة ” ملازمة لمدرسة شملان, حتى تم إغلاق أبوابها لأول مرة خلال سنوات الإحتراب الداخلي، فإنتقلت الى الأردن لمدة عام, لتعود الى شملان من جديد. ثم هاجرت المدرسة مجددا، لتتحول الى مقر دراسي فى الجامعة الأمريكية في القاهرة.
و الغريب أن هذه المدرسة أُسست في القدس و كان مدير الدراسات الأول فيها أبا إيبان, وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق ، و المعلومة نقلاً عن ” كتاب A Nest of Spies ” عش الجواسيس” الذى كتبه آخر مدير للمدرسة ليزلي ماكلوكلين Leslie McLoughlin و يحكي حكاية تلك المدرسة. و الهدف من إنشائها يعود إلى أنه كان محتملاً أن يشق الجنرال الألماني روِميل طريقه للقاهرة، مما يستدعي وجود موظفين بريطانيين ذوي معرفة باللغة العربية للعمل ضد المحور، و حين هُزم روميل، جرى تعديل المفهوم المتصل بوجود ضباط إستخبارات ذوي معرفة بالعربية ليناسب الإحتياجات المدنية و العسكرية.
في بداية الكتاب، أشار الى وجود جواسيس بين الطلاب منهم الألماني و الكندي و الأمريكي و الدبلوماسي الكوبي خوسي كوريس .
كما كان الجاسوس البريطاني جورج بلايك George Blake الهولندي الأصل واحداً من طلاب معهد شملان، و قد قضي وقتاً ممتعاً فى بيروت بقلب وكر الجواسيس مع عميل مزدوج آخر لصالح السوفييت هو كيم فيلبي في وقت أُعتبرت فيه لبنان مركزا للإستخبارات السرية فى المنطقة. توفى جورج بلايك سنة 2020 عن 98 عاماً فى موسكو بعد أن تجسس فى الخمسينيات لصالح الاتحاد السوفييتي, على الرغم من كونه ينتمي الى جهاز الإستخبارات البريطاني MI6، و أُلقي القبض عليه عام 1961 أثناء إقامته فى لبنان، ليقضي 42 عاماً بالسجن في بريطانيا.
في سنة 1947، تم نقل المركز مؤقتا إلى مدينة الزرقاء بالأردن و ذلك على أثر تأسيس دولة “إسرائيل”. و في سـبتمبر 1947، تم نقله إلى قرية شملان بجبل لبنان، و منذ ذلك الوقت أصبح المركز تحت إدارة وزارة الخارجية البريطانية .
***
وسط ارهاصات السياسة, و تدفق المعلومات, و إحتمدام الحوادث, تصادف اشخاصاً من الصعب تحديد دورهم و إنتماءاتهم فى زمان الحيرة, و سيادة الشك, و فناء اليقين, حيث لا يكون حكمك على الآخرين صائباً… إلتقيت باشخاص منهم من يصادقك و يتقرب اليك, و يُبدي محبته الغامرة, من أجل كتابة التقارير, و منهم من يتحرك فى بيئة الهدف بحرية, لمراقبة و تعقب هدفه الذي يريد، لإستدراجه لجلب البيانات و المعلومات المطلوبة منه ! واحد من “كُتّاب التقارير ” هؤلاء, كان كاتباً مسرحياً, و زوجته ممثلة مسرحية مصرية معروفة, غمرني الرجل بمحبة لم ألمس, عمري, بمثلها من أحد, راح يكتب كل ما حلى له و و طاب من شطحات الخيال, في تقارير كانت تُسلم للملحق الصحافي في سفارتنا في بيروت محمد البطوطي.
وسط هذه التغيرات التي كانت تحدث في لبنان و كشاهد لهذه المرحلة، جمعتني المصادفة بواحد من هؤلاء, و اللقاء تم بيني و بين الصحافي السوري نهاد الغادري, الذي تعرفت عليه من خلال الصديق و الزميل السفير السابق لسوريا غالب كيّالي, أثناء عملي فى مجلة “بيروت المساء”, و كان كيّالي كاتبا فيها. كان نهاد الغادري شخصية غريبة الأطوار قدّم نفسه لى كصحافي سوري معروف و مقيمً في لبنان, كاتب حر, يكتب و ينشر في الصحف كمعارض سوري لنظام حافظ الأسد، و مستشارا اعلاميا لخادم الحرمين حينئذ. دعاني الى منزله في برمانا, حيث تعرفت الى زوجته و بناته الثلاث و إبنه فريد …
و تمر بي الأيام فأعود ألتقيه فى مكتبه ببناية “إلدورادو” في شارع الحمرا, بعد عودته من زيارة للمملكة السعودية ليفتح امامي حقيبته “السامسونايت”, بقصد أو غير قصد, ليُخرج بعض الأوراق. و لأول مرة في حياتي تقع عيناي علي مشهد أشبه بالأفلام السينمائية, فالحقيبة كانت مُتخمة برُزم من الدولارات… دعوت له بالرزق الحلال , و تركته مع دولاراته.
بعدها علمت من كيّالي انه أخذ عائلته و قرر السفر الى الولايات المتحدة للعيش هناك قبل الحوادث الدامية بعام. و تمر أشهر، ليتصل بي الغادري قبل الأحداث بستة أشهر, ليخبرني انه حضر في زيارة للبنان و مقيم بفندق” نابليون” في شارع الحمرا. قابلته من باب الفضول, لأعلم سر سفره المفاجئ مع عائلته الى الولايات المتحدة. كان في عجلة من أمره فهو على موعد مع ياسر عرفات (أبو عمار), و جاءت إجابته عن تساؤلاتي بقوله : ” البلد ده خلاص مابقاش منها فايدة ” !
و نصحني بالعودة الى مصر من دون أن يفسر لى أي شئ. و حاولت أن أربط المشاهد ببعضها منذ تعرفت عليه و وضع سيناريوهات فى محاولة لفهم الرجل و تصرفاته المريبة، إلا أن الأمر زاد من دهشتي, فالرجل يعلم بأشياء لا نعرفها.
التقيت بالغادري بعد سنوات في لندن، فقد فاجأني بدخوله مكتبي في شارع ” سان جيمس” في قلب لندن, عارضاً فكرة خبيثة ستجلب لي أموالاً كثيرة. الرجل كان علي خلاف مع الإدارة السعودية, فقد توقف العطاء المادي, و رفضت السفارة السعودية لدى باريس تجديد جواز سفره السعودي, حيث ترك أسرته في الولايات المتحدة, و حضر للمعيشة في باريس حيث تزوج ثانية من جزائرية … الفكرة الشريرة تتلخص في عشر ورقات لخص فيها فكرة كتاب إبتزازي ينوي نشره، يستعرض فيه فضائح و أسرار عن العائلة المالكة السعودية, و المطلوب أن أتصل بالملحق الصحافي السعودي في سفارتهم لدى لندن, بصفتي حريصا على سمعة المملكة , فيغدقون عليّ من أموالهم نظير إخلاصي، و ترتعد أوصال الإدارة السعودية من نشر هذا الكتاب, و تعيد للغادري المنحة المالية, و تنفذ طلباته خوفاً من الفضيحة!
بالطبع رفضت هذا العرض الدنيء, فغضب الغادري و إتجه بفكرته الي شخص سوري الجنسية مثله يمارس الصحافة هو غسان زكريا الذي كان يصدر مجلة ” سوراقيا ” و هي مجلة تتربح من إبتزاز شيوخ الخليج و الإرتزاق منهم. رحب زكريا بالطبع بعرض الغادري الجرثومي، فنشرت “سوراقيا” مقالات عدّة له، و ربح زكريا ما ربح من هذه الصفقة, و عادت المنحة و جواز السفر للغادري. وصدق الغادري، فقد كانت سياسة المملكة في حينها تجنب أي شيء يسيء لها حتي لو كان كذباً و إفتراء. و بحث الغادري عن منبر جديد لنشر الأفكار المحددة، المُحرقة أحياناً، و المضللة أحياناً أخري حسب الطبخة السياسية المطلوب تقديمها للقارئ، و تخدم سياسات معينة . و كانت مجلة “المحرر ” التي تصدر من باريس على شفا الإفلاس و معروضة للبيع، فاشتراها الغادرى بما جناه من التخويف الاعلامي، و أصبح مالكاً لها .
عينة من الرجال إلتقيت بها فى بيروت قبل حربها الدامية المدمرة، ماهم إلا فقاعات تتطاير من منظومة إستخباراتية عملت علي تحقيق هدف وحيد و هو “تحطيم لبنان” .
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة